يحمل هذا الكتاب عنواناً يتحدث عن «أسرار فينونا» التي تكشف عن خبايا الجاسوسية السوفييتية في الولايات المتحدة والجواسيس الامريكيين الذين تعاونوا مع الاتحاد السوفييتي والذين استطاعوا نقل الكثير من الأسرار الخطيرة في السياسة الأمريكية بما في ذلك أسرار التجارب النووية الامريكية حتى في ظل التحالف الغربي ـ السوفييتي في الحرب العالمية الثانية واسم «فينونا» هو الذي حمله برنامج امريكي للتنصت والتجسس على الاتصالات بين موسكو وعملائها في امريكا. وعلى امتداد صفحات الكتاب يجد القارئ نفسه على موعد مع حشد هائل من الأسرار التي يكشف النقاب عنها لأول مرة ابتداء من صلات ألبرت انشتاين بالمخابرات السوفييتية وليس انتهاء بالكيفية التي تغلغلت بها مخابرات موسكو في صفوف نظيرتها الامريكية. والمؤلفان هما هربرت رومرشتاين الذي عمل في العديد من لجان الكونجرس الامريكي بما فيها لجنة المخابرات التابعة لمجلس النواب، واريك بريندل الذي تولى مناصب قيادية في صحف بارزة مثل «نيويورك بوست». ما هو المقصود بكلمة «فينونا»؟ يقول مؤلفا الكتاب ان هذه الكلمة هي الاسم بالغ السرية الذي أطلقته الحكومة الامريكية على برنامج واسع النطاق لكشف وقراءة مفاتيح الاتصالات بين موسكو ومراكز جاسوسيتها في دول الغرب.. وكانت الحكومة الامريكية تراقب تلك الاتصالات وقد بدأ ذلك البرنامج في فبراير 1943 عن طريق ادارة مخابرات سلاح الاشارة من الجيش الامريكي وهي الادارة الأم التي خرجت من رحمها وكالة الأمن القومي وتركزت الجهود في «برنامج فينونا» على دراسة أكداس من الرسائل المشفرة والمغلقة التي كانت ترسل عبر خطوط التلغراف التجارية آنذاك وقد غطت البرقيات التي تناولها البرنامج فترة زمنية امتدت من عام 1940 حتى عام 1948 وبينما تمت قراءة معظم الرسائل التي روقبت بين عامي 1947 و1952، استمرت جهود اختراق اكبر عدد ممكن من الرسائل حتى عام 1980. قد أكد «برنامج فينونا» بعض النتائج التي انتهت اليها مكافحة الجاسوسية الامريكية كما قدم دلائل جديدة حول كيفية عمل الجاسوسية السوفييتية في الولايات المتحدة وكانت ادارة المخابرات الخارجية السوفييتية تطلق على مراكزها اسم «المركز المقيم» او «الجاسوس المقيم» وكانت هناك اربعة مراكز في الولايات المتحدة واحد منها «غير شرعي» أما الثلاثة الاخرى فكان السوفييت يسمونها «مراكز مقيمة شرعية» وهي تمارس نشاطها من خلال السفارة السوفييتية في واشنطن وقنصليتي نيويورك وسان فرانسيسكو. المستوطنة السوفييتية كان الجواسيس «الشرعيون» بشكل علني جزءاً مما كان يسميه السوفييت «المستوطنة السوفييتية» في الولايات المتحدة وقد استخدم معظمهم غطاء يتمثل في كونهم دبلوماسيين ولكن بعضهم كان يعمل كصحفيين في الصحف السوفييتية او وكالة أنباء «تاس»، أو كممثلين تجاريين لشركات سوفييتية وقد أشرف هؤلاء على عملاء أمريكيين استغل بعضهم مناصبهم الحكومية لجمع المعلومات السرية او للتأثير على السياسات او للقيام بكليهما معا. اما النوع الرابع من الجواسيس فهم العملاء «غير الشرعيين» ولا تقوم صلات علنية بينهم وبين ما تسمى بالمستوطنة السوفييتية رغم أن مركز العملاء «الشرعيين» يمدهم بوسائل الاتصال بموسكو وكان العملاء غير الشرعيين يحملون هويات مزيفة وجنسيات مزيفة ايضاً، وكانوا يعملون فقط