ادوارد ووكر شغل طيلة حياته الدبلوماسية مواقع تتصل بدرجة او اخرى بالشرق الاوسط. وكان اخر هذه المواقع هو مساعد وزير الخارجية لشئون الشرق الادنى وذلك قبل ان يتقاعد من السلك الدبلوماسي قبل اسابيع قلائق ويتفرغ لرئاسة معهد الشرق الاوسط بالعاصمة واشنطن. وقد عرف ووكر باسلوبه الهادئ وبميله الى «اداء عمله فحسب» دون اتخاذ مواقف «مدببة» ان جاز التعبير، فقد حصر دوره بهذه الحدود دون مزجها بأي دور سياسي. وحين غادر ووكر وزارة الخارجية اجرى معه حديث صحفي مطول حول ملاحظاته خلال ايامه الاخيرة في الوزارة.. وكانت ردود ووكر تستحق التأمل حقاً. قال ووكر مثلاً: ان مادلين اولبرايت وزيرة الخارجية السابقة لم تحب الشرق الاوسط ابداً.. سواء حين كانت سفيرة في الامم المتحدة او وزيرة للخارجية، وقال ان الرئيس كلينتون هو الذي تولى بنفسه ملف الشرق الاوسط. وحين سأله الصحفي عن رأيه في دعوى شارون بأن التوسع في المستوطنات الاسرائيلية يأتي لتلبية «الاحتياجات الطبيعية» للنمو الطبيعي، لعدد سكانها من المستوطنين قال ووكر «النمو الطبيعي في المستوطنات!!» انني اعرف ما يعنيه هذا، انه القفز من تل الى تل.. لقد مررت بهذه القصة مع بيبي نتانياهو.. واوضح ووكر: «ان قلق شارون هو ان يظهر لاسرائيل اعداء من «الخلف» خلال مواجهته لأي عدوان محتمل من الشرق، واضاف «ان المستوطنات موضوعة في مواقع استراتيجية متفرقة بالضفة الغربية للتحكم في شبكة الطرق الضرورية لحركة القوات العسكرية». وسأل الصحفي ادوارد ووكر: «لماذا اذن لا تقول الادارة الامريكية لأرييل شارون ان يتوقف عن حكاية التوسع الطبيعي هذه؟» قال ووكر: «حين تكون رئيساً للولايات المتحدة فان لديك عدد هائل من الاشياء التي تحاول القيام بها، وبعض هذه الاشياء اهم بالنسبة لك من اشياء اخرى». ويضيف: «في هذه الظروف فانك مستحيل ان تأخذ هذه الاشياء الاخرى التي قد تضايق كتلة كبيرة من اعضاء الكونجرس وتضعها في خلفية اولوياتك لانها لن تساعدك على انجاز الخطة الاساسية الاهم لادائك». هل هذا هو الدافع ام ..! لا اعرف، ولا اعرف ايضاً اذا كان سيجري مناقشة هذا الامر مع شارون». كان هذا رد ادوارد ووكر حرفيا، والرد يعني كما هو واضح ان الرئيس بوش لا يريد دخول معركة مع شارون الان لاسباب تتعلق باجندته الداخلية. الا ان هذا التفسير سيذهب في تاريخ الادارة الحالية كأحد ابرز اخطائها، ذلك انه ليس بوسع قضايا العالم التي تلعب واشنطن دوراً هاماً في تعقيداتها، ان تجلس «على الرصيف» في انتظار ان يحقق بوش «الخطة الداخلية» لادارته. ان تعطيل الدور الامريكي في مساحة ما للتفرغ لمساحة اخرى هو «تفكير مدرسي» اذا جاز التعبير ولا يليق بحكومة الولايات المتحدة التي نسب لها جورج بوش الاب «دوراً عالمياً قيادياً» في مطلع التسعينيات. وحتى بافتراض ان جورج بوش (الابن) لا يريد الدخول على خط الازمة المتصاعدة، اما للسبب الذي ذكره ادوارد ووكر، او لانه «لا يحب الشرق الاوسط» مثل مادلين اولبرايت، فان بوسعه ان يعلن ان الولايات المتحدة تعتقد ان من الضروري تطبيق نصوص القانون الدولي وقرارات مجلس الامن.. ثم ان يقول «باي باي يا جماعة.. لدي ما هو اهم».. الا ان الولايات المتحدة لا تريد ان تتدخل، ولكنها تتدخل. ذلك ان اسلحتها تستخدم، ومساعداتها تستخدم، ومواقفها السياسية الرافضة لتطبيق القانون الدولي (الذي يعتبر المستوطنات بل والاحتلال ذاته انتهاكاً صريحاً للشرعية الدولية) تستخدم لقمع الفلسطينيين والرئيس بوش الذي يرفض ان يتدخل لدعم القانون الدولي، ولكنه يتدخل في كل ما عدا ذلك. بوش على خطى اولبرايت يخشى الرئيس بوش اذن من ان «يضايق كتلة كبيرة من الكونجرس» وهو بذلك يستسلم بصور مخجلة امام الابتزاز السياسي، ويفرط