قررت وزارة التربية التعليم في مصر استيراد بيت خبرة عالمي لتصميم زي مدرسي لأطفال وتلاميذ المرحلتين الأولى والثانية من التعليم! استوقفني الخبر بشدة.. فهل عجزت مصر، أو أي بلد عربي عن تصميم زي للأطفال؟ وهل باتت الخبرة الأجنبية ضرورية في حياتنا حتى تدخل إلى كل المجالات، من طبق اللحم البارد الذي يأتي من (مكسيم) باريس، وإمتدادا لصناعة الصواريخ؟ الظاهرة قديمة.. لكنها تتجدد مع موجة الإنفتاح على العالم والتي صنعتها العولمة والإنضمام لمنظمات مثل منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد أو الدخول في الإتفاقات المسماة الآن بإتفاقات الشراكة الأوروبية أو غيرها. وكلها إتفاقات تفتح أبوابا كثيرة. وربما كانت البداية هي فترة الاستعمار الاجنبي والتي خلقت إحساسا بالدونية، فالخواجا أو الر جل الأبيض- الأكثر فهما وتقدما ورقيا جاء إلى مصر والجزائر وليبيا والشام فاحتل المناصب العليا. وذهب إلى الخليج في الحقبة النفطية فبات هو الأعلى مقاما وأكثر أجرا حتى لو تساوت خبرته مع مواطن عربي. وفي حالة مصر، والتي تملك ثروة بشرية هائلة لم توضع الحدود بين ما تحتاجه البلاد ودوما لا تحتاجه.. فالتفاعل مع العالم الخارجي أمر ضروري وطبيعي، والاستعانة بالخبرة الأجنبية أمر وارد لكن السؤال : في أي حدود؟ الطبقة الجديدة، أو الأثرياء الجدد في مصر راحوا يقيمون أفراحهم وحفلاتهم مستعينين بالمطبخ الفرنسي أو السويسري حيث تحمل الطائرات أطعمتهم الخاصة.. ومستعينين بمصممي الأزياء الفرنسية والذين صنع أحدهم الجلباب ومعظم الثياب التي كان يرتديها أنور السادات! أيضا، فالوافدون القادمون من الخليج حملوا معهم عادة استخدام هندية أو فلبينية.. رغم حصار حكومي مضروب على تراخيص العمل. أما الحكومة، وهذه هي الطامة الكبرى فقد فتحت الباب لخبرة أمريكية لتدريب القادة وأعضاء مجلس الشعب والمساهمة في تطوير التعيلم وبرامجه. وكان الطريق ممهدا فالمعونات الأجنبية كثيرا ما تعني معونات فنية يتم إنفاقها على الخبراء في مختلف الفروع. وفي كل ذلك، كان السؤال في مصر، كما هو في الدول العربية المختلفة : ما هي الخطوط الحمراء التي يقف عندها استقدام الخبرة الأجنبية؟ وربما تبدأ الإجابة من أن هناك مجالات تقدم فيها العالم ولم نلحق نحن العرب بهذا التقدم بعد. فنحن متخلفون في الصناعات العسكرية وصناعات الفضاء رغم وجود بعض الإمكانات. ونحن متخلفون في البحث العلمي.. سواء كان نظريا أو تطبيقيا.. يمس العلم البحث أو يمس التكنولوجيا التي تدخل في معظم مجالات الحياة. ونحن طلاب علم وخبرة في مجال الإدارة.. فبعض مؤسساتنا الخاصة والعامة تدار بشكل علمي، والبعض يعاني من سوء الإدارة. ويصدق ذلك في الحياة السياسية كما هو في الحياة الاقتصادية. في إدارة المشروعات كما هو في إدارة الأوطان، بل إن الإدارة العليا في الحكومات والمنظمات السياسية العربية باتت مشكلة كبرى في وجه التقدم وحسن استخدام الإمتحانات المتاحة، وربما كان الموظف الصغير أو خريج الجامعة الحديث قابلا للتدريب وللتعلم، ولكن ماذا نصنع لتطور إمكانات ومفاهيم رئيس دولة أو رئيس حكومة؟ وماذا نصنع في فساد جعل المصلحة الخاصة قبل المصلحة العامة؟إنها مشكلة الإدارة والتي يفترض أن تكون قاطرة الوطن وقاطرة الأعمال، ولكنها كثيرا ما تكون عبئاً عليه! نعم.. في هذه المجالات نحتاج لخبرة أجنبية.. ولكن وعندما ننتقل للجوانب المجتمعية والعلوم الإجتماعية وما يحمل خصوصية المكان والزمان.. هل يصلح لنا خبير أجنبي؟ هل يستطيع الخبير الأجنبي أن يدرس قانونا عربيا ويدرك الظروف الاجتماعية المحيطة به؟.. هل يدرك خبراء حقوق الإنسان القادمون من واشنطن أو باريس الفرق بين العقلية الأمريكية والأوروبية والعقلية العربية حين يتحدثون عن (الاعتراف بحقوق الشواذ) أو عن المساواة بين الرجل والمرأة في المواريث؟ هناك فارق البيئة وفارق المجتمع. والبداية ليست فيمن يجرى استقدامه ليعلمنا ويدربنا ويطور خبرائنا.. لكن البداية فيمن يتخذ قرارا باستخدام هذه الخبرة أو تلك.. وهي بداية يحددها. كما قلت : عقدة قديمة تقول إن الأجنبي هو الأفضل..وعقدة جديدة تجعلنا نقلل من إحترام الخبرة الوطنية التي تنمو بسرعة مع إنتشار التعليم، ومع تطور المنظمات في العالم العربي.إ ننا نملك الكثير، لكننا لا نملك الخطوط الحمراء التي تجعلنا نتوقف لنسأل في أي المجالات نحتاج خبرة أجنبية.. وفي أي المجالات ينبغي أن يكون هناك إكتفاء ذاتي.لقد ابتكرت النظم الاقتصادية ما أسميناه كثيرا الحماية الجمركية للمنتجات الوطنية، فهل نحن بحاجة لحماية جمركية من نوع آخر لحماية العقول العربية؟ أظن ذلك.. والدليل أن مصر تستورد خبيرا للأزياء.. أما في الخليج بدوله الست فالخبراء على كل لون والحاجة ليست دائما على هذا النحو. بقلم: محمود المراغي