مع أهم وأخطر العملاء السوفييت ويخفون مسئولياتهم السوفييتية عن اي امريكي قد يعرفهم بحكم مناصبهم التي تغطي نشاطهم وكان العملاء السوفييت وحدهم الذين يعرفون حقيقة هؤلاء العملاء «غير الشرعيين». وعلى الرغم من ان السوفييت كانوا يتمتعون بآلية تجسس محكمة في امريكا، ويحرصون بشدة على حماية هويات عملائهم فقد نشأت مشكلات أمنية خطيرة، ففي بدايات الحرب العالمية الثانية، مثلاً، كان السوفييت يرسلون رسائل عبر اذاعات سرية غير شرعية غير ان ادارة الاتصالات الفيدرالية الامريكية كانت تجري مسحاً للموجات الاذاعية بحثاً عن اذاعات نازية سرية عام 1943 وتصادف أنها اكتشفت وجود اشارات لاسلكية غير مرخصة صادرة من القنصليتين السوفييتيتين في نيويورك وسان فرانسيسكو فصادرت الحكومة الامريكية البث اللاسلكي، مما أجبر ادارة المخابرات الخارجية السوفييتية على الاعتماد على وكالات التلجراف التجارية، مثل شركة آر.سي.ايه، وهكذا كانت تلك الرسائل المشفرة تتحول تلقائياً الى الرقابة الامريكية زمن الحرب، واصبحت بالتالي في متناول خبراء فك الشفرة. وعلى الرغم من ذلك ظل السوفييت واثقين من ان الامريكيين لن يستطيعوا قراءة الرسائل المتبادلة الواردة الى المركز الرئيسي في موسكو او الصادرة عنه، ذلك لأنها لم تكن فقط مزدحمة بالعبارات والاسماء المشفرة بل كانت ايضاً معماة اي ان حروفها كانت محولة الى وحدات من أرقام عشوائية وكان أمن هذه الطريقة يعتمد على ما يسمى «ورقة لمرة واحدة» وهي عبارة عن مجموعة أوراق يسهل التخلص منها وتحتوي على الآلاف من مجموعات رقمية تستخدم في الكشف عن الرسائل المشفرة ويدل الراسل مستلم الرسالة على الصفحة التي تحتوي على مسلسل الأرقام الصحيحة، ثم لا تستخدم هذه الصفحة مرة اخرى ولم يستطع المتخصصون في فك الشفرة التوصل الى نتيجة بالنسبة لأسلوب «الورقة لمرة واحدة» لأن الكلمات التي تعتبر مفاجأة للشفرة لم تكن تتكرر من خلال المجموعات الرقمية نفسها غير ان مقتضيات الاستعجال في زمن الحرب جعلت السوفييت يقعون في خطأ قاتل، فقد فاقت الحاجة الى «أوراق المرة الواحدة» امكانيات انتاج الكميات المطلوبة واضطروا ازاء ذلك الى استخدام نسخ من تلك الاوراق، وهكذا ومن خلال المثابرة على اختبار الأرقام والكلمات، استطاع الامريكيون وضع أيديهم على قوالب مكنتهم من فك شفرة اجزاء كبيرة من الرسائل، وفي النهاية تمكنوا من فك الشفرة وترجمة نحو 2900 رسالة سوفييتية، وأمكنهم ايضاً قراءة 49% من الرسائل الصادرة من مكتب المخابرات الخارجية السوفييتية في نيويورك الى موسكو خلال العام الحاسم من الحرب العالمية الثانية 1944 وعلى العكس من ذلك كان الامريكيون قد استطاعوا فك شفرة 15% فقط من الرسائل 1943، وأقل من 2% عام 1942 وبنهاية الحرب عام 1945 عاد السوفييت الى السيطرة على أمن رسائلهم ولم يستطع الامريكيون فك شفراتها الا من نحو 1.5% فقط. عندما ساد الذهول عندما أصبحت الحلول التي توصل اليها «برنامج فينونا» متاحة للجمهور بين عامي 1995 و1997 أصيب دارسو التجسس بالدهشة ازاء مدى تغلغل المخابرات السوفييتية في حكومة الولايات المتحدة كما اظهرت الرسائل ايضاً ان الغالبية العظمى من الامريكيين الذين قاموا بالتجسس لصالح السوفييت كانوا اعضاء في الحزب الشيوعي الامريكي ورغم ان تلك الحقائق