قد تدخل إيران مرحلة جديدة من حياتها السياسية وتوجهها السياسي، وقد تخطو خطوات عملاقة نحو الخروج من العزلة، بمواصلتها لمسيرة الاصلاح والتنمية، وبازالتها للعراقيل والمشكلات، والصراعات المختلفة بين أجنحة نظامها التي تقف دون تجسيد الديمقراطية في البلاد، وتقف بمثابة حجر عثرة أمام الطموحات الشعبية، وتطلعات المجتمع الايراني لغد أفضل، ومستقبل حافل بانجازات سياسية، اقتصادية واجتماعية، تبناها الرئيس خاتمي ومازال يتبناها في مشروعه الوطني، وان ترشحه لانتخابات الثامن من يونيو الجاري ما هو إلا دليلا واضحا على امكانية تكريس هذا الهدف، وعدم الرضوخ أمام المحاولات العديدة والمختلفة لكسر وعرقلة الاصلاحات التقدمية والديمقراطية من جهة، وعدم اتاحة الفرصة كاملة، وفتح الباب على مصراعيه أمام الاتجاه المحافظ والمتطرف للنيل من هذه الانتخابات والعودة بإيران إلى ما كانت عليه قبل سنة 1997 من جهة أخرى. إن الخيار الذي يواجه الجمهورية الإسلامية الإيرانية خيار حاسم، ومنعطف هام يمكن من خلاله إما الخروج من نفق السياسة التي ظلت ومازالت تهيمن على كل النشاطات السياسية، الاجتماعية، وكذا الاقتصادية، وتحول دون السماح لأية محاولة تغيير تقدمية حضارية، وبالتالي ابقاء الجمهورية في عزلتها على المستوى الدولي، أو دعم سياسة الاصلاحات والتغييرات الجذرية، ومشروع الديمقراطية الدينية الذي يدعو إليه الاتجاه التقدمي بقيادة الرئيس الحالي محمد خاتمي، والذي يقف وراءه أغلبية الشعب الإيراني، والذي يرى في رئيس الجمهورية الحالي المنقذ الوحيد، والرجل الأمثل الذي يمكنه أن يدفع بإيران إلى واجهة التقدم والحرية والديمقراطية في حدود ما تسمح به الشريعة الإسلامية، وبالتالي يعيد إيران إلى ميدان الساحة الدولية، وإلى مسرح التفاعلات والتبادلات والنشاطات الاقتصادية والتجارية العالمية. إن تحليل الوضع العام في إيران يجعل المتتبع للأحداث السياسية في الجمهورية الإسلامية، يتطلع إلى المزاج الذي يسود في هذا المجتمع، فظاهرة الكتابة على الجدران على سبيل المثال، والتي استفحلت باقتراب موعد الانتخابات الرئاسية، لدليل واضح على اشكالية هذا المزاج وتعقيده، فما يكتب في جدران العاصمة من شعارات سياسية، وعبارات وجمل متعددة المضمون، ومختلفة التوجه، ليس إلا اشارة واضحة عن رغبة المواطن الايراني في التعبير عن مواقفه وأفكاره السياسية بصراحة، وتفجيره لكبته السياسي والثقافي الذي دام طويلا، ورفضه للضغط والاستبداد الشاملين الممارسين عليه منذ زمن طويل، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فمازالت الشعارات الدينية والتي تعد المحرك الوحيد والدافع الأساسي لاستمالة عاطفة الرأي الشعبي العام، تكتب هي كذلك على جدران الشوارع في طهران، وهذا في محاولة رد، ومواجهة لهذه الآراء والتعبيرات التقدمية إذا صح التعبير. وفي هذا الاطار، فان مجموعة من المحافظين والذين يتمتعون بصلاحيات كبيرة في الممارسة السياسية، قد حاولت وعملت على منع الرئيس محمد خاتمي من الترشح لانتخابات الثامن من يونيو الجاري الرئاسية، وذلك باستعمالها لعدة أساليب ووسائل، كاغلاقها لأربعين جريدة وصحيفة، ومنعها من النشاط الصحفي السياسي، وبسجنها للعديد من أصدقائه السياسيين، وعلى رأسهم عبدالله نوري وزير الداخلية السابق، بهدف اثبات ضعف نفوذ خاتمي، والانقاص من صلاحياته أمام الرأي العام. إن ترشيح الرئيس محمد خاتمي، يحمل ضمنيا، ويجر في طياته امكانية توصل هذا الأخير مع عدد من أعدائه السياسيين إلى اتفاق ولو كان مبدئيا عن مرحلة