حتى اللحظات الأخيرة فى محاكمة الدكتور سعد الدين إبراهيم الناشط فى مجال حقوق الإنسان ورئيس مركز ابن خلدون فى مصر لم تكن أى من الدوائر الحقوقية أو السياسية تتوقع أن يصدر بشأنه أي حكم قضائي قاس.. وفيما ذهب قطاع كبير من هذه الدوائر إلى احتمال تبرئة ساحته بزعم أن الدوافع الأساسية لتحريك هذه القضية كانت سياسية وليست قانونية.. كان أكثر المتشائمين يتوقعون صدور حكم قضائى بالسجن المخفف أو عقوبة صارمة مع إيقاف التنفيذ.. لكن محكمة أمن الدولة العليا فى مصر عصفت بكل تلك التوقعات حين قضت على الدكتور سعد الدين إبراهيم بالسجن سبع سنوات بتهمة «بث معلومات مغلوطة في الخارج، تتعلق بمزاعم حول تزوير الانتخابات واضطهاد الأقباط دينيا». وقضت المحكمة نفسها على اثنين من المتهمين في القضية بالسجن ثلاث سنوات أشغال شاقة، في حين نال أربعة آخرون حكما بالسجن سنتين، وقضت على الآخرين وعددهم 21 متهما بالسجن سنة واحدة مع وقف التنفيذ. وجاء فى قرار الاتهام أن إبراهيم وجماعته حصلوا دون إذن من السلطات على مصادر تمويل أجنبية من الاتحاد الأوروبى وطالبت نيابة أمن الدولة العليا بإلحاق أقصى عقوبة بمدير مركز ابن خلدون وأعوانه وهى السجن 15 سنة مع الأشغال معتبرة أنهم «باعوا ضميرهم من أجل حفنة دولارات وارتكبوا مساسا سافرا فى حق هذا البلد، وأطلقوا شائعات أضرت بمصر». وعقب صدور قرار محكمة أمن الدولة العليا هيمنت أجواء من الدهشة والحذر أوساط الجماعات والمنظمات الحقوقية المصرية حيث مثل الحكم مفاجأة لا يمكن تجاهل دلالاتها بالنسبة لنشاطات هذه المنظمات على الأراضى المصرية. ورغم أن بعض الناشطين فى هذه الهيئات المدنية اعتبروا أن السيناريو الذى تعرض له سعد الدين إبراهيم يمثل استثناء فى علاقة الدولة المصرية بالجمعيات الأهلية ورفض التعليق على الحكم بإعتباره قرارا قضائيا لا يجوز التعليق عليه أو انتقاده من الناحية القانونية.. ذهب فريق آخر إلى أن سجن مدير مركزا بن خلدون يمثل عصا غليظة يمكن أن ترفع فى أى لحظة فى وجه أى منظمة حقوقية أخرى.. وشبحا يمكن للدولة أن تخيف به المنظمات المدنية التى تخرج عن الخطوط الحمراء. فى البداية اعتبر حافظ أبوسعدة أمين عام المنظمة المصرية لحقوق الإنسان أنه لن يتعرض لمنطوق الحكم الصادر من محكمة أمن الدولة العليا احتراما لأحكام القضاء فى مصر غير أن المشكلة فى تقديره لم تكن فى الحكم أو فى مؤسسة القضاء فى مصر لكنها تمثلت فى طبيعة السيناريو الذى جرت من خلاله وقائع ملاحقة الدكتور سعد الدين إبرا هيم وأعضاء المركز.. ويوضح أبو سعدة أن أزمة منظمات حقوق الإنسان ومراكز الدراسات المدنية فى مصر أنها محاصرة من اتجاهات متعددة.. فهى من ناحية غير مسموح لها بتلقى أموال من الخارج فى إطار المشروعات المشتركة ومن جهة أخرى لا يحق لها أيضا تلقى تبرعات داخلية إلا عبر تصاريح قانونية وإدارية متعددة ومعقدة.. ولا يوجد فى مصر سواء رجال أعمال أو هيئات إستثمارية وشركات اقتصادية يمكنها أن تغامر بعلاقاتها مع الحكومة بدعم منظمات حقوق الإنسان.. بينما نجد هذا النوع من التعاون والتبرع بين المؤسسات الإستثمارية ورجال الأعمال فى الغرب وبين المنظمات الحقوقية يمضى بفاعلية كبيرة.. ومن هنا فإن الحكم ، من وجهة نظر أبو سعدة ، يفتح الباب لضرورة مناقشة قضية تمويل المنظمات الحقوقية بشكل عام والمنظمات العاملة فى مجال حقوق الإنسان بصفة خاصة حتى لا يتعرض كل الناشطين الحقوقيين إلى طائلة القانون ويشير أبو سعدة إلى أنه هو شخصيا قد تعرض لحملة مطاردة بسبب تعاون بين المنظمة المصرية لحقوق الإنسان وبين