مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية في إيران والتي ستجرى في الثامن من يونيو المقبل، تتصاعد حدة الموقف السياسي بصورة سريعة، ويعكس هذا التجاذب الحاصل حاليا بين التيارات السياسية والدينية المتنافسة الطابع الحاسم الذي بات يميز هذه الانتخابات في ضوء ما يفترض أن تسفر عنه نتائجها من انعكاس مباشر على مجمل الصورة المستقبلية لإيران. فالقوى والتيارات الإصلاحية والمعتدلة ترى فيها فرصة حيوية لمتابعة سعيها الهادف إلى إدخال ما يمكن من تحسينات وتحديثات على الأنظمة والقوانين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية المعمول بها في البلاد ضمن إطار حكم الجمهورية الإسلامية، على أمل التوصل في وقت من الأوقات إلى تطبيق شعارات الإسلام المنفتح ودولة المؤسسات والقانون والمجتمع المدني و الحريات السياسية والإعلامية النسبية التي ينادي بها الرئيس محمد خاتمي منذ انتخابه للمرة الأولى رئيسا للجمهورية بأغلبية شعبية كبيرة عام 1997. أما القوى والتيارات المحافظة والمتشددة فتنظر إلى الانتخابات الرئاسية المقبلة كمناسبة لتكريس نفوذها وتعزيز سيطرتها على مؤسسات الحكم وأدواته وذلك بهدف الحيلولة دون تطبيق تلك الإصلاحات التي تعتبرها مقدمة للخروج عن مبادئ الثورة الإسلامية وتعاليم قائدها الإمام الراحل آية الله الخميني، تمهيدا لما تعتقد هذه القوى أنه سوف يؤدي في نهاية المطاف إلى التخلي عن نظام الحكم الإسلامي الثوري وإطاحته. وبالتالي فليس من المستبعد أن تشتد حدة المنافسة بين هذين التيارين على الانتخابات الرئاسية، وذلك لكون نتائج عملية اختيار رئيس الجمهورية الإيرانية المقبل ستسهم إلى حد كبير في تحديد توجهات طهران وسياستها الداخلية والخارجية خلال المرحلة المقبلة. مناقشات وسجالات وعلى خلفية هذا الصراع بين المحافظين والإصلاحيين ثارت سجالات ومناقشات مستفيضة من قبيل فتح باب الترشيح للانتخابات وخلال الفترة القصيرة الماضية فجر «هاشم أغاجري» عضو اللجنة المركزية لمنظمة مجاهدي الثورة الإسلامية والتي تصنف في عداد القوى السياسية المؤيدة لخاتمي فجر قضية جديدة من خلال اقتراحه الخاص بتحويل الانتخابات الرئاسية المقبلة إلى استفتاء على خاتمي وعلى سياسة الإصلاح وهو ما يعني الدعوة إلى عدم قيام أي شخص آخر بالتقدم للترشيح لانتخابات رئاسة الجمهورية لحين الانتهاء من عملية الاستفتاء على خاتمي من جانب، وهو ما صار سببا مباشرا لجدل سياسي عنيف يتوازى مع الجدل الذي كان خاتمي نفسه قد فجره عندما أعلن أن رئيس الجمهورية لا يملك السلطات الكافية لتنفيذ وحماية الدستور من جانب آخر وبالتالي انقسم المجتمع الإيراني إلى فريقين بشأن قضية الانتخابات الرئاسية: الاتجاه الأول (الإصلاحيين): وقد أعلن محمد رضا أمين عام حزب التضامن الإسلامي أن خاتمي لا يزال هو أنسب مرشحي الإصلاحيين لرئاسة الجمهورية في ظل الظروف الراهنة وأن خاتمي هو حامل راية الإصلاح وهو المنادي بالسلام وحوار الحضارات، ولذلك فإن تواجده في انتخابات 2001 يعد أمرا ضروريا لاستمرار الإصلاحات، في حين يرى حسين موسوي تبريزي رئيس محكمة الثورة السابق والمدرس بالحوزة العلمية الدينية «أن الإصلاحات التي حدثت في بنية المجتمع مطابقة لمتطلبات وحاجات وظروف المجتمع وأن من يقولون بإخفاق خاتمي عليهم أن يقارنوا السنوات الأربع الماضية بالسنوات الثمان للحكومة السابقة (فترة حكم رفسنجاني)». الاتجاه الثاني (المحافظين): وفي تعليقه على اقتراح (أغاجرى) بجعل الانتخابات الرئاسية المقبلة استفتاء على خاتمي قال «حميد رضا ترقي» عضو اللجنة المركزية لجمعية المؤتلفة الإسلامية: يبدو أن النموذج الديمقراطي الموجود في ذهن منظمة مجاهدي الثورة الإسلامية هو نموذج الأنظمة السياسية في العراق وليبيا وسوريا، حيث يظهر الرئيس في هذه الأنظمة بلا منافس ويقوم الناس بالإدلاء بأصواتهم على رئاسته في مناخ مثل مناخ الاستفتاء، ومن ناحية أخرى أكد رئوفيان السكرتير العام لجامعة المثقفين الإسلاميين أن الاستفتاء وسيلة للهروب والفرار من الأسئلة الرئيسية والمطالبات والحقوق الشعبية وفي نفس السياق اعتبر مرتضى فاطمي أحد المحللين السياسيين في جريدة «الرسالة» الإيرانية أن سلوك الجناح الحكومي في الوقت الحالي يعد دعوة مباشرة لإعادة الشمولية من جديد وقال «خلال الفترة الأخيرة بدأنا نشهد حملة من الآراء الصادرة عن الجناح الحكومي خلاصتها أن هناك هجمة للشمولية قد بدأت تسيطر عليه». ترشيح خاتمي لرئاسة الجمهورية وآليات المحافظين المرشحين في الانتخابات لإضعاف خاتمي لم يكن أحد يشك في أن تأخر الرئيس الإيراني محمد خاتمي عن التقدم بترشيح نفسه لفترة رئاسة تالية في إيران ناتج فعلا عن تفكير من جانبه بعدم القيام بهذه الخطوة، فقد واجه الرئيس الإيراني منذ توليه هذا الموقع عام 1997 مشكلات هائلة أدت إلى عدم تمكنه من تنفيذ برنامجه الإصلاحي الداخلي على المستويين السياسي والاقتصادي أو حل المشكلات الخارجية المزمنة بين إيران والعديد من دول المنطقة والعالم، إذ دأب ممثلو التيار المحافظ في الدولة والمجتمع على وضع عراقيل مستمرة أمام سياسات وصلت إلى حد التورط في قتل بعض المثقفين. لكن على الرغم من كل ذلك نجح الرئيس خاتمي خلال فترة رئاسته الأولى في ترسيخ انطباع جاد بأن هناك في إيران تيارا معتدلا يدرك مفاهيم وروح العصر، ولديه اقتناع بإمكانية التعايش السلمي والتفاعل الخلاق مع الآخرين على أساس المصالح المشتركة استنادا على رؤية واضحة بأن مصالح إيران لا تتحقق بالضرورة عن طريق التحرشات أو تصدير عدم الاستقرار ولذلك بعد فترة تفكير عميق قرر الرئيس محمد خاتمي خوض معركة الرئاسة في إيران وإنهاء حالة التردد والغموض التي ميزت موقفه من هذه الانتخابات. وأوضح خاتمي بعد أن قدم طلب الترشيح أنه كان يفكر طوال الأشهر الماضية فيما كان بوسعه خدمة البلاد والشعب من خلال تولي وظيفة أخرى وأنه كان يفضل خدمة البلاد من خلال تولي مسئولية أو دور ثقافي بدلا من تولي الرئاسة مجددا. ومضى يقول وهو يغالب دموعه أن السبب وراء حسم رأيه هو دعوة الشعب له بالبقاء لولاية رئاسية ثانية. وأشار خاتمي إلى أن الانتخابات ستكشف ما إذا كان الناس يريدونه أم لا وأن إرادة الشعب هي القول الفصل. ويرى معظم المراقبين السياسيين أنه من المرجح أن يفوز خاتمي في الانتخابات نظرا لشعبيته الجارفة وغياب منافسين إصلاحيين أو محافظين لهم شعبية مماثلة وأكد خاتمي في تصريحاته أن هدفه إرساء ديمقراطية دينية ستأخذ وقتا أطول مما كان يتوقعه. وقد أعربت الأوساط الإصلاحية في إيران عن سعادتها وارتياحها لترشيح خاتمي وجاءت تعبيرات فرحة اليسار الإصلاحي على شكل عناوين بارزة تصدرت صحف التيار الإصلاحي وكتبت صحيفة «نوروز» «اليوم الجديد» الإصلاحية أن سببين رئيسيين دعوا خاتمي إلى ترشيح نفسه، أولهما:- تصميمه على مواصلة طريق الإصلاحات الطويل الذي لا يزال أمامه والذي بدأه بدعم وتأييد الشعب قبل أربع سنوات. وثانيهما:- الوفاء للشعب وصيانة حرمته وكرامته بعد كل هذا التأييد الواسع ومطالبته الملحة لخاتمي بإعادة ترشيح نفسه. ويعد عدد المرشحين للانتخابات الرئاسية في إيران والذي بلغ نحو817 مرشحا هو الأكبر في تاريخ الانتخابات الرئاسية الإيرانية منذ الثورة الإسلامية عام 1979، ولابد لهؤلاء المرشحين من المرور من إجراءات مجلس صيانة الدستور والذي بدأ في دراسة أهلية المرشحين وذلك بفحص توفر الشروط القانونية في المتقدمين لشغل المنصب، وطبقا للدستور فإنه يتوجب على المجلس تحديد أهلية المرشحين خلال عشرة أيام وسيعلن المجلس أسماء المرشحين المؤهلين لخوض الانتخابات في 18 مايو على أن تبدأ الحملة الانتخابية في اليوم التالي وتنتهي قبل يوم واحد من إجراء الانتخابات في 8 يونيو المقبل ومن المتوقع أن يحظى حوالي من 10 الى 15 مرشحا بموافقة المجلس على أهليتهم لخوض الانتخابات ومما يذكر أنه تمت المنافسة في انتخابات عام 1997 بين أربعة مرشحين فقط من أصل 238 مرشحا تسجلوا لخوض الانتخابات السابقة. أبرز المرشحين وقد حظيت الساحة الإيرانية بالسباق بين المرشحين وكانت المفاجأة في تقديم وزير الدفاع الأميرال علي شمخاني ترشيحه لمنافسة خاتمي مع انكفاء الجنرال محسن رضائي عن الترشيح بعدما كانت كل المؤشرات تفيد بعكس ذلك. وأيضا تقدم للترشيح أحمد توكلي الذي نافس الرئيس السابق هاشمي رافسنجاني في انتخابات عام 1994، ومحمد كاشاني ابن آية الله كاشاني الذي كان له دور في الخمسينيات وكان من مؤيدي رئيس الوزراء محمد مصدق، وكذلك ظهر من بين المرشحين عضوان من المجلس البلدي (الإصلاحي) للعاصمة هما إبراهيم أصفر زادة ومنصور رضوي وعلي فلاحيان وزير الاستخبارات السابق. وكان لافتا ترشيح مصطفى هاشمي طبا مساعد الرئيس محمد خاتمي رئيس مؤسسة التربية البدنية ويخوض الانتخابات كذلك حسن غفوري وهو من الشخصيات المحافظة المعروفة. وهكذا صارت خريطة الترشيحات متشعبة تتنازعها شخصيات إصلاحية وأخرى محافظة من دون أن يكون هناك انسجام في الرؤى والبرامج الانتخابية. استراتيجية المحافظين والواضح أن التيار المحافظ يسعى بكل جهده أن يعمل على إخفاق خاتمي في الحصول على الرئاسة لفترة ثانية من خلال الاستراتيجيات التالية:- (1 ) أن الجناح المحافظ لم يزج برموزه الكبار في المعركة بعد أن ترشح خاتمي لدورة ثانية حرصا عليهم من هزيمة شبه محققة ويبدو أن المحافظين من خلال دعمهم إلى بعض المرشحين أمثال أحمد توكلي وعلي شمخاني غير المصنفين ضمن تيار معين يأملون في تقليص عدد الأصوات التي يحصرها خاتمي، ولذلك يتركز تكتيك المحافظين على تشتيت الأصوات من خلال كثرة عدد المرشحين ضد خاتمي. (2) ترشيح المحافظين لأحد رجال الدين والذي يتطابق اسمه مع اسم الرئيس الإيراني محمد خاتمي، وهذا يمثل عنصراً شكلياً قد يتحول إلى إشكال يستخدم ضد خاتمي حيث يحمل اسم «سيد محمد خاتمي» وفي حال قبول المجلس الدستوري ترشيحه لا بد من توضيح التمايز اسما بينه وبين محمد خاتمي وإلا سيبرز إشكال حقيقي قد يسعى إليه خصوم الرئيس لإثارة الالتباس حول الأصوات. لجوء المحافظين إلى تضييق الخناق مع الإصلاحيين من خلال أحكام محاكم القضاء ضد الصحف الإصلاحية على خلفية الحكم الذي أصدرته محكمة المطبوعات يوم 6/5/2001 والقاضي بتغريم صحيفة (آريا) الإصلاحية بمبلغ يعادل 625 دولاراً أمريكياً مقابل السماح لها بالعودة إلى ممارسة النشاط الإعلامي وهي صيغة لا تخفي توجهاتها الإصلاحية. وهذا الإجراء يحمل في طياته ابعادا أخرى وهو أنها ستطال مؤسسات إعلامية إصلاحية أخرى قبل بدء معركة الانتخابات الرئاسية لتأزيم الأوضاع على الساحة السياسية الإيرانية. هل يعاد انتخاب خاتمي على الرغم من أنه لم يبق سوى فترة وجيزة على انتخابات الجمهورية، فإن ترشيح خاتمي لخوض معركة الانتخابات أصبح مؤكدا والآن وبعد أن أوشكت الدورة الأولى لخاتمي في منصب رئيس الجمهورية على الانتهاء، فقد أجري استطلاع للرأي في إيران وحينما سئل المشاركون في الاستطلاع «إلى أي مدى يثقون في خاتمي بوصفه رئيسا للجمهورية؟» أجاب 31.8% منهم: نثق بدرجة كبيرة و 46% بنسبة كبيرة نسبيا. وبعبارة أخرى فإن 77.8% من مجموع المشاركين في هذا الاستطلاع يثقون في شخصية خاتمي كرئيس للجمهورية بدرجة جيد جدا وأن 15.9% من الأصوات تثق بدرجة جيد وفي المقابل يوجد 15.9 تثق فيه بدرجة ضعيفة، بين ما 5.2% فقط لا تثق في خاتمي كرئيس للجمهورية. وأكدت بعض المصادر الإيرانية أنه حينما ورد الحديث عن تقييم أعمال خاتمي خلال فترة توليه رئاسة الجمهورية الحالية فإن هناك آراء متفاوتة بهذا الشأن، فمنهم من يتحدث عن المشكلات الاقتصادية ويدعي أن خاتمي لم يوفق في هذا الجانب وهناك من يقول أن خاتمي ورث اقتصادا مذبذبا وإصلاح هذا الأمر يحتاج إلى تآلف كل القوى الموجودة سواء المؤيدة أو المعارضة للحكومة، فضلا عن جذب رؤوس الأموال الداخلية والخارجية. وتأسيسا على ما سبق فإن أرقام الإحصاءات التي أسفرت عنها نتائج الاستطلاع تشير إلى أن 75% من المواطنين الإيرانيين سوف يعطون أصواتهم في انتخاب الرئاسة المقبل لخاتمي إذا ما ظلت الظروف الموجودة في المجتمع وقت هذا الاستطلاع قائمة حتى موعد الانتخابات. كشف حساب للدورة الأولى إضافة إلى ما سبق فإن الإجابة على التساؤل المطروح هل يظل خاتمي رئيسا للجمهورية؟ تقتضي تقييم الفترة الأولى من رئاسته والتي توضح مدى النجاح أو الفشل في فترة رئاسة ثانية وانعكاس ذلك على مستقبل النظام السياسي الإيراني. عندما انتخب الشعب الإيراني محمد خاتمي رئيسا للجمهورية خلفا لحجة الإسلام علي أكبر هاشمي رفسنجاني اعتبر العديد من المراقبين والمتابعين للشئون الإيرانية ذلك بمثابة مفاجأة وتحولا سياسيا بالغ الأهمية والتأثير على مستقبل الجمهورية الإسلامية خاصة وأن انتخاب خاتمي جاء بأغلبية شعبية زادت عن نسبة 70% من أصوات المقترعين لأنه جاء تعبيرا عن إرادة شعبية عارمة ورغبة واضحة لدى معظم قطاعات المجتمع الإيراني في ضرورة العمل على تطوير النظام وإدخال ما يلزم من إجراءات إصلاحية وتحديثية عليه واعتماد قدر نسبي من الانفتاح والمرونة في مجال الحريات السياسية والإعلامية والثقافية وصولا إلى الشعور بأن الوقت قد حان لانتهاج طهران سياسة خارجية مسئولة نسبيا تتيح لها القيام بدور إيجابي وأكثر فاعلية ونشاطا على المستويات الإقليمية والدولية. ومنذ اللحظة الأولى لمجيئه إلى منصب الرئاسة عبر خاتمي بالفعل عن عزمه تلبية هذه التطلعات الشعبية التي كان واضحا أنها تحظى بصورة خاصة بتأييد الطبقات المتوسطة وأوساط الطلاب والشباب والنساء وأصحاب المهن والتكنوقراط والمثقفين وقد أكد خاتمي على أن تنفيذ هذه الخطوات والبرامج الإصلاحية الطموحة سيكون كفيلا بدفع النظام الإسلامي إلى الأمام وتطويره بما يجعله قادرا على مواجهة متطلبات العصر المتزايدة ورفع خاتمي في هذا المجال مجموعة من الشعارات التي بدا في وقت من الأوقات أنها في طريقها إلى التطبيق، فدعا إلى إقامة المجتمع المدني وتعزيز دور المؤسسات والقوانين وتوفير حرية الرأي والتعبير والانفتاح والتفاعل مع الحضارات والثقافات العالمية الأخرى في إطار إسلامي معتدل وقابل للتطوير والتحديث، ولكن هذه الشعارات ما لبثت أن اصطدمت بالواقع العملي بسرعة وقد أسفر هذا الاصطدام عن وجود حالة من الجدل السياسي وقد استطاع خاتمي خلال هذه البيئة الجديدة في إيران والتي تحمل قدرا عاليا من الانفتاح أن يطرح قضايا هامة للنقاش والجدل العام، رغم أن هذه القضايا كانت في السابق لا يطالها الجدل وفي صدارتها قضية الدستور نفسه الذي يمثل الركن الركين للنظام الإسلامي برمته ولا شك أن هذه الجرأة التي بات يمتلكها التيار الإصلاحي تستند إلى سلسلة إنجازات حققها خاتمي خلال فترة وجودة في الحكم، على الرغم من أنه جاء إلى سدة الحكم وهو خالي اليدين من عناصر القوة المطلوبة لتنفيذ برنامجه الطموح نظرا للنفوذ الشديد للتيار المحافظ في مؤسسات الدولة وهيكل النظام السياسي، وأدرك خاتمي أن الشارع يتوق إلى الإصلاح ومن ثم يمكن الاعتماد على الشعب ليكون الدعامة الأساسية لتنفيذ الإصلاحات المطلوبة ولذلك فقد صدر معركته مع المحافظين إلى المجتمع الذين وجدوا أنفسهم وجها لوجه مع فئات اجتماعية عديدة تمثل الأركان الأساسية لمشروع خاتمي. علاوة على ذلك لجأ خاتمي إلى تفعيل علاقة متميزة مع المرشد الروحي للثورة علي خامنئي الذي بدا وبحكم منصبه الحارث الأمين على إرث أيديولوجيا النظام الإسلامي، أكثر من مرة في صف الإصلاحيين حينما كانت تشتد وطأة صراعهم مع المحافظين، كما نجح خاتمي في تحييد الرؤوس الكبيرة في الحوزة الدينية المؤيدين للتيار المحافظ ولم يصطدم بهم ولو لمرة واحدة. وعود الاصلاح والتحديث ومن ناحية أخرى فقد قام خاتمي بإتاحة الفرصة لكثير من العناصر الإصلاحية الملتزمة للتواجد في بعض مواقع اتخاذ القرار الحاسمة عن طريق تعيينهم في الجهاز الإداري والحاكم، لكنه كان حريصا في الوقت نفسه على أن تكون هذه العناصر ليست مرفوضة بنسبة مئة في المائة من قبل المحافظين. وإذا كان التيار الإصلاحي قد استطاع أن يخلق بيئة جديدة للعملية السياسية من خلال سياسات خاتمي لتدعيم توجهاته الانفتاحية إلا أن خاتمي لم يتمكن من الذهاب بعيدا في تنفيذ أي من وعود الإصلاح والتحديث التي كان قد قطعها على نفسه وانطبق ذلك في صورة خاصة على السنوات الثلاث الأولى من عهده، حيث كان البرلمان لا يزال آنذاك تحت سيطرة المحافظين الأمر الذي حال دون تمكن الإصلاحيين من تحرير القوانين والمشاريع والتعديلات الدستورية والسياسية والاقتصادية المطلوبة لتحقيق برامجهم الإصلاحية المفترضة. وفي بلد تقدر فيه نسبة البطالة بنحو 50% في صفوف الشباب وحيث أن 60% من عدد السكان هم أعمار أقل من 25 عاما، فإن انعكاس تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية ووحدة الانغلاق الاجتماعي والثقافي والافتقار إلى درجة معقولة من الحريات السياسية والإعلامية كان سيؤدي بالضرورة إلى تزايد مشاعر الاحتقان والتوتر لدى قطاعات واسعة من المجتمع. علاوة على ذلك، كان طبيعيا أن ينجم عن حالة الجمود التي نجح المتشددون في فرضها على مسيرة الإصلاح والتحديث نوع من الشعور بخيبة الأمل والإحباط حيال الرئيس خاتمي وما كان قد وعد بتحقيقه. وفي ضوء ذلك واجه خاتمي عددا من التحديات ومنها ضآلة حصيلة الإنجاز الذي حققه التيار الإصلاحي بعد أكثر من ثلاث سنوات من وجود خاتمي في السلطة، فلم تحدث النقلة المطلوبة في الأوضاع الاقتصادية والتي تعهد خاتمي في برنامجه الانتخابي بالنهوض بها. أما على الصعيد السياسي فقد طرح الإصلاحيون مجموعة من المفاهيم الغربية على الساحة السياسية مثل الإصلاح والمجتمع المدني والتنمية السياسية ولكنهم لم يحددوا ما هو المقصود بهذه المفاهيم بالإضافة إلى ذلك فإن التيار الإصلاحي يعاني مشكلة التماسك الداخلي، حيث أن هناك حالة انقسام آخذة في التصاعد بين صفوفه لأنه يتمتع بدرجة عالية من السيولة، حيث يضم تحت عباءته العديد من التيارات السياسية والفكرية التي تتضارب في توجهاتها. وقد تركت حالة الجدل السياسي في إيران بتأثيراتها على التيار المحافظ كذلك والذي يبدو الآن وكأنه قد انقسم بالفعل إلى معسكرين. اتجاه جديد في معسكر المحافظين حيث يدعو إلى مراجعة الأفكار التقليدية حول الميراث الأيديولوجي للثورة بقصد التأقلم مع الواقع الجديد للتجاوب مع الفئات الاجتماعية الصاعدة والجديدة والتي لم تعد تعاصر حدث الثورة وهي الآن تشكل نسبة مهمة من إجمالي السكان. والاتجاه التقليدي لمعسكر المحافظين، حيث يرفض سياسات الإصلاح ويؤكد أيضا أنصار هذا الاتجاه أن التيار الإصلاحي يسحب البساط تدريجيا من تحت أقدام المحافظين، وأن حالة التنامي التي تحدث داخل معسكر الإصلاح سوف تقود البلاد حتما بعيدا عن الأصول الأيديولوجية للثورة. ويصبح التساؤل المطروح هو: ما هو مدى إمكانية نجاح خاتمي في الانتخابات الرئاسية المقبلة؟ وما هو مصير الحركة الإصلاحية في حالة الفوز؟ وما هو مستقبل النظام السياسي الإيراني؟ أكدت المصادر السياسية ذات الاهتمام بالشأن الإيراني أن فرص خاتمي بالفوز لفترة رئاسة ثانية كبيرة ولكن بنسبة أقل من سابقتها فاستطلاعات الرأي تشير إلى احتمال فوز خاتمي بنسبة 75% من أصوات الناخبين، علاوة على ذلك فإن التيار المحافظ لم يرشح شخصا بعينه يمثل التيار ولكن كل ما يريده التيار المحافظ هو دعم أشخاص لا ينتمون للتيار ولا يمثلونه وذلك نكاية في خاتمي وإضعاف فرص نجاحه، كما أن الفئات الاجتماعية التي صوتت لصالح خاتمي في انتخابات عام 1997 مازالت يحدوها الأمل في الإصلاح والتغيير وإعطاء المزيد من الوقت والفرص أمام خاتمي مرة أخرى لمراجعة ما تم من إصلاح والوصول ببرنامجه الانتخابي إلى غايته الأخيرة. وفي حالة فوز خاتمي بمنصب الرئاسة لفترة تالية وهذا هو المرجح في ضوء قراءة الواقع السياسي والاجتماعي الإيراني، فإن مصير الحركة الإصلاحية سوف يحكمه الاعتبارات التالية: أن التيار المحافظ لا يزال يسيطر فعليا على مؤسسات الدولة وهياكلها المختلفة، فعلى الرغم من وجود خاتمي على رأس السلطة التنفيذية وعلى الرغم من سيطرة الإصلاحيين على ثلثي مقاعد البرلمان، فقد وجد دعاة الإصلاح والاعتدال والانفتاح أن مفاتيح الحكم ومقدراته لا تزال منحصرة بشكل كامل في أيدي هيئات وشخصيات دينية وسياسية غير منتخبة تتميز جميعها بتوجهاتها المحافظة والمتشددة بدءا من مرشد الثورة آية الله علي خامنئي (الذي بات يمثل نقطة الارتكاز المحورية للتيارات المحافظة) ومرورا بهيئات مثل «لجنة تشخيص مصلحة النظام» والتي لا يزال يترأسها رئيس الجمهورية السابق هاشمي رفسنجاني، ومجلس الخبراء وصولا إلى الأجهزة القضائية والأمنية وقوات الحرس الثوري وميليشيات المتطوعين واللجان الشعبية وأنصار حزب الله وهذه السيطرة تتيح للمحافظين وأنصارهم قدرة واسعة على السيطرة على مقدرات الأمور. الأسلوب الذي سوف يعالج به خاتمي قضاياه ومشاكله مع التيار المحافظ وهل سيعالج خاتمي بنفس أسلوب فترة الرئاسة الأولى، أم يتخذ خطوات جادة أخرى لتطبيق برنامجه؟ وهل سيطور التيار المتشدد من هجومه لإرجاع العجلة إلى الوراء؟ إن الوضع في إيران بالغ التعقيد وأن أي مسعى من جانب المتشددين لإزاحة خاتمي أو عرقلة مسيرته الإصلاحية قد يحدث انفجارا داخل المجتمع الإيراني ومن هنا فإنه يمكن طرح السيناريوهات التالية بشأن مستقبل النظام السياسي الإيراني على المدى البعيد وهي: نجاح المشروع الإصلاحي وما يعنيه ذلك من تقديم نموذج إسلامي معاصر للحكم ذي طابع ديمقراطي، ويستند إلى دولة مؤسسات قوية وبما يؤكد عدم التعارض بين الإسلام والديمقراطية. فشل المشروع الإصلاحي بسبب ضعف هذا المشروع أصلا وعدم تجاوبه على المدى الطويل مع متطلبات القاعدة الشعبية، وإما بسبب تربص المحافظين به، ويعني هذا السيناريو عودة المحافظين بأطروحاتهم التقليدية على مستوى السياسة الداخلية والسياسة الخارجية والعلاقات الدولية والإقليمية لإيران. إمكانية حدوث انقلاب عسكري بمقامرة من الأجهزة الأمنية التي لا تروق لها فكرة الانفتاح داخليا أو خارجيا وهذا السيناريو قد يكون مستبعدا في ظل تنامي الوعي بخطورة الانقلابات العسكرية في البلاد.