ما بعد الانتخابات والتي يريد ويصر على أن يكون له فيها في حالة نجاحه غير المستبعد حرية واستقلالية لعمله المستقبلي وصلاحيات حقيقية لتجسيد مشروعه الاصلاحي والتنموي بعكس العراقيل والعقبات التي واجهها بعد انتخابات مايو 1997 والتي شلت بصفة واضحة المشروع الاصلاحي التقدمي. إن الأحداث المتتالية في إيران، هذا البلد ذي المساحة الشاسعة، ذي 66 مليون نسمة، ذي الموقع الجغرافي الاستراتيجي الحساس، له أهمية كبيرة للغاية، على المستوى العربي الإسلامي وعلى المستوى الدولي بصفة عامة. فما يمكن الباحث السياسي أن يسميه بايجابيات ثورة 1979 على مستوى المجتمع الايراني، كمحاربة الأمية في البلاد، وتعميم التعليم المجاني، ووصول أكثر من مليونين طالب ذكورا واناثا إلى المستوى الدراسي الجامعي والعالي، كل هذه المترتبات قد خلقت من جهة أخرى، أو بوجه معاكس ظروفا جديدة تتمثل في بروز جيل من المثقفين، تفهموا أمور السياسة والاقتصاد، وأصبحوا يعبرون عن كبتهم ويدعون إلى تغيير الوضع الحالي، ويدعون إلى ما يسميه بعض الفلاسفة السياسيون بثورة داخل ثورة، وفي هذا الصدد، يمكن الاشارة إلى النظرية الفلسفية الشهيرة «لألكسيس دي توكفيل» والتي يقول فيها ان الثورات الناجحة سرعان ما تزيل وتمحى الأسباب التي أنجبتها وتصبح مبهمة وغير مفهومة من نجاحها نفسه. فاعادة النظر في المفهوم الثيوقراطي للجمهورية الإسلامية الايرانية يعد نقطة جدال حاسمة بين المحافظين والاصلاحيين، فالاصلاحيون يرون ان الدستور الذي يخول للزعيم الروحي، غير المنتخب من الشعب صلاحيات فوق تلك التي يتمتع بها رئيس الجمهورية المنتخب، ليس له أية شرعية إلهية. وضمن هذا المفهوم، فمشروع الاصلاحات الذي يتبناه التقدميون بقيادة الرئيس محمد خاتمي، يشن حملة دعائية واسعة النطاق للقضاء على صبغة القوة المطلقة لهذا المفهوم الديني، وفي نفس الوقت لارساء دولة قانون، تعددية حزبية، حرية التعبير والادلاء بالرأي، حق المثقفين والمخترعين في النقد، وكذا توسيع نطاق وصول النساء إلى المناصب الحساسة في البلاد. كما يحمل المشروع الاصلاحي في طياته النهوض بالمستوى الاقتصادي، وتحقيق تنمية اقتصادية يمكنها أن تتجاوب وطموحات الشعب الايراني، ويمكنها أن تعكس الامكانيات الاقتصادية والثروات الطبيعية الهائلة التي تتربع عليها البلاد، وفي هذا الاطار، فان القضاء على البطالة التي تمثل أكثر من 20% من نسبة اليد العاملة، ومحاربة الفقر، حيث يعيش 50% من الايرانيين في مستوى من الفقر المدقع، ثم خلق مشاريع استثمارية حقيقية لا يمكنها أن ترى الواقع إلا إذا انفتحت الجمهورية الإيرانية على النظام الاقتصادي العالمي، وواكبت عجلة تطوره، وأبرمت عقودا واتفاقيات تعامل وتبادل اقتصادي، تقني وتكنولوجي مع الدول المتطورة في أوروبا وأمريكا، وكذلك مع جاراتها من الدول العربية التي أحرزت نجاحا كبيرا في مسيرتها التنموية والحضارية، وايجاد الحلول الاقتصادية الحقيقية للخروج من قفص المديونية الخارجية التي تبلغ حاليا 22 بليون دولار. فهل ينجح محمد خاتمي في الانتخابات المقبلة، وهل سيجدد الشعب الايراني الثقة فيه، وهل سيتمكن الاصلاحيون من تحقيق وتجسيد هذا المشروع الوطني الكبير، وهل ستنتهج الجمهورية الإسلامية الايرانية سياسة اعتدالية منفتحة تجاه جيرانها من العرب وتقضي بالتالي على خلافاتها السياسية والجغرافية معها، ثم تجاه العالم الغربي والولايات المتحدة الأمريكية. أم ستبقى العراقيل والتناحرات السياسة الداخلية تواجه المشاريع الاصلاحية. بقلم: كمال ديب ـ كاتب جزائري