هيئات بريطانية الأمر الذى كاد يتحول إلى مأساة قانونية وقضائية لولا أن تكشفت حقيقة الموقف فى اللحظة الأخيرة وتفهمت السلطات المصرية وجهات التحقيق طبيعة ما جرى. ويرى أمين المنظمة المصرية لحقوق الإنسان أن مشكلة الناشطين الحقوقيين ليست مع القضاء المصرى بل مع البيئة التشريعية والقانونية التى تحكم عمل هذا القضاء.. فهذه البيئة التشريعية تشوبها سلبيات كثيرة وأخطاء وثغرات متعددة كما أن الكثير من القوانين لا يتلاءم مع التطورات التاريخية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية التى مرت بها مصر خلال السنوات الأخيرة.. كما أن اللوائح والإجراءات الإدارية التى تحكم عمل أجهزة الدولة المصرية مع المنظمات الحقوقية تعانى من حالة فقدان ثقة واسعة متبادلة بين الطرفين الأمر الذي يضاعف من تعقيد الصورة. ويرى أبو سعدة أن الحكم الصادر بحق سعد الدين إبراهيم وإن كانت له مسبباته وظروفه وحيثياته الخاصة فإنه فى الوقت نفسه يفرض على المنظمات الحقوقية أن تكثف من جهودها فى سبيل تنظيم الإطار القانونى الذى تعمل فى إطاره حتى لا تصبح فريسة سهلة فى متناول هذه الثغرات القانونية أو التفسيرات السياسية أو مناخ تراجع الثقة مع الدولة. أما بهى الدين حسن مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان فقد بدا متحفظا على التعليق على قرار المحكمة مشيرا إلى أنه لا ينبغى قانونيا أو أخلاقيا التعليق على قرار المحاكم القضائية خاصة أن أحد أركان المجتمع المدنى هو احترام أحكام القضاء وعدم التعليق عليها أو انتقادها إلا فى حدود ما ينص عليه القانون وما تسمح به لوائح المحاكم المصرية.. واعتبر بهى أن الحكم قابل للإستئناف و النقض ومن ثم فإن هناك فرصة أخرى أمام القضاء.. ورغم التحفظ على التعليق على حكم قضائى رأى بهى أن الدكتور سعد الدين إبراهيم يمثل قيمة فكرية كبيرة وأحد الكوادر الهامة فى مجال دعم المجتمع المدنى فى مصر وكان لمركزه دور كبير فى النشاط الحقوقى ومن ثم فإن خسارة مثل هذا المركز والتضييق على نشاط الدكتور إبراهيم يمثل خصما حقيقيا من رصيد الحركة المدنية المصرية والجماعات الحقوقية المتخصصة فى مجال حقوق الإنسان أو غيرها من الجمعيات الأهلية . أما محمد زارع رئيس مركز حقوق السجناء ، وهو أحد المراكز الحقوقية المتخصصة فى مراقبة أحوال السجناء والتى تعمل بموافقة السلطات المصرية ، فيرى أن قضية الدكتور سعد الدين إبراهيم شديدة التعقيد و أصعب من مجرد حكم قضائى صادر بشأنه فالقضية تتعلق بطبيعة العلاقة بين السلطات فى مصر والمنظمات المدنية.. كما أنها ترتبط بعمق بمسألة هامة وهى قضية تمويل أنشطة المجتمع المدنى وكيفية الحصول على هذا التمويل وتوجيهه إلى جانب الحساسيات المصرية والمحاذير الوطنية المرتبطة بمسألة التمويل.. ويضيف زارع أنه لا يمكن أن ننكر أن هناك محاذير حقيقية فيما يتعلق بالتمويل الأجنبى ولا يمكن لأحد أن يصدق أن الهيئات الأجنبية تقدم ملايين الدولارات لدعم الأنشطة الحقوقية دون الحصول على مقابل حقيقى تنتفع منه مصالح الدول المانحة.. ومن هنا فإن قضية الدكتور سعد الدين إبراهيم وبصرف النظر عن الحكم القضائى الصادر بشأنه ومدى إمكانية حصوله على البراءة فى حالة التقاضى الأعلى قد وضعت المنظمات الحقوقية وكافة الجمعيات الأهلية فى مصر أمام مجموعة هامة من الأسئلة.. أهمها مسألة قبول التمويل الأجنبى وكيف يمكن التعاطى مع هذه الأموال وكيف يمكن ضمان عدم التدخل أو التفريط فى الثوابت الوطنية فى حالة تلقى تمويلا من الخارج.. ؟ ومن جهة أخرى فإن مسألة رفض التمويل الأجنبى ترتبط مباشرة مع ضرورة خلق فرص تمويل محلية للأنشطة المدنية ومن هنا يأتى تكاتف جميع الدوائر المدنية للبحث عن صيغة تضمن استمرار نشاط المجتمع المدنى المصرى وبصفة خاصة المنظمات التى لا تحظى برضا كامل من الحكومة أو على الأقل التى يبدو من سلوكها وطبيعة نشاطها أنها تتجاوز بعض الخطوط الحمراء فى ميدان العمل العام وإدارة شئون الحكم من قبل المسئولين فى الدولة. ويرى زارع أن قضية سعد الدين إبراهيم مثلت نموذجا هاما على أن الأجهزة المعنية يمكن أن تغض عينيها كثيرا عن التمويل الأجنبى فى حالات معينة لكنها يمكن أيضا أن تتدخل فى أى لحظة لتحاسب بأثر رجعى.. ومن هنا فإن الجميع عليه أن يتنبه إلى ذلك وعلى كافة المنظمات الحقوقية الدراسة المتأنية لنموذج سعد الدين إبراهيم والتعلم من الأخطاء التى وقع فيها أو الإنجازات التى حققها طوال هذه السنوات منذ إنشاء مركز ابن خلدون. المفكر السياسى البارز محمد سيد أحمد والذى كان على إطلاع بالقضية منذ اندلاعها أكد أن ما يخفف من وطأة الحكم الحالى أن سعد الدين إبراهيم كان قد أحيل إلى محكمة أمن دولة عليا ولم يحل إلى القضاء الاستثنائي ـ العسكري أو الخاضع لأحكام الطوارئ ـ غير القابل للطعن في أحكامه. ومعني ذلك أن الدولة كانت حريصة علي إجراء المحاكمة في العلن وعلي المكشوف.. وحريصة هي الأخري على ازالة أى نوع من الالتباس.. وبالتالى فإن المسألة دخلت حدود الدوائر القضائية ولا يجوز التعليق عليها بصورة تحمل أى نقد للقضاء لكن القضية الأخرى من وجهة نظر المفكر السياسى و التى تثيرها محاكمة الدكتور سعد ومعه مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية الذى أسسه ويرأسه. هى قضية مستقبل المجتمع المدني وبوجه خاص مستقبل المنظمات غير الحكومية في مصر التي تشكل جزءا لا يتجزأ من المجتمع الدولى الراهن. ولذلك فإن الدفاع عن مركز ابن خلدون فى الدوائر القضائية الأعلى لابد أن يشمل ضمن ما يشمل الأبعاد المختلفة لقضية حقوق الإنسان و ضرورة الدعوة إلى قيام حوار قومي عام حول ضبط المفاهيم في هذا الصدد ومن المؤكد كما يقول محمد سيد أحمد أن المحاكمة طرحت أيضا مشكلة التمويل.. ولا شك إن التمويل الخارجي من حيث المبدأ جائز ولا أحد يستطيع أن ينفي ذلك في عصر العولمة والتمويل الخارجي لا تستفيد منه فقط المنظمات غير الحكومية، وإنما يمتد إلى العديد من الوكالات والهيئات الحكومية، ومن المستحيل الدفاع عن فكرة اقتصاديات السوق والتعاون الدولى و الخصخصة وعن العمل جديا من أجل تشجيع الاستثمار ورفع القيود عنه، ثم حظر التمويل من الخارج لهيئات بعينها. ومع ذلك فإن الدولة كثيرا ما ترتاب من المقاصد وراء مثل هذا التمويل، خاصة فيما يتعلق بالمنظمات غير الحكومية التي تعمل في مجالات حقوق الإنسان، ترتاب الدولة من أن يكون كشف هذه المنظمات لمخالفات تمس حقوق المواطن وبالذات سوء معاملة أو تعذيب مواطنين داخل السجن أو الاعتقال إنما هو لخدمة مصالح أجنبية وتستهدف على نحو أو آخر المساس بالأمن القومي.. وهذه المخالفات هي في أحوال كثيرة أوضاع موروثة ذات جذور تمتد إلى عهود المواجهة مع الاستعمار فى فترات سابقة يصعب اقتلاعها على وجه العجلة، ومن هنا الحاجة الماسة لوضع رؤية محددة في هذا الصدد تزيل وجه الالتباس ولا تترك مجالات لسوء فهم.. وقد شاهدنا بالفعل في الآونة الأخيرة أن بادرت بعض منظمات حقوق الإنسان وقد تخلت طواعية عن بعض مصادر تمويلها، وربما تكون محاكمة سعد الدين إبراهيم مناسبة لتحديد نواميس هذه القضية بدقة، لصالح الدولة ولصالح المجتمع المدني على حد سواء. القاهرة ـ مكتب «البيان»: