الملف السياسي: أنشأت لجنة حقوق الانسان من قبل المجلس الاقتصادي والاجتماعي، وهو واحد من اهم اجهزة الامم المتحدة في العام 1949، كجهاز يهتم بالتشريع الدولي لحقوق الانسان وإقامة اجهزة، وآليات فرعية تابعة للجنة لمراقبة وإنفاذ هذه الاتفاقيات والهدف البعيد من وراء ذلك هو حماية وترقية حقوق الانسان على النطاق العالمي. تطورت مهام وأولويات اللجنة تبعا لكل مرحلة فقد اهتمت في العقدين الاولين للاسهام في تحرير المستعمرات والتأكيد على حق تقرير المصير، وفي مرحلة ثانية على مناهضة التمييز العنصري والعرقي، وفي مرحلة ثالثة على الحقوق الاقتصادية وحقوق المجموعات الضعيفة مثل النساء والاطفال والسكان الاصليين، وفي مرحلة رابعة على الحقوق السياسية والمدنية... الخ. وبالطبع هناك تداخل بين المراحل والتوازن بين المهام التي تصدت لها اللجنة. ومع مرور الزمن اقامت اللجنة مؤسسات وآليات متخصصة. فقد اقامت لجنة متخصصة لكل اتفاقية لمراقبة انفاذها. وأقامت مجموعات عمل من الخبراء او تكليف مقرر خاص لرصد الانتهاكات في مجال محدد، كما انبثقت اللجنة الفرعية لحقوق الانسان والمشكلة من 26 خبيرا مستقلا للقيام بمهام اقتراح التشريعات وتطويرها، ومراقبة تنفيذها ايضا. العضوية الدائمة تتشكل اللجنة من 54 دولة عضواً في الامم المتحدة، يتم انتخابهم من قبل المجلس الاقتصادي والاجتماعي لمدة سنتين، وتجري الانتخابات على طريقة انتخاب نصف الاعضاء كل عام. وكما هو جار في اجهزة الامم المتحدة الاخرى، فلكل مجموعة من المجموعات الجغرافية الخمس للامم المتحدة اوروبا الغربية وأمريكا الشمالية، وأوروبا الشرقية، واسيا وامريكا اللاتينية. ورغم ان العرف قد جرى بأن لا يتم اعادة انتخاب ذات الدولة عن المجموعة الاقليمية لدورتين متتاليتين، فقد ظل هناك استثاء يتمثل في اعادة انتخاب الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد السوفييتي (روسيا) دورة تلو اخرى منذ قيام اللجنة عام 1949 وبالرغم من تفكك الاتحاد السوفييتي فقد ظلت روسيا تتمتع بامتياز تجديد عضويتها، وبالنسبة للولايات المتحدة فقد تعزز موقفها داخل اللجنة وأضحى تجديد عضويتها مسلما به حتى وقع المحظور وفشلت في ضمان تجديد عضويتها خلال انتخابات التجديد النصفي لاعضائها من قبل المجلس الاقتصادي والاجتماعي في دورته خلال مارس 2001، حيث فازت لعضوية اللجنة فرنسا وألمانيا والنمسا. وقد استشاطت الولايات المتحدة غضبا لسقوطها، واتهمت شركاءها الاوروبيين بالخديعة، اما الكونجرس فقد اتخذ قرارا بعدم تسديد المترتبات المتراكمة على الولايات المتحدة للامم المتحدة، حتى يعاد انتخاب الولايات المتحدة للجنة. وقد صرح متحدث باسم الادارة الامريكية ان الولايات المتحدة عوقبت لدفاعها عن حقوق الانسان بدون هوادة، وأنها مستمرة في هذا النهج بدون هوادة، فما هي حقيقة الامر؟ بالرغم من ان الولايات المتحدة تعتبر نفسها بطل الدفاع عن حقوق الانسان في العالم الا ان هذا الادعاء لا يصمد امام الاختبار والتدقيق، فالولايات المتحدة ذاتها لم تصدق على اتفاقيات مهمة جدا مثل اتفاقية حقوق الطفل، واتفاقية مناهضة عقوبة الاعدام. كما انها تضع دائما تحفظات على الاتفاقيات الدولية التي تنضم اليها مثل اتفاقية روما حول المحكمة الجنائية الدولية، واتفاقية مناهضة التعذيب واتفاقية مناهضة جميع اشكال التمييز العنصري. وتنطلق الولايات المتحدة من قاعدة ثابتة في السياسة الامريكية وهي رفض مراقبة الامم المتحدة لتنفيذها لهذه الاتفاقيات، او اعطاء الحق لدول اخرى لتقاضي الولايات المتحدة في اجهزة الامم المتحدة حول انتهاكات الاتفاقيات الدولية فالولايات المتحدة تعتبر سيادتها مطلقة، على خلاف ما تسلكه تجاه الدول الاخرى، مما يضعف مصداقية الولايات المتحدة تجاه حقوق الانسان. منذ قيام الامم المتحدة، فقد تميزت سياسة الولايات المتحدة في الشئون الدولية ومنها حقوق الانسان بالهيمنة وفرض ارادتها حتى على حلفائها الغربيين الذين يشكون دائما من عجرفتها لكنه مع سقوط الاتحاد السوفييتي وانهيار الكتلة الاشتراكية فقد تأتى للولايات المتحدة ان تنفرد بزعامة العالم فيما يعرف بعالم القطب الواحد وبذلك اضحت الولايات تفرض مواقفها وسياساتها على المجتمع الدولي في كل المحافل. وقد اتاحت لها عضويتها الدائمة في لجنة حقوق الانسان دورا مقررا في كل اعمال اللجنة بما في ذلك صياغة التشريعات، وصياغة القرارات، وتقرير المهمات والتحكم في مجرى المناقشات، واختيار الخبراء، وتحديد الميزانيات خصوصا انها اكبر مساهم فيها. على امتداد السنوات العشر الماضية استخدمت الولايات المتحدة قضية حقوق الانسان كأداة سياسية لمكافأة التابعين الخاضعين ومعاقبة الخصوم المارقين، او للضغط والابتزاز للحصول على مكاسب وتنازلات من الآخرين، او لردعهم عن انتقاد سجلها وسجل حليفتها الدائمة «اسرائيل» ولا يعني ذلك ان سجل من تستهدفهم الولايات المتحدة فيما يخص حقوق الانسان نظيف، وأن حقوق الانسان لديهم بخير، ولكن الولايات المتحدة ليست نزيهة في مواقفها وتستخدم المعايير المزدوجة في التعاطي مع ذلك وإذا اردنا ان نخرج من التعميم الى التحديد فنتناول نماذج للسياسة الامريكية في لجنة حقوق الانسان: 1ـ القضية الفلسطينية: ظلت الولايات المتحدة لوحدها وأحيانا مع كوستاريكا تعترض على اي قرار يدين الاحتلال العسكري الاسرائيلي للاراضي الفلسطينية والعربية وفي ذات الوقت التبني لقرارات تدين ما يدعى باللاسامية. 2ـ ظلت الولايات المتحدة تستهدف بلدانا بعينها باعتبارها منتهكة لحقوق الانسان مثل الصين وكوبا وايران وكوريا الشمالية والسودان، وقد وصلت الولايات المتحدة في السنوات الاخيرة الى طريق مسدود حيث ان حلفائها الاوروبيين لم يعودوا متحمسين لمواقفها ومشاريع قراراتها ضد ايران والصين تحديدا فإيران تحقق تقدما ملحوظا في التحول الديمقراطي واحترام حقوق الانسان، والصين دولة اقتصادية وسياسية عظمى وحققت انجازات اقتصادية واجتماعية مهمة لشعب يبلغ 1.25 مليار انسان، ولا يمكن للدول الاوروبية تجاهل المصالح الاقتصادية. لذا فقد اخفقت مشاريع القرارات التي تبنتها الولايات المتحدة ضد الصين وتقلص التأييد لها ضد ايران وكوبا. 