كانت معروفة لمكتب المباحث الفيدرالية الامريكية ولجنة مجلس النواب للأنشطة غير الامريكية الا انها كانت من أكثر المسائل اثارة للخلافات اثناء الجدال الطويل اثناء الحرب الباردة وساد بين المدافعين اليساريين لمدة طويلة اعتقاد بأن اعضاء الحزب الشيوعي هم مواطنون مخلصون معارضون مهتمون فحسب باصلاح النظام الامريكي ويقول المؤلفان: «ولكن وثائق فينونا تثبت العكس وهو ان اخلاصهم كان للاتحاد السوفييتي وان كثيراً من قيادات الحزب وبعض الاعضاء الكبار كانوا جواسيس للقضية السوفييتية». ويتحدث المؤلفان عن اجراءات تجنيد بعض الاشخاص للتجسس لحساب الاتحاد السوفييتي ويقولان ان اسماءهم كانت تخضع للفحص عبر الحزب الشيوعي الامريكي واجهزة الشيوعية الدولية في موسكو، وكان الشيوعيون يصنفون اتباعهم الى اعضاء الحزب، وبلاشفة لا يتمتعون بعضوية الحزب، ورفاق طريق وفي النهاية كانت نسبة ضئيلة من الشيوعيين الامريكيين هي التي تتقرر صلاحيتها للتجسس لصالح روسيا ويرى المؤلفان انه لا توجد حالات تقدم فيها اعضاء من الحزب للعمل لحساب مكتب المباحث الفيدرالية الامريكية وان بعض الجواسيس اعترفوا فيما بعد لذلك المكتب بعد تركهم الحركة الشيوعية لأسباب اخرى. ثم يتحدث المؤلفان عن أول مؤشر للانذار يأتي من كندا، ففي الخامس من سبتمبر 1945 لجأ منشق سوفييتي الى السلطات الكندية وكان يدعى ايجور جوجينكو وكان موظفاً للشفرة الخاصة بالمخابرات العسكرية في السفارة السوفييتية في اوتاوا وقد احضر معه وثائق تبين بوضوح مدى عمليات التجسس الروسية لا في كندا وحدها بل وفي الولايات المتحدة ايضاً كما فضحت الدور التجسسي الذي لعبه الشيوعيون المحليون من كلا البلدين وفجرت تلك القضية صدمات للحكومتين الكندية والامريكية وللحكومة البريطانية ايضاً وعندما نشرت المفوضية الملكية الكندية ما أفشاه جوجينكو من أسرار تنبهت حكومة الدول الغربية ومواطنوها العاديون لا الى التجسس السوفييتي فحسب بل والى انشطة الشيوعيين المحليين لصالح موسكو. ووفقاً لأقوال جوجينكو والوثائق التي قدمها تبين ان من بين أهم عملاء موسكو الكنديين شخصاً يدعى فريد روز عضو البرلمان الكندي ويعتنق الشيوعية، وكذلك سام كار السكرتير الوطني للحزب الشيوعي الكندي (الذي سمي بعد ذلك باسم حزب العمل التقدمي) ومع ذلك فقد كان الامر الاكثر خطورة من الاسماء التي قدمها جوجينكو هو الدليل الذي قدمه على وجود الانشطة التجسسية السوفييتية الخاصة بالتجارب النووية وقد أثارت اعترافات ذلك العميل المنشق الذعر في دوائر المخابرات السوفييتية ورغم انه كان ضابطاً في المخابرات العسكرية السوفييتية، الا انه كان ايضاً يعلم الكثير عن أنشطة ادارة المخابرات الخارجية. وكان كيم فيلبي يعمل آنذاك في قسم مكافحة الجاسوسية إم ـ آي 6 التابع لإدارة المخابرات الخارجية البريطانية، وتصادف أن قرأ التقارير السرية الواردة من جوجينكو في كندا، فقام بتحذير المشرفين عليه في موسكو من ان المنشق قد نقل معلومات مهمة. وكان أول تصرف من جانب السوفييت يتمثل في محاولة السيطرة على حجم الضرر المترتب على ذلك وحماية عملائهم الذين لم يقم جوجينكو بكشف اسمائهم. وكان على رأس قائمة عملاء ادارة المخابرات الخارجية السوفييتية اهم عميلين في بريطانيا وهما كيم فيلبي وكان يشار اليه في