ليس ثمة مؤشر واحد في إيران يفيد بأنها لن تنتخب وتجدد ولاية محمد خاتمي لرئاسة الجمهورية. في المقابل تظهر مختلف المؤشرات أن المحافظين يخوضون ثامن انتخابات للرئاسة منذ قيام الجمهورية الاسلامية بخجل يدل على الحيرة والتردد وليس على حياء ما: حيرة في تسمية مرشحهم الرسمي، وتردد في اتخاذ موقف سلبي معلن من الرئيس الحالي القادم. والخشية من الخسارة واضحة لكن الخشية الأكبر هي من تعميق الهوة بين رأسي النظام: المرشد آية الله علي خامنئي رمز سلطة ولاية الفقيه ورئيس الجمهورية محمد خاتمي الواعد بالتغيير رغم الاخفاقات وذو الشعبية غير القابلة للنقاش، مقارنة مع باقي المرشحين على الاقل. وبين الرجلين ود مفقود نتيجة قوى الضغط المحيطة بكل منهما: تيار الإصلاح مرغوب تعكر أجواءه بعض الجماعات المتهمة بالمبالغة في طرحها الى حد الانقلاب على قيم الثورة وبمحاولة توريط خاتمي في صدام مع رفاق الأمس، وتيار محافظ عماده رجال وعلماء الدين المتشددين الذين يتوجسون من الإصلاح والديمقراطية خوفا على نفوذهم ومصالحهم التي اكتسبوها بعد ثورة آيات الله عام 1979م. في المقابل يشكل انتماء خاتمي (57عاما) الفقهي والثوري عاملا مساعدا للإصلاح من جهة وسببا رئيسيا في حفاظه وهو الملقب بزهرة الياسمين - على هدوئه رغم كل الضغوط التي تتعرض لها مسيرته منذ انتخابه المفاجئ عام 1997. يكفي قوله انه كان يتعرض طيلة الأربع سنوات لازمة كل تسعة أيام. يكفي بكاؤه يوم تقديمه ترشيحه الأخير بعد تردد طويل. ويصعب في إيران تصور رجل يقود الإصلاح غير خاتمي في هذه المرحلة كما يصعب تقبلها خاتمي او غيره في هذا الدور من دون عباءة دينية. لقد نجح المحافظون في تسويق مقولة إن الإصلاح فشل اقتصاديا إلى حد يعجز معه الاصلاحيون في الدفاع عن رئيسهم في هذا المجال، لكن هؤلاء نجحوا في المقابل في الربط بين ما يسمونه عدم النجاح في تحقيق الوعود الاقتصادية وبين تقييده صلاحياتهم من قبل مؤسسات يتمترس فيها المحافظون: القضاء وقوات الامن والاعلام المرئي والمسموع وإدارات عديدة تسير قطاعات واسعة من الاقتصاد. والدوائر التي تتجاهل هذا الربط تجد ثغرة تنفذ منها لنقد خاتمي. لكن لنرى الى أي حد يصل نقدها: عندما قدم وزير العمل السابق (في الثمانينيات) احمد توكلي ترشيحه للانتخابات المقبلة، وهو محافظ وكان أحد المنافسين الرئيسيين للرئيس هاشمي رفسنجاني في انتخابات 1993، اكتفى بالقول «ان شعارات خاتمي التي أطلقها قبل أربع سنوات لم يتم تحقيقها». اما د. شهاب الدين صدر اصغر المرشحين سنا (41سنة) الذي يرفض تصنيفه في أي من الجبهتين وان كان معروفا بقربه من المحافظين فانه يعتبر ان الشعارات التي اطلقها خاتمي في 1997 «لم تحترم وان أنجز الكثير من الأمور» ومع ذلك فهو يحرص على ألا تنال انتقاداته للرئيس من احترامه له. ان حدود النقد هذه تمثل قبل أسبوع من الانتخابات على سقف ممكن أن تذهب له مختلف الأوساط باستثناء المتشددين المحافظين. في الواقع من الصعب أن نتخيل منافسة جادة لخاتمي ممن يحملون هذا القدر المتواضع من الطرح الانتخابي. ويلاحظ محمد علي ابطحي، الساعد الرئيسي لخاتمي، أن المرشحين التسعة الآخرين «لا يقولون إن شعارات الخطط التي يطرحها غير صالحة. لكن يقولون أن خاتمي لم يكن ناجحا. إن الأمور تتحسن لكن ليس بسرعة كبيرة». عند هذا المستوى يمكن أن نرى بوضوح إنجازات خاتمي من بعيد على الرغم من حملات القمع