3ـ تعمد الولايات المتحدة الى الانتقائية والازدواجية في تعاطيها مع التشريعات الجديدة فللولايات المتحدة مبدأ ثابت فيما يخص ذلك وهو انها لا تريد ان تحاسب من قبل الهيئات الدولية ولا تريد ان يحاسب مواطنوها فيما يتعلق بانتهاكات اتفاقيات دولية معينة. انها متحفظة على المواد 20 و21 من اتفاقية مناهضة التعذيب لأنها لا تريد ان تحاسب امام لجنة مناهضة التعذيب كذلك الأمر باتفاقية حقوق الطفل واتفاقية مناهضة التمييز العنصري.. الخ. ومؤخرا تجلى موقفها تجاه النظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية، فهي لا تريد ملاحقة قضائية للمسئولين الامريكيين الذين يرتكبون جرائم ضد الانسانية. لقد تظافرت عوامل عديدة لاسقاط الولايات المتحدة من عضوية لجنة حقوق الانسان اهمها: 1ـ ان حلفاء الولايات المتحدة الغربيين قد ضاقوا ذرعا بهذه السياسة الانتقائية والتي تستخدم حقوق الانسان لتحقيق المصالح الامريكية على حسابهم فمثلا دفعت الولايات المتحدة الدانمارك في 1997 الى تبني مشروع قرار ضد الصين،. وفاز مشروع القرار فما كان من الصين الا ان الغت عقودا تجارية مع الدانمارك قيمتها 200 مليون دولار فيما لا تستطيع الصين الغاء العقود الامريكية لأنها تستند الى اتفاقيات بعيدة المدى. وفي هذا الصدد فإن هناك تباينا متزايدا بين مواقف الاتحاد الاوروبي (باستثناء بريطانيا) والولايات المتحدة فيما يتعلق بالمواقف من الدول الاخرى ومع المزيد من توحد السياسة الخارجية الاوروبية فإن الافتراق حاصل، وهو ما دفع بالاوروبيين الى عدم التجديد للولايات المتحدة في عضوية اللجنة، وهو موقف صحيح اذ ان نظام اللجنة لا يعطي للولايات المتحدة او غيرها حق العضوية الدائمة. 2ـ تشكلت في السنوات الاخيرة ما اضحى يعرف بكتلة 77 من دول العالم الثالث وفي حين لا يمكن انكار الانتهاكات الفاضحة لمعظم هذه الدول في مجال حقوق الانسان امام استفراد الولايات المتحدة بكل منها على حدة، فقد تبنت استراتيجية التضامن فيما بينها في مواجهة الولايات المتحدة في هذا الميدان بغض النظر عن التباينات فيما بينها فبعضها شديد التبعية للولايات المتحدة مثل هايتي وبعضها معاد للولايات المتحدة مثل كوبا، لكنها تشترك في نفس الهم. 3ـ التحالف الصيني الروسي في هذا الصدد حيث ان البلدين مستهدفان من قبل الولايات المتحدة، ويمكن القول انه بما للبلدين من نفوذ وشبكة علاقات، فقد استطاعا في عدة مناسبات ان يشكلا كتلة في مواجهة الكتلة التي تقودها الولايات المتحدة. فرحة ما تمت لا شك ان فشل الولايات المتحدة الامريكية في الفوز بعضوية لجنة حقوق الانسان مبعث فرح لكل من يدافع عن حقوق الانسان، وقد يسهم في كسر هيمنة الولايات المتحدة على السياسة الدولية، ويحد من غرورها وصلفها، ولكن لا يعني ذلك ان ابتهاج العديد من دول العالم الثالث التي ننتمي اليها بهذا السقوط هو انتصار لحقوق الانسان وقيم العدالة والحق، فهذه الدول تخلصت من مصدر مهم للادانة دون ان تتبنى فعلا سياسة اصلاح اوضاعها فيما يتعلق بالديمقراطية وحقوق الانسان من الداخل. المطلوب فعلا الاستناد الى حقوق الانسان دون تميز او استثناء لآية دولة في الحكم على الدول فعسى ان يكون السقوط الامريكي حافزا لفتح ملف حقوق الانسان عالميا بطريقة نزيهة وغير متميزة وموضوعية، وبدون التمترس في الخصوصيات والاستثناءات. ـ كاتب بحريني