مراسلات فينونا باسم ستانلي أو أحيانا بأول حرف من هذا الاسم، والثاني هو جاي بيرجس الذي كان اسمه الحركي «خيكس» وعندئذ قام بافل فيتين رئيس الدائرة الأجنبية في المخابرات الخارجية السوفييتية بإرسال برقية الى رئيس مكتبها في لندن يأمره فيها بالتركيز على العمل مع فيلبي وبيرجس وقطع صلاته مع العملاء الاقل نشاطا. وفي 17 ابريل 1946 اضاف لافرينتي بيريا رئيس مخابرات ستالين ورئيس البوليس السري السوفييتي مشاعر قلق جديدة في برقية الى كل مركز مقيم في الخارج. وكانت على رأس رسالته العبارة التالية: «يقوم العميل المقيم شخصيا بفك الشفرة». وقد عكست نبرة الاوامر في الرسالة مدى التوتر الداخلي السائد في قيادة التجسس السوفييتية نتيجة لانشقاق جوجينكو، وجاء في البرقية: «كما علمتم من الصحف فإن موظف الشفرة السابق في مكتب المخابرات العسكرية في كندا قدخان وطنه وسرق وسلم السلطات الكندية عشرات من البرقيات المشفرة الواردة والصادرة فضلا عن ملفات شخصية ثمينة لشبكة العملاء. واشارت برقية بيريا الى الدور الذي لعبه اعضاء الحزب الشيوعي المحلي وكذلك الى ان جوجينكو كان يعد للجوء الى السلطات الكندية منذ زمن قبل اليوم الذي اعلن فيه عن هروبه، وعزا بيريا ذلك الى التسيب الذي سهل ذلك الهروب واصدر تعليمات مشددة بشأن اتخاذ اجراءات لتحسين تنظيم النشاط العملياتي لجميع اعضاء شبكة العملاء في انحاء العالم وضمان أمنهم بحيث لا يعرف كل عميل أي شيء يتجاوز المهام المكلف بها. وقد عكست تعليمات رئيس المخابرات التعارض المتنامي بين تفكير رجال المخابرات المحترفين في العمل الميداني، وتفكير القيادات في موسكو، اذ بينما كان ضباط المخابرات المقيمون يدركون قيمة الدور الذي لعبه اعضاء الحزب الشيوعي المحليون، كان بيريا البيروقراطي يعلم القليل عن عملية جمع المعلومات في الخارج، وكانت خبرته تتركز في ادارة جهاز القمع الداخلي الضخم في الاتحاد السوفييتي، ولكنه كان يرى ان الخطر ناشيء عن استخدام اعضاء الاحزاب المحلية في التجسس، غير انه فشل في تقويم حجم التوصل الى الاسرار وفرص الاختراق التي تمت بفضل هؤلاء الاعضاء الذين كان يحركهم ايمانهم الايديولوجي بالاتحاد السوفييتي، الامر الذي يختلف تماما مع دوافع العملاء الذين كان يتم تحريكهم بالمال أو الابتزاز، وهي وسائل التجنيد المعتادة التي كان يستخدمها جهاز بيريا القمعي داخل البلاد. ويرى المؤلفان انه ايضا بالغ في تصوره لحجم الخطر، وبينما كانت اجهزة الامن الغربية قد نجحت في اختراق الاحزاب الشيوعية، كان عدداً قليلاً جدا من الشيوعيين الموثوق فيهم يحيطون علما بنظام التجسس السوفييتي، ولم يستطع اي عميل غربي ان يتوصل الى اختراقهم الى هذا المستوى في تلك السنوات. وفي السنوات اللاحقة كان يتم تجنيد العملاء السوفييت بإغراءات الارتزاق واصبحت كفاءتهم ادنى بكثير من العملاء الايديولوجيين ايام الحرب العالمية الثانية. وكان البعض في الغرب يفهم دور الجماعات الشيوعية المحلية مثل مكتب المباحث الفيدرالية الامريكية الذي حذر من قبل صناع القرار في الحكومة بمن فيهم الرئيس الامريكي هاري ترومان، كما كانت اللجنة الخاصة حول النشاط غير الامريكي التابعة لمجلس النواب (وتسمى لجنة ديس) تعقد جلسات استماع حول عمليات التجسس السوفييتية والنازية. تروتسكي يفضح