في المبادئ الاخلاقية ـ وهو الذي لا يتوقف عن الحديث عنها ـ التي يجب ان ترتبط بمهام من يشغل المكتب البيضاوي، ويجعل من سياسته تجاه الشرق الاوسط مثاراً للتندر في كل انحاء العالم، ثم انه يعرض مصالح الولايات المتحدة في هذه المنطقة لاخطار حقيقية رغم الهدوء الذي لايزال طافياً على السطح والذي سبق ان رفض الامريكيون ان يروا ما يخفيه من غليان في العام 1979. ويقال في واشنطن ان جورج بوش لم يشعر ابداً بأي ود تجاه ياسر عرفات، وانه مقتنع بأن من حق اسرائيل «مواجهة الارهاب»، ومن حقها «حماية مواطنيها، ومن حقها «الامتناع عن اي تنازل قد يبدو مكافأة للعنف». وحقوق اخرى كثيرة.. ولكن ماذا عن حق الفلسطينيين في الحرية، ماذا عن حقهم في انهاء الاحتلال؟ ماذا عن حقهم في تطبيق بنود القانون الدولي؟ ماذا عن حقهم في اقامة دولتهم المستقلة؟ لا يرى جورج بوش ان للفلسطينيين اي حقوق الا حق ان يظلوا لاجئين الى الابد، بلا وطن.. لا حق في مقاومة الاحتلال الذي تسميه كل لغات العالم ـ التي يفهمها الرئيس الامريكي والتي لا يفهمها ـ احتلالاً. والذي تجيز كل قوانين العالم للشعوب المحتلة مقاومته «بالعنف» ان استدعى الحال. ويقال ايضاً ـ في واشنطن ـ ان الرئيس بوش «مشمئز» مما يظنه استهانة الفلسطينيين بحياة اطفالهم، وبدفعهم هؤلاء الاطفال الى المواجهة، او هكذا قيل انه قال شارون خلال زيارة رئيس الوزراء الاسرائيلي لواشنطن. ومع الاحترام الواجب فقد كنا نأمل فحسب ان «يشمئز» الرئيس الامريكي ايضاً من احتلال اكبر قوة عسكرية في المنطقة ـ باسلحتها النووية ـ لشعب اعزل من السلاح.. ولا بأس لأولئك الذين يجدون ما يأكلون، ويعيشون في اوطانهم بكرامة، من ان «يشمئزوا» من مقاومة كل الفلسطينيين ـ حتى الاطفال ـ لهذا الاحتلال.. اذ كيف يمكن لجورج بوش ان يشعر بعمق المأساة التي يعد هو احد المسئولين عن استمرارها. اعتذار صامت يقولون الان ان السيناتور جورج ميتشيل قد يعين «مندوباً خاصاً» للادارة في الشرق الاوسط، وهي اشاعة منتشرة في واشنطن رغم انها ليست مرجحة، فميتشيل صديق مقرب لبيل كلينتون، والرئيس بوش ـ كما نعرف ـ مشمئز ايضاً من بيل كلينتون. ويقولون ان ادوارد دجيرجيان اعتذر عن قبول منصب مساعد وزير الخارجية لشئون الشرق الادنى، وهو اعتذار لو كشفنا ابعاده فقد نحرج السفير دجيرجيان الذي احتفظ دائماً بموقف اخلاقي متزن ازاء ما يحدث، ولكن الاعتذار يتحدث ـ دون كلام ـ عما يحدث الان بشأن الشرق الاوسط في واشنطن.. انها مهزلة امريكية حقيقية. ويقال ايضاً ان الولايات المتحدة «لا ترى مبرراً» للتدخل السريع. فليس ثمة ضغوط كافية من الدول العربية، والمصالح الامريكية في المنطقة مستقرة ولا يوجد اي احتمال بتهديدها اذا ما واصلت واشنطن سياستها الحالية المعادية للفلسطينيين، وبوسع اسرائيل ان تفعل ما تشاء.. وكأن حياة البشر ليست «مبرراً كافياً» للتدخل، وكأن قضية الارض العربية التي يلتهمونها امام اعين الجميع ليست سبباً «لضغوط عربية كافية»، وكأن القدس لا تعني احداً الا هؤلاء الفتية الفلسطينيين الذين تحولت صدورهم الى «اهداف للتصويب». ويقال اخيراً ان الادارة لا تريد ان تفشل اذا تدخلت، لذا فانها تنتظر حتى تأتي اللحظة المواتية للتدخل.. ولا بأس في ذلك، عليهم فقط ان يوقفوا تدفق السلاح والمال الى الاسرائيليين وان ينصرفوا، اذ انهم لا يرسلون مالاً او سلاحاً الى الفلسطينيين.. انهم يكتفون بارسال «الاشمئزاز». ولكن لماذا نلوم الرئيس الامريكي اذا كان منا من هو احق باللوم.. ان من حق جورج بوش ان يسأل «لماذا تنتقدونني اذا كنتم انتم قد تخليتم عن قضيتكم؟».. وهو لا يعرف شيئاً.. ذلك اننا لم نتخل عن هذه القضية، ولو للحظة. واشنطن ـ عصام عبدالعزيز: