التملك العقاري في لبنان مسموح لجميع اللبنانيين (بطبيعة الحال)، والعرب الاجانب باستثناء الفلسطينيين، بات هذا الواقع تشريعاً قائماً، فالقانون صدر عن مجلس النواب رغم معارضة بعضهم له، ومنهم النائب القاضي وليد عيدو الذي يصفه بأنه «يخالف الشرعية الدولية لحقوق الانسان». لكن نائباً اخر مؤيداً للقانون يبرر هذه المخالفة: «اذا كانت تحمي لبنان من شر توطين الفلسطينيين فيه». ويرفض المعارضون هذه المقولة باعتبار ان التوطين، سواء بحصوله او منعه، يبقى تحت سقف دولي واقليمي من دون ان يكون مرتبطاً بأية تدابير واجراءات عقارية محلية. ويعطون مثالاً على ذلك باستمرار وجود 13 مخيماً فلسطينياً في لبنان، بالمقيمين فيها واسلحتهم الثقيلة والخفيفة، رغم انسحاب الفلسطينيين منه ابان الاحتجاج الاسرائيلي عام 1982. ووفق ذلك، فقد تقدم عشرة نواب معارضين من المجلس الدستوري الذي يرأسه القاضي امين نصار بمراجعة تطلب ابطال قانون تملك الاجانب لجهة ان يشمل الفلسطينيين ايضاً، والنواب هم: وليد عيدو، نزيه منصور، محمد يحيى، مروان فارس، جهاد الصمد، علاء الدين ترو، محمد قباني، عبدالرحمن عبدالرحمن، سيرج طورسركيسيان، ومحمد رعد. نسأل القاضي عيدو عن الاسس القانونية والموضوعية للمطالبة بابطال القانون، فيجيب بقوله: اولاً: ان المقصود بالقانون المطلوب ابطاله، هو حرمان الفلسطينيين من حق تملك العقارات، دون سائر الناس، الامر المخالف لاحكام الفقرة باء من مقدمة الدستور التي تنص على ان لبنان عربي الهوية والانتماء، وهو عضو عامل ومؤسس في جامعة الدول العربية وملتزم مواثيقها.. وان الفلسطينيين هم مواطنون عرب، وان كانوا لا ينتمون لدولة بالمعنى الضيق لهذه الكلمة، وان حرمانهم من حق التملك العقاري مخالف لاحكام الدستور، ذلك ان مقدمة الدستور تتمتع بقيمة دستورية كاملة لانها جزء لا يتجزأ منه. ثانياً: أن القانون المطلوب ابطاله مخالف ايضاً لاحكام الفقرة الاولى من المادة «17» من الاعلان العالمي لحقوق الانسان التي تنص على ان «لكل فرد حق التملك بمفرده او بالاشتراك مع غيره. كما وانه مخالف لاحكام المادة الثانية من هذا الاعلان التي تنص على ان لكل انسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات والواردة في هذا الاعلان، دون اي تمييز.. بسبب العنصر او اللون او الجنس او اللغة او الدين.. او الاصل الوطني.. وان الاعلان العالمي لحقوق الانسان يعتبر جزءاً ملزماً للدولة الملتزمة باحكامه، سنداً لأحكام الفقرة «باء» من مقدمة الدستور ايضاً التي تنص على ان «لبنان هو عضو مؤسس وعامل في منظمة الامم المتحدة وملتزم مواثيقها والاعلان العالمي لحقوق الانسان، وتجسد الدولة هذه المبادئ في جميع الحقول والمجالات دون استثناء». ثالثاً: «ان القانون المطلوب ابطاله مخالف لميثاق الامم المتحدة الصادر بتاريخ 20/11/1963، الذي يحظر في مادته الثانية، اي تمييز في معاملة الاشخاص او الجماعات بسبب العرق او اللون او الاصل الاتني، ومخالف ايضاً لمواثيق الامم المتحدة التي انضم اليها لبنان بموجب القانون رقم 44 /1971 والتي تنص في المادة الخامسة على القضاء على جميع انواع التمييز العنصري وضرورة المساواة امام القانون، لاسيما بصدد التمتع بجميع الحقوق