بالرغم من ان الانتخابات التي تشهدها أية دولة لتنصيب الرئيس لولاية ثانية تكون ـ في العادة ـ أقل سخونة من انتخاب الرئيس لأول مرة.. إلا ان المشهد الإيراني ـ في الانتخابات الثانية للرئيس محمد خاتمي ـ يستثنى من هذه القاعدة. ولعل ذلك يعود إلى الشعور المتصاعد ـ في الشارع السياسي والشعبي الإيراني ـ بأن نجاح السياسات الاصلاحية والانفتاحية المنشودة هناك بات منوطا بشخص الرئيس خاتمي الذي خاض «ثورة» جديدة في الوعي والواقع والمؤسسة في بلده ـ خلال فترة رئاسته الأولى ـ نالت تأييدا شعبيا واسع النطاق، خصوصا في أوساط الشباب والمثقفين والمؤسسات العصرية، بقدر ما نالته من معارضة شرسة من المؤسسات والشخصيات التقليدية. ولعل إيران البلد الوحيد في العالم الذي ينافس فيه رئيس الجمهورية على المركز الثاني في النظام، فالمركز الأول والأقوى هو لمرشد الثورة الذي يتمتع بصلاحيات واسعة ونافذة جدا منذ ان اعاد الإمام الخميني النظر في وظيفة الفقيه وجعل له الولاية المطلقة في الشئون الدينية والدنيوية جمعاء، سواء أكان في نطاق دستور 1979 أم في الدستور المعدل العام 1989. ومنذ ان جاء محمد خاتمي إلى سدة الرئاسة، جرت مياه كثيرة وساخنة تحت جسر إيران، سواء أكان على صعيد الحياة العامة أم في نطاق المؤسسة الدينية أو لجهة علاقات إيران بالخارج وبالغرب خصوصا، بل حتى في موضوع «الشيطان الأكبر»! برغم ان النخبة الايرانية الحاكمة ـ حتى في أشد خلافاتها ـ تتصارع دائما من أرضية النظام الإسلامي وليس من خارجه، وهي خاصية إيرانية مازالت نافذة حتى هذه اللحظة. لقد بات في شبه المؤكد ان الناخب الايراني سيصوت لصالح خاتمي، بل صار من اللافت ـ في هذا المشهد الانتخابي ـ ان الرئيس لا يلقى منافسة خطيرة في سيره الواثق إلى فترة رئاسية ثانية.. غير ان ذلك لا يعني بالضرورة ان طريق خاتمي ستكون مفروشة بالورود، أو ان مشاريعه المستقبلية ـ الداخلية والخارجية ـ ستشهد تنفيذا خاليا من المتاعب. حقا ان ايران قد انتقلت من مرحلة الشرعية الثورية الى استحقاقات الشرعية الدستورية.. غير ان هذا البلد يمر اليوم بمرحلة انتقالية في غاية الخصوصية والأهمية والخطورة. وهي مرحلة تثير العديد من علامات الاستفهام أكثر مما تقدم من عبارات الايضاح، وتخلق مشاعر القلق أكثر مما تستنبت أزهار الأمل.. والأهم: هل سيستطيع خاتمي أن يدافع عن نهجه الاصلاحي ويحميه من مخاطر الانتكاس التي تحدق به؟ والى متى؟ وبأية كلفة؟ وما مدى صمود وتلاحم «الحمائم» المؤيدة لهذا النهج في مواجهة «العمائم» المتأبطة شرا تجاهه؟ حسن عبدالوارث