الشبكة يرى مؤلفا الكتاب الذي نستعرضه انه من المدهش انه قد تم تجاهل اهم المعلومات عن التجسس السوفييتي في تلك الفترة. وقد قدم هذه المعلومات ليون تروتسكي خصم ستالين وعدوه اللدود ـ والذي كان من بين ارفع القادة السوفييت عندما بدأت عمليات التجسس تلك في عام 1918 وفي بدايات عام 1940 قامت المخابرات السوفييتية بمحاولة فاشلة لاغتياله في منفاه بالمكسيك، ولكن عملاء موسكو تمكنوا من ذلك في وقت لاحق. وبعد محاولة الاغتيال الاولى كتب تروتسكي رسالة الى المدعي العام في المكسيك ووزعها على الصحف عن «الخطة العامة لمنظمة المخابرات الخارجية السوفييتية في الخارج». وجاء في رسالته ان «كل لجنة مركزية لكل قسم من الكومنترن (أي كل حزب شيوعي محلي) تضم مديرا من المخابرات الخارجية السوفييتية مسئولا عن تلك الدولة». وزعم تروتسكي ان وضع هذا المدير كان معروفا لدى رئيس الحزب وواحد او اثنين فقط من المسئولين الموثوق فيهم، اما الاعضاء الآخرون في اللجنة المركزية فلم يكن لديهم إلا لمحة طفيفة عن الوضع الخاص لهذا العضو. واشار تر وتسكي الى ان «هذا الشخص باعتباره عضوا في اللجنة المركزية ـ لديه الفرصة للاقتراب من جميع اعضاء الحزب ودراسة شخصياتهم وتكليف بعضهم بمهام، ودفعهم شيئا فشيئا الى الانغماس في اعمال التجسس والارهاب». كان معظم اعضاء الحزب الشيوعي الامريكي قد انضموا اليه خلال الثلاثينيات استجابة لتفاخر الحزب بأنه يمثل أهم معارضة فعالة للنازية ولكن مؤلفي الكتاب يبديان دهشتهما إزاء ما حدث نتيجة للتحالف النازي ـ السوفييتي في بدايات عام 1939 الذي فجر الحرب العالمية الثانية وقسم بولندا بين هتلر وستالين، ذلك ان احدا ممن عملوا بالجاسوسية لم يترك الحزب الشيوعي الامريكي بينما هجره عدد قليل جدا من اعضائه، وفي عام 1940 قال اندريه مارتي زعيم الحزب الشيوعي الفرنسي ـ والذي كان قد كلف ايضا ـ كمسئول في الكومنترن ـ بتوجيه الحزب الشيوعي الامريكي ـ قال آنذاك: «في الشهور الاربعة عشر الاخيرة لم ينقلب عضوا واحد في اللجنة الوطنية، ولا قائد واحد ضد الحزب». وعلى الرغم من ان العديد من المتعاطفين ورفاق الطريق سارعوا الى شجب التحالف النازي ـ السوفييتي، فإن عدم حدوث انشقاق جماعي على الحزب الشيوعي نفسه قد أثار تساؤلات حول دوافع الشيوعيين الامريكيين.. فكيف يستطيع اناس انضموا الى الحزب لمحاربة الفاشية ان يتحالفوا مع هتلر؟ وقد اعقب ذلك قيام المدافعين عن الحزب بمحاولة تبرير هذا التحالف بقولهم ان السوفييت وقعوا الاتفاق مع النازيين «لشراء الوقت»، وكان هذا تبريرا مزيفا، ذلك ان ستالين لم يعتقد اطلاقا ان هتلر سوف يخرق الاتفاق ويهاجم الاتحاد السوفييتي، على الاقل طالما ظلت بريطانيا تمثل تهديداً له على الجبهة الالمانية الغربية. وفضلا عن ذلك فقد كشف الباحثون الروس مؤخرا عن وثائق في الارشيف السوفييتي تبين أن ستالين رفض تصديق تقارير جواسيسه عن وجود خطة المانية لغزو الاتحاد السوفييتي وقد «خربش» ملاحظات فاحشة على تلك التقارير. ويرى المؤلفان ان الشيوعيين الغربيين ـ بمن فيهم الامريكيون ـ قد رددوا مقولات الخط الرسمي السوفييتي القائلة ان «الامبرياليين» الفرنسيين والبريطانيين، بمساعدة من الرئيس روزفلت، هم دعاة الحرب بينما تشكل المانيا والاتحاد السوفييتي قوى السلام.