الداخلي المتصاعدة منذ سنة وعلى الرغم من الثمن الغالي جدا الذي تدفعه إيران مقابل هذا القدر المحدود من الحرية المنجزة للآن. فما تحقق في ولاية خاتمي الأولى يعد تغييرا خطرا إذا ما قارناه مع واقع إيران غداة الثورة وفي السلطة المطلقة للولي الفقيه حينها آية الله الخميني وما كان يتمتع به من رهبة وسلطة معنوية. وعلى خلاف الظاهر فان ما تعرضت له الصحافة والوسط السياسي والثقافي من قمع وإغلاق للمؤسسات (قرابة 40 صحيفة) هو ظاهرة مزدوجة الدلالة حيث تحمل مؤشر خوف المتشددين من الدرجة التي وصل اليها تأثير الحريات التي لم يعد ممكنا إيقاف قطارها. والاستنتاج نفسه ينطبق على حملة الاعتقالات المتصاعدة مؤخرا ولاسيما في آخر حلقاتها في 7 إبريل الماضي والتي طالت 42 عضوا من المعارضة الليبرالية (مقربين من حركة تحرير إيران) بتهمة محاولة قلب النظام وهي تهمة لم تعد تستفز معظم جيل الثورة وأبنائها. وحده الخوف وضعف المتشددين يفسر هذا القمع الذي يفتقر لأي تبرير ولو شكلا له. فعندما استدعى البرلمان رئيس المخابرات علي يونسي لمساءلته عن الحملة الأخيرة نفى علم جهازه بها ، وقام 150 نائبا من اصل 273عضوا في البرلمان برفع عريضة إلى رئيس السلطة القضائية آية الله محمد شهرودي إحتجاجا. على أن احدث انتصارات الإصلاحيين على هذا الصعيد تمثل بتبني مجلس الشورى قبل 10 أيام من الانتخابات المقبلة قانونا بغالبية كبيرة يحدد ويعرف الجرائم السياسية للحد من ظاهرة التوقيف والإعتقالات العشوائية بدعوى تهديد أمن النظام. لقد أشارت اغلب أصابع الاتهام إلى القضاء في قضايا القمع والاعتقال ووصلت روائح تجاوزاته انوف المحافظين أنفسهم حيث صرح فضل الله صلاواتي وهو أستاذ جامعي وأحد قياديي الثورة في أصفهان ان «الناس تعتقد للأسف بان إغلاق الصحف والاعتقالات تمت من جانب الزعيم خامنئي. أن القضاء يضعف من تأييد الناس للمرشد». ان خريطة المؤسسات في ايران تشير الى خلل كبير في السلطة الفعلية لصالح مرشد الجمهورية وما يمثل وعلى حساب رئيس الجمهورية والرهانات المعقودة عليه، ومع ذلك فان مسيرة التغيير تتقدم الى الامام اذ ان النجاح الكاسح للاصلاحيين في المؤسسات الانتخابية (الانتخابات البلدية عام 1998 والنيابية عام2000) من شأنه أن يؤمن التغطية الشرعية الشعبية (كلمة الأمة) غير الممكن مقاومتها بشكل دائم من قبل علماء الدين النظريين لسلطة الولي الفقيه خاصة اذا ثبتت هذه التغطية مواقعها في 8 يونيو الجاري. يتخوف البعض من ان المشهد الشعبي وانجذابه بالتغيير يهدد بانفعال «الحرس القديم» وبإدخال إيران في بازار من القمع، إلا ان اغلب التوقعات تستبعد هذا السيناريو لان المجتمع الايراني لم ينس بعد ما حل بنظام الشاه بعد تعريته شعبيا على يد الخميني وأنصاره وفي مقدمتهم رجال الدين الذين يصعب ان يتقبلوا اليوم هذا التشبيه، كما ان من الصعب عليهم تسليم مكتسباتهم ببساطة لتوجهات الانفتاح وعلى مظاهره الآخذة بالتفاعل في الشارع، سواء على الصعيد الاجتماعي والسلوكي او على الصعيد السياسي الداخلي كما الخارجي. هذا الواقع يشكل أحد تجليات مأزق المحافظين العاجزين عن مواجهة الاستحقاق الرئاسي بمرشح واحد رغم وجود مرشحين كثر محسوبين عليهم (الاميرال علي شمخاني وزير الدفاع؛ علي فليحان وزير الاستخبارات السابق وآية الله عبد الله جوادي أمولي واحمد توكلي...). وخامنئي ليس وحيدا في معسكره الذي يفضل أن تتطور الأمور يوما لعمل ائتلاف يجمع بين المعتدلين من التيارين وهو أحد الاحتمالات الواردة في حالة تعذر تقدم طرف على آخر في أجواء استقرار وديمقراطية، ولهذا الطرح أنصاره العديدون هنا وهناك. ولا شك أن الحاجة المتزايدة في المجتمع الإيراني للتغيير في ظل أحوال التيارات الرئيسية جعل الأفكار الإصلاحية تلقى رواجا في مختلف الأوساط ولدى معظم المرشحين دون أن يقروا بانتمائهم إلى هذا التيار أو الى أحد تجمعاته. ومن مثل هؤلاء المرشح محمود كاشاني،نجل آية الله كاشاني الذي لعب دورا مهما في عام 1951في تأميم النفط مع رئيس الوزراء الأسبق ذي التوجهات القومية التقدمية محمد مصدق، يقول كاشاني الابن ان هناك الكثير الذي يتعين على بلاده أن تتعلمه بشأن الحقوق الفردية من دستور الولايات المتحدة! أما علي فليحان وهو رجل دين متشدد ورئيس سابق للشرطة السرية فانه يعد الناخبين بإقامة مراكز في الأحياء مخصصة للنساء ويشير الى انه اقتبس الفكرة من الرئيس الفرنسي الأسبق جورج بومبيدو.. ان هذه الاشارات ابعد وأدل معنى مما حصل سياسيا للجمهورية الاسلامية والغرب حيث شهدت السنوات الاخيرة من العقد الماضي زوالا للتوتر مع واشنطن بداية عبر المباريات الرياضية بين منتخبي البلدين عام 1998 ثم الرسائل العلنية وما تردد عن اتصالات سرية في الوقت الذي كانت فيه علاقات طهران مع الغرب قد قطعت خطوات متقدمة على اكثر من صعيد. وكل هذه الإشارات تؤكد انتهاء إيران من الطرح الصدامي الذي كانت ساد سنوات حكم الخميني. لكن هذا الانتقال لم يصل، ولن يصل في وقت قريب، الى تحسن في العلاقة مع الولايات المتحدة نظرا للملفات العالقة بينهما وأهمها الأرصدة الإيرانية المحتجزة في الولايات المتحدة وملف التسلح الايراني وقدراته النووية والوجود والتدخل الأمريكي في منطقة الخليج إضافة إلى مناطق آسيا الاسلامية. وبالنسبة للغرب عموما كان لافتا الموقف البريطاني الأخير - في شهر مايو - الذي اعتبر منظمة مجاهدي خلق الإيرانية المعارضة منظمة إرهابية، الأمر الذي اعتبرته إيران بادرة إيجابية جديدة تجاهها وردت عليه بصورة غير رسمية عبر اتحاد المنظمات الإسلامية لطلبة إيران الذي أشاد بالموقف البريطاني. إذا كانت مرحلة الثورة الإسلامية ترافقت لسنوات طويلة مع تفجر العديد من الأزمات بينها وبين جيرانها العرب وهي أزمات دفع الجميع وما زال بعضهم يدفع ثمنا غاليا عليها فان كل الأطراف المعنية تعيش منذ وقت غير بعيد ما يشبه حالة تأمل يزعجها بين الحين والآخر موقف من هنا أو هناك أو توتر محدود إلا أن العلاقات الإيرانية العربية عموما والإيرانية الخليجية خصوصا لم ترسو بعد على شاطئ امان. يذهب بعض المحللين الى أن خاتمي نجح بصنع صورة جديدة لبلاده حين قدمها إلى العالم قبل فترة قليلة على مائدة حوار الحضارات الذي نسف، بعد قبول الأمم المتحدة له، الاتهامات الموجهة لإيران بالعنف والإرهاب. إذا كان خاتمي لم يستطع أن يترجم كل توجهاته في الولاية الأولى، لا خارجيا ولا داخليا، فان تجديد انتخابه بشعبية واسعة سيضيق المجال هذه المرة على من قيدوا حركته في الولاية الأولى. وهنا أيضا يذهب العديد من المحللين الى القول انه في حال نجح خاتمي في إرساء مسار ديمقراطي داخلي سيحقق لبلاده اكبر انتصار ديمقراطي ومع هكذا انتصار لن تكون مضطرة لأي تقوقع أو هواجس أو عدوات لم تجلب لها سوى الكوارث تلو الكوارث. بقلم: د. إلياس البراج ـ كاتب لبناني