على مدى تجاوز العقدين من الزمن كان (العداء) هو العنوان الرئيسي، والقانون الحاكم للعلاقات الإيرانية / الأمريكية، إلا أن الأمر اختلف نسبيا عند إنتخاب خاتمي رئيسا ـ للمرة الأولى عام 1997، فشهدت العلاقات تحسنا طفيفا، دشنه تصريح خاتمي حينئذ في مقابله شهيرة مع شبكة (سي.إن.إن)الأمريكية دعا فيه إلى كسر أجزاء إنعدام الثقة) بين طهران ووشنطن، غير أن التوازنات الداخلية في إيران لم تسمح بدرجة من التقارب مع (الشيطان الأكبر) بالدرجة التي جرت عليها الرهانات سواء داخل إيران أو في الولايات المتحدة! من الاستهداف إلى الإنجاز غير أن مؤشرات عديدة على الجانبين الإيراني والأمريكي باتت تؤكد أنه بعد إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية في إيران التي تجرى اليوم وبدء ولاية خاتمي الثانية كما تؤكد كل الاحتمالات والتحليلات فوزه فإن ملف (العلاقات مع الولايات المتحدة) سوف يحتل أولوية متقدمة على سلم اهتمامات عهد خاتمي الثاني، من ثم فإن حدوث إختراقات حقيقية على محور طهران واشنطن سوف ينتقل من خانة (المستهدف) إلى مربع (الإنجاز)، ويصبح التطبيع مع (الشيطان الأكبر) خيارا واقعيا، يحظى بالاهتمام، وإن كان الأمر يتطلب درجة عالية من الحذر والحكمة في تلك (البروسترويكا) الشاقة. على الجانب الإيراني إنطلقت عدة مؤشرات تصب في إتجاه حدوث تقارب مع واشنطن في الولاية الثانية لخاتمي على النحو التالي: ـ دعوة خاتمي إلى مواصلة سياسة الإنفراج، وتجنب أي تصريحات مقهورة قد يكون وقع سلبي على السلام. ـ تحول قضية التطبيع مع واشنطن إلى إحدى القضايا الأساسية في سجال الإنتخابات الرئاسية، خاصة مع إشتداد سخونة حرب التصريحات والتصريحات المضادة، بل إن الأمر تحول إلى مزايدة من جانب المحافظين، والمحسوبين على معسكرهم! ـ عدم استبعاد أحد العناصر القريبة من مرشد الجمهورية أية الله خامئني إمكانية التطبيع مع واشنطن بعد الإنتخابات، فقد أعلن طه هاشمي الذي يسعى مع عدد من المفكرين الإسلاميين الجدد لأبعاد خامنئي عن المتطرفين، أن العلاقات مع الولايات المتحدة بحاجة إلى عملية إعداد حكيمة، معربا عن اعتقاده بأن من الممكن حدوث ذلك خلال الفترة الثانية للرئيس خاتمي. ـ اجتراء أحد منافسي خاتمي على الاعلان عن الوعد بالتطبيع مع واشنطن بلا شروط.. حال فوزه، بل أن هذا المرشح د. كاشاني الذي يعمل أستاذا للقانون قد كشف عن تسوية سرية بين طهران وواشنطن ارتبطت بقضية تعويضات، كان هو كبير المحكمين الإيرانيين فيها، وأن التسوية تمت خارج المحكمة، دون موافقة البرلمان! ـ إذا كان البعض لم يقترب مباشرة من المساس بالتابو المرتبط بقضية العلاقة مع الولايات المتحدة فإنه قد جرى الإلتفاف حول الأمر عبر تناوله من خلال إثارة موضوع العلاقة مع الغرب بشكل عام أو من خلال طرح (مشروع حوار الحضارات) كما ذهب وزير الاستخبارات السابق على فلاحيان، الذي حرص على أن ينسب هذا الطرح إلى نفسه، نافيا أن يكون خاتمي قد سبقه إلى ذلك! وإذا كانت تلك (عينة) للمؤشرات التي تفتح ثغرة تضيق أو تتسح في جدار قضية التطبيع مع (الشيطان الأكبر) في إيران، فماذا على الجانب الآخر في واشنطن؟ خطوة جسورة حينما فاز خاتمي بالرئاسة عام 97، خرج الدبلوماسي الأمريكي البازر ريتشارد مورفي برأي نشرة عبر صحيفة ـ واشنطن بوست مفاده أن الوقت قد حان لاعادة النظر في السياسة الأمريكية الكسيحة ضد إيران، بعد أن ثبت خطأ التحليلات التي راهنت على فوز المتشددين الذين كان يمثلهم حينئذ ناطق نوري، لكن الأمور سارت بعد ذلك في قنواتها وسبلها المعتادة، ولم تتخذ إدارة كلينتون (خطوة جسورة) في إتجاه التقارب مع إيران، رغم أن حلفاءها الأوروبيين إتخذوا أكثر من خطوة يمكن إطلاق هذا الوصف عليها، والآن فإن المراقبين في واشنطن وخارجها ينتظرون كيف سيخوض بوش الثاني الاختبار العسير كما وصفته الهيرالد تريبيون بعد الاستحقاق الرئاسي في إيران ؟ وإنطلق تحليل الصحيفة الأمريكية من أنه إذا كان شكل العلاقة في الماضي قد شكل أكبر مصلحة للولايات المتحدة في المرحلة ما بين وصول الخميني وحتى اللحظة الراهنة، فإنه من المؤكد أن الأمر لن يكون بنفس الحال الآن وفي المستقبل. وأجابت (الهيرالدتريبيون) على سؤال : ما الذي يتعين على الرئيس بوش فعله ؟ من خلال تحديد ثلاث مهام لإدارته على طريق تطبيع العلاقات السياسية والتجارية والثقافية مع إيران على النحو التالي: ـ الاعتراف بأن إيران تشكل أهمية استراتيجية هائلة للولايات المتحدة وأ صدقائها وحلفائها، إذ أن 65% من احتياجات النقط العالمية تأتي من الخليج، وإيران تأتي في أكبر دولة في احتياجات الغاز، كما أن أي سياسة تتعلق بالطاقة الموجود في بحر قزوين لايمكن أن تتجاهل إيران. ـ يترتب على ذلك ضرورة إتخاذ بوش لخطوات بإتجاه إقامة علاقات طبيعية مع إيران، وفق طروحات أمريكية، تصل إلى حد رفع العقوبات التي تعوق تجارة الشركات الأمريكية مع إيران، بما يحقق بالأساس المصلحة الذاتية الأمريكية مع إيران، خاصة وأن مساعي واشنطن لعزل تلك الأخيرة قد فشلت، من ثم فإن على إدارة بوش أن تتجه إلى اعتماد سياسة مختلفة. ـ وإذا كانت التحليلات الأمريكية عن قصد أو بغير قصد لم تطرق إلى الإشارة لمسألة الصداقة بين إيران وروسيا، وتأثير التقارب بينهما على المصالح الأمريكية في المنطقة وهي كثيرة ومتنوعة فإن مما لاشك فيه فإن مراكز صياغة القرار لن تكون غافلة عن تلك الخطوات التي تمهد بإتجاه تحالف استراتيجي إيراني، وهي خطوات متسارعة، وبإيقاع مرتفع، ولايمكن مواجهته بالاعراب عن القلق أو حتى الاحتجاج، عندما يتعلق الأمر مثلا بتوفيق التعاون الروسي الإيراني في مجال التكنولوجيا النووية. وبحسب ما ذهبت إليه (الايكونوميست) البريطانية، فإنه على الأقل نظريا من المفترض أن يكون بوش الثاني قادرا على وأد براعم الصداقة الإيرانية / الروسية التي بدأت تتفتح، وتذهب (الايكونوميست) إلى أن الهدف من السياسة الخارجية غير المعلنة لخاتمي ليس فقط تحسين العلاقات مع ر وسيا وإنما أيضا إعادة فتح قنوات الإتصال اقتصاديا ثم سياسيا مع الولايات المتحدة، مقابل ما تخطى به العلاقات بين طهران وموسكو من قوة دفع ذاتية. ملامح سيناريو للتقارب أن التحديد أو عدمه للعقوبات المفروضة على إيران في أغسطس المقبل سوف يمثل اختيارا عسيرا لإدارة بوش في ظل صعوبة اقناع الرأي العام الأمريكي الذي اعتاد لهجة عدائه مع إيران طويلا ـ وكذلك في ظل التقارب الروسي/ الإيراني سريع الخطى، هذا على الجانب الأمريكي، أما في طهران فإنه من غير المتوقع أن يكون خاتمي الثاني في ظل استمرار المعادلات التي تحكم حركته مطلق اليد في إبداء إيماءات ودية كافية لاستمالة بوش الثاني، لكن ذلك لا ينفي أن ثمة مصالح مشتركة يمكن أن تدفع بالرجلين إلى الإلتقاء في منتصف الطريق، لكن ربما كان على بوش أن يتخذ الخطوة الأولى على أي حال. لقد حاول طه هاشمي المقرب من مرشد الجمهورية خامنئي أن يرسم ملامح سيناريو أولى لاذابة الجليد بين طهران وواشنطن ملقيا الكرة في نصف الملعب الأمريكي، فقد حدد هاشمي. ـ أن تبدأ المفاوضات بين الجانبين سواء مباشرة أو غير مباشرة بشكل غير علني. ـ ألا تتعاطي واشنطن مع المبادرة الإيرانية على أنها تأتي من نقطة ضعف، أو أن تنظر إليها على أنها فشل للثورة الإسلامية. ـ أن تبدي واشنطن إشارات على أسفها عن تصرفاتها في الماضي. ـ التعامل بحكمة كافية مع الأمر من جانب الإدارة الأمريكية لضمان عدم الإضرار بالكرامة القومية لإيران. ـ اتباع سياسة النفس الطويل، فعلى حد قول هاشمي فإن الأمر سيستغرق بعض الوقت والعمل الشاق للتغلب على إنعدام الثقة بين الجانبين. ـ اعتماد الثقة المتبادل إذ يجب أن نثق في بعضنا البعض أولا ونخلق أجواء تسودها الثقة. ـ تمهيد الطريق أمام هذا التحول بشكل كاف، وهذا (يحتاج إلى عمل شاق). بالفعل فإن إيران وضعت الكرة في نصف الملعب الأمريكي، وإذا كان بوش قد أعرب بشكل غير رسمي. عن إهتمام بالتقارب مع إيران، فإن الأمر على الجانبين بحاجة إلى أكثر من رسم السيناريوهات وإبداء النوايا الطيبة بشكل رسمي أو غير رسمي، عبر مجسا ت وإطلاق بالونات الاختبار هنا أو هناك. ومن الآن وحتى موعد اعادة النظر في الكونجرس بشأن تجديد قانون فرض عقوبات على الشركات الأجنبية التي تستثمر في قطاع النفط الغاز الإيراني خلال أغسطس القادم فإن حدوث مفاجأت تنطلق من طهران أو واشنطن أمر وارد أكثر من أي وقت أخر. وإذا كان (تابو) الحديث عن التطبيع مع (الشيطان الأكبر) قد سقط في طهران، فإن الدور بحسابات المنطق قد جاء على واشنطن لاسقاط الميثولوجيا في التعامل مع إيران خلال المرحلة المقبلة. بقلم: علاء عبد الوهاب ـ كاتب مصري