ومنها حق التملك. رابعاً: واخيراً، فإن المستدعين قد اشاروا الى التوطين الذي حظرته مقدمة الدستور يعني اعطاء اللاجئين الفلسطينيين وطناً بديلاً عن وطنهم فلسطين وذلك يكون باعطائهم الجنسية اللبنانية ومن يستتبع ذلك من حقوق سياسية، اما الحقوق المدنية الاخرى، بما في ذلك حق التملك العقاري، فلا تدخل ضمن الحظر المذكور، وبالتالي فإن الفقرة الثانية من المادة الأولى من القانون رقم 296/2001 تكون مخالفة للدستور، لذلك فانهم يطلبون قبول مراجعتهم في الشكل، وفي الاساس ابطال الفقرة الثانية من المادة الاولى من القانون المذكور، وتعليق مفعول تنفيذها لحين البت بالطعن المقدم منهم. رد المجلس الدستوري بماذا يرد المجلس الدستوري على مواقف القاضي عيدو وزملائه، ولماذا يقرر الابقاء على القانون المتخذ بمنع تملك الفلسطينيين للعقارات؟ يجيب رئيسه القاضي نصار، وباجماع جميع اعضاء المجلس قائلاً وباسهاب قانوني مطول يمكن اختصاره بالنقاط الاساسية التالية على صعيد ما يتعلق بالدستور والقوانين المحلية المتبعة: ـ في المرسوم الصادر في الرابع من يناير عام 1969، والمتعلق باكتساب غير اللبنانيين الحقوق العينية العقارية في لبنان نص يقول: «لا يجوز تملك اي حق عيني من اي نوع كان لأي شخص لا يحمل جنسية صادرة عن دولة معترف بها او لأي شخص اذا كان التملك يتعارض مع احكام الدستور لجهة رفض التوطين». سبق للمشروع اللبناني ان نظم، وبنصوص تشريعية مختلفة، تملك الاجانب للأموال غير المنقولة في لبنان، ووضعت جميعها قيوداً لهذا التملك. كما ان نصوصاً تشريعية وتنظيمية اخرى قد صدرت في لبنان وافردت اوضاعاً خاصة لغير اللبنانيين، وادخلت تمييزاً فيما بين هؤلاء ان لجهة دخولهم الى لبنان والاقامة او العمل فيه، فصنفت بينهم، سواء كانوا من الرعايا العرب او غير العرب. لم تخالف الدولة اللبنانية بسنها مثل تلك النصوص مبدأ المساواة الملحوظ في مقدمة الدستور، خاصة وان احدى فقراتها قد نصت على ان تلك المساواة في الحقوق والواجبات هي التي يجب ان تكون بين جميع المواطنين دون تمايز او تفضيل، كما نصت المادة 7 من الدستور ان «كل اللبنانيين سواء لدى القانون وهم يتمتعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية ويتحملون الفرائض والواجبات العامة دونما فرق بينهم، مما يقصر تحقق المساواة دستورياً بين اللبنانيين ويجعل منها مرتكزاً من مرتكزات نظام لبنان السياسي. كما ان احدى فقرات الدستور تنص على ان الشعب مصدر السلطات وصاحب السيادة يمارسها عبر المؤسسات الدستورية، بحيث ان السلطة المشترعة في سنها تشريعات تنظم تملك غير اللبنانيين للأموال غير المنقولة في لبنان انما تمارس السيادة الوطنية في المحافظة على الارض اللبنانية التي تؤلف القاعدة الاساسية التي تقوم عليها هذه السيادة والتي كرستها المادة الاولى من الدستور. كما ان المادة 15 الواردة في الفصل الثاني والمعنون في اللبنانيين وحقوقهم وواجباتهم قد كرست حق الملكية بأن جعلته في حمى القانون وحظرت نزع الملكية عن احد إلا لاسباب المنفعة العامة التي يحددها القانون. كذلك فإن وضع الملكية في حمى القانون يستتبع حتماً سن القوانين التي تحمي هذه الملكية وتنظم طرق اكتسابها وتضع حدود ممارستها، وهو ما فعله المشرع اللبناني في هذا المجال. لا تعارض مع القوانين الدولية ذلك ما يتوقف عنده الرئيس نصار واعضاء المجلس الدستوري. لكن هل يتعارض ذلك مع القوانين الدولية وبالتالي مع حقوق الانسان؟ ـ يجيب رئيس المجلس بالقول: «ان وضع شروط لاكتساب الملكية او لممارستها لا يتعارض من حيث المبدأ مع نص المادة 17 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر بتاريخ 10/12/1948 التي اقرت في الفقرة (1) منها ان «لكل شخص حق التملك بمفرده او بالاشتراك مع غيره»، ذلك ان هذا النص انما يعني ان حق الملكية من حيث المبدأ محفوظ للأشخاص، فضلاً عن ان المادة 29 من الاعلان العالمي ذاته تنص في الفقرة (2) منها ان الفرد يخضع في ممارسة حقوقه وحرياته (اي بما في ذلك حق التملك) لتلك القيود التي يقررها القانون فقط، وذلك لضمان الاعتراف بحقوق الغير وحرياته ولتحقيق المقتضيات العادلة للنظام العام والمصلحة العامة، مما يستتبع وجوب الاخذ بعين الاعتبار المسائل السيادية التي تقررها الدول في اقاليمها. ويضيف ان نص القانون المطعون فيه من قبل النواب العشرة يتوافق مع العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والذي اجيز انضمام لبنان اليه بقانون صادر عام 1972، خاصة لجهة الفقرة التي تنص على التالي: «يجوز للبلدان المتنامية، مع ايلاء المراعاة الحقة لحقوق الانسان واقتصادها القومي، تقرير مدى ضمانها لغير مواطنيها الحقوق الاقتصادية المعترف بها في هذا العهد». واضافة الى ذلك فإن العهد الدولي المذكور يؤلف حلقة متممة للاعلان العالمي لحقوق الانسان واضعاً الاطار القانوني الذي يمكن من ضمنه ممارسة الحقوق الاقتصادية التي ينص عليها كل منها، ومنها حق الملكية. كذلك فإن ما يؤكد ذلك الاتجاه ايضاً هو ان الفقرة الثانية من المادة الاولى من الاتفاقية الدولية للقضاء على التمييز العنصري بجميع اشكاله الصادرة في السابع من مارس 1966 والتي اجيز انضمام لبنان اليها في 26 يونيو 1971، تنص على انه لا تسري هذه الاتفاقية على اي تمييز او تقييد او استثناء او تفضيل تجريه اية دولة من الدول الاطراف فيها على اساس الفصل في المعاملة بين المواطنين وغير المواطنين، مع العلم بأن المادة (5) من هذه الاتفاقية التي تحدد الحقوق المدنية المصانة تذكر صراحة في عدادها «حق التملك استقلالاً» او شراكة كذلك، وبما انه من المعتمد ان هذه المواثيق الدولية المعطوف عليها صراحة في مقدمة الدستور تؤلف مع هذه المقدمة والدستور جزءاً لا يتجزأ وتتمتع معاً بالقوة الدستورية، وبما انه من المعتمد ايضاً في اجتهاد المجلس الدستوري، كما في الاجتهادات الدستورية المقارنة، ان مبدأ المساواة الذي يتمتع بالقيمة الدستورية ـ وهو في لبنان مبدأ دستوري نصي ورد في مقدمة الدستور وفي المادة 7 منه ـ ولا يمكن للمشترع الخروج عنه الا عند وجود اوضاع قانونية مختلفة ومميزة بين الافراد وعند اختلاف الحالات او عندما تقضي بذلك مصلحة عليا، واذا كان هذا التمييز مرتبطاً بأهداف التشريع الذي يلحظه، فانه لذلك كله جرى رد مراجعة النواب التي تطعن بقانون تملك الاجانب، حسب تعبير رئيس المجلس الدستوري، وبالتالي القبول بالقانون لجهة منع الفلسطينيين من التملك في لبنان. بيروت ـ رانيا يونس: