لا علاقة لحديث اليوم بعمر البشير، ولا بمعاوية ولد اباه.. وانما هي خواطر اثارها عيد الوحدة اليمنية، والاستعراض الرائع للوحدات الخاصة، وبريق النشانات المتبادلة، اضافة إلى بيانات ابن شاجع، ومؤتمرات ذومحمد وذوحسين، ومؤتمر بكيل ولجنة العشرة، وحرب الكبس واليمانيتين، وجهم وسنحان والاطفال المختطفين، والضالع والمعسكر المخيم فوق المواطنين. كل هذه الظواهر أوحت لي ان اضع مقارنة بين نموذجين من الحكم والحكام وكيف عالج كل منهما الامن الشخصي والامن العام. النموذج الاول لبعض من حكام عرب مسلمين حكموا في القرن الاول الهجري، النموذج الثاني لبعض من حكام عرب مسلمين حكموا في القرن الواحد والعشرين، كان حكام القرن الاول الهجري حكاما بسطاء ينامون تحت شجرة أو في ظل جدار، وكان الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتجول في الليل وحيدا، يبحث عن مظلوم لينصفه، أو عن جائع ليطعمه، وتبتل عيونه بالدموع، ويخفق قلبه خوفا من الله حين يجد امرأة تتحايل على اطفالها الجوعى حتى يناموا، فذهب ليأتيهم بالطعام، ويوقد لهم النار، ويقول يا ويل عمر من رب عمر حين يسأله عن امثال هؤلاء، ويصل احساسه بمسئوليته نحو الحق العام والمال العام إلى الحد الذي يشعر فيه ان الله سوف يحاسبه على ضياع عقال بعير في الصحراء. النموذج الثاني المقابل هو نموذج لبعض حكام في القرن الواحد والعشرين مسلمون وعرب يعيشون في قلاع محصنة يحيط بها جنود مزودون بكل الاسلحة من الطائرة والصاروخ إلى المدرعة والبندقية، يسيرون في شوارع وطنهم برتل من السيارات الباهظة الثمن، والمدججة بالسلاح، والمعمية بالزجاج العاكس، يعبرون الشوارع بسرعة خشية ان يتخطفهم الموت خائفين مرعوبين من شعوبهم، يكسرون انظمة المرور، ويمنعون مواطنيهم من الحركة عند مرور موكبهم، ولا يبالون اذا ما داست سياراتهم المسرعة مواطنا لم يتمكن من الهرب وربما يكون اصما لم يسمع ضجيج موكبهم، وعلى جوانب الطرقات التي يمرون بها يتساقط الجائعون مصفري الوجوه بعد ان لم يجدوا في القمامة ما يسد رمقهم، يستشيط الحكام غضبا لا لحال هؤلاء التعساء ولكن لانهم يشوهون سمعة النظام امام ضيوفهم، ومنظرهم يفضح كذب وزيف الاعلام الذي تنفق الدولة عليه اموالا طائلة، يؤمر الجنود بطردهم من الشوارع الرئيسية وليموتوا ان احبوا في الازقة والحواري، وكليات الطب بحاجة إلى هياكلهم العظمية ان كان قد بقي لهم هيكل عظمي. السؤال الذي يطرح نفسه من هذين النموذجين يصنع امانا حقيقيا سواء للحاكم أو المحكوم، هل نهج الخليفة عمر الذي ينام تحت الشجرة قرير العين، مطمئن القلب لانه حكم وعدل فأمن ونام؟ أم نهج بعض الحكام المدججين بالسلاح، والمحاطين بالحراس والذين ينتظرون نقمة الشعب في اي لحظة، ويتوقعون الكارثة في اي ثانية مما جعلهم يهربون اموالهم إلى البنوك الخارجية، وينامون في المخابيء أو على طائرات الهروب؟ الشك يملأ قلوبهم فلا يثقون في احد، ولا يطمئنون إلى مواطن، يقيمون حرسا، ويقيمون فوق الحرس وحدات خاصة، وداخل الوحدات الخاصة قيادات اكثر خصوصية، وفوقها ما هو اخص من كل ذلك، يبنون اجهزة امنية لتراقب المواطنين، واجهزة تراقب الاجهزة الامنية، واجهزة تراقب المراقبين للاجهزة الامنية وكل ذلك على حساب الجائعين ودافعي الضرائب ليس لدى حكام هذا النموذج من هم سوى المحافظة على انفسهم وعلى كراسيهم الفارغة المحتوى حتى لو كان هناك تفريط في كرامة شعوبهم، وسيادة وطنهم حين يتطلب امن نظامهم دعما خارجيا. اذا دعوتهم إلى الاحتذاء بنموذج عمر بن الخطاب والخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم بحكم انه النموذج الاكثر امانا لهم ولأسرهم في الدنيا وفي الآخرة، يقولون لك وما المصير الذي لقيه الخليفة عمر النائم تحت شجرة، لو كانت له حراسة ما قتله مجوسي حاقد؟ لا أدري اي حراسة اقوى من تلك الحراسة التي احاطت بالرئيس الامريكي «كيندي» ومع ذلك قتل، وليس هناك احتياطات اكثر من احتياطات الرئيس السادات ومع ذلك اخترق الرصاص عنقه، ان الامثلة للطغاة الذين تساقطوا رغم حراساتهم لا تحصى، وقليلة جدا تلك الامثلة التي سقط فيها الحكام العادلون. الفارق ان العادل يقتل والشعب يبكيه ويلعن قاتله، ويقتل الطاغية فيعتبر قاتله بطلا والمقتول حجرا انزاح من طريق المسلمين، ويكفي الخليفة عمر فخرا انه لم تمتد لتقتله يد مواطن مسلم وانما قتله مجوسي حاقد من عبدة النار، وبصرف النظر عن الاغتيالات الفردية فقد اثبتت شواهد التأريخ القديم والحديث ان قلاع الحاكمين المدججة بالسلاح لا تحميهم، بل قد تكون هي نفسها الاداة لتغييرهم والتخلص منهم فالامام يحيى والامام احمد والامام البدر لم يطح بهم الا عند تحديث الجيش ابتداء من جمال جميل واحمد يحيى الثلايا، وعبدالله السلال، واذا ما قرأنا قصة شاه ايران الذي كان محميا لا بحرسه وحسب وانما بأربعين الفاً من الجنود الامريكيين نجد ان كل ذلك لم يحقق له الامان. وكذلك كان الحال مع زياد بري في الصومال، ومنجستوا في اثيوبيا، والنميري في السودان، وموبوتو في الكنغو وماركوس في الفلبين وسوهارتو في اندونيسيا، وشاوشيسكو في رومانيا، وسموزا في نيكارجوى، وطغاة تشيلي والارجنتين الذين يجرون اليوم إلى المحاكم لنيل جزاء ما اقترفوه في حق شعوبهم. بعد كل هذه الشواهد ألم يكن نموذج عمر أكثر أمانا، وأعظم شأنا، وأجل مكانة عند الله وعند خلقه وبالأخص في دول ينص دستورها على ان دينها هو الاسلام. (وان تولوا فاعلم انما يريد الله ان يصيبهم ببعض ذنوبهم) صدق الله العظيم بقلم: د. عبدالملك المتوكل