الملف السياسي: التساؤلات التي تثار دائما حول استقلالية الأمم المتحدة في قراراتها باتت مؤخرا تتضمن إجابات بديهية تتركز في نمطية السيطرة الواضحة للولايات المتحدة على مؤسسات الهيئة الدولية، وهذا الوضوح بات يشكل قلقا مشروعا لدول العالم كبيرة وصغيرة قوية وضعيفة، حيث طفت على السطح مجموعة من الأفكار التي تدعو إلى إعادة بناء قانون الأمم المتحدة وإيجاد آلية جديدة تضمن بداية عدم سيطرة واشنطن على قراراتها وتفعيل آلية تنفيذ القرارات التي لا تنفذ لأن الولايات المتحدة لا تريد لها التنفيذ وبهذا المعنى فإن إعادة الهيكلة لم تقتصر على دعوات الدول الضعيفة ذات العلاقة السيئة مع واشنطن بل تجاوزت ذلك لتشمل أصحاب حق النقض «الفيتو» كالصين وروسيا مثلا وجاءت أوروبا لتدلو بدلوها في هذا المجال من خلال الاعتراضات غير المباشرة والتي كانت أشد إيلاما على واشنطن وتجلت بخروج الولايات المتحدة من لجنة حقوق الإنسان كتعبير مباشر هذه المرة عن عدم الرضا عن السياسة الأمريكية في العالم. تكتيك أوروبي بشكل مباشر تدخلت أوروبا هذه المرة لاقصاء الولايات المتحدة عن مقعدها في لجنة حقوق الإنسان، والناظر إلى ما حصل في الاقتراع السري الذي جرى في المجلس الاقتصادي الاجتماعي الذي تنبثق عنه لجنة حقوق الإنسان يرى بوضوح طريقة التدخل الأوروبي، فقد قدمت أوروبا ثلاث دول مرشحة لهذه اللجنة وهي ضامنة فوزها واخراج الولايات المتحدة منها مختارة توقيتاً مناسباً لهذه المرحلة حيث درست أسباب الغضب العالمي من تفرد الادارة الأمريكية بقرارات هيئة الأمم المتحدة ورفض الولايات المتحدة لبعض البرامج والاتفاقيات التي تتبناها معظم الدول الأوروبية إن لم نقل كلها ومنها أن واشنطن ترفض إبرام اتفاقية حول محكمة الجرائم الدولية كونها لا تريد أن توضع في قفص الاتهام لما ترتكبه أو يمكن أن ترتكبه مستقبلا من جرائم ضد شعوب العالم ولن تكون أوروبا ضمن مفهوم العولمة الأمريكية اللاهثة لتحقيق مصالحها بعيدا عن جرائم الولايات المتحدة، وجاءت معارضة الرئيس الأمريكي جورج بوش لاتفاقية «كيوتو» للتغيرات المناخية ليست اعتراضا على توجه الاتحاد الأوروبي فقط بل تحديا صارخا لصناعته واقتصاده، حيث قالت الإدارة الأمريكية: «ان ما يهم واشنطن هو الاقتصاد الأمريكي وسلامته فقط» وبالطبع فإن الولايات المتحدة هنا لا تقف بوجه أوروبا فقط بل بوجه الانسانية أيضا ولا تقف بوجه الصناعة الأوروبية بل تريد وعبر كل الوسائل السيطرة اقتصاديا على العالم الذي أصبح يتنفس دخان مصانعها ووباء هوائها. وضمن هذه الأسباب المباشرة بالنسبة لأوروبا التي قدمت ثلاث دول فائزة قبل أن يجري الاقتراع السري وهي فرنسا التي حصلت على 52 صوتا والنمسا التي حصدت 41 صوتا والسويد التي جنت 32 صوتا وتركت الولايات المتحدة خارج اللعبة بتسعة وعشرين صوتا وهي التي تحتفظ بمقعدها في لجنة الأمم المتحدة لحقوق الانسان منذ عام 1947 وبالطبع فإن هذه اللجنة مهمتها التحقيق في انتهاكات حقوق الانسان في العالم. وأمام التقدم الأوروبي للترشيح أدركت الولايات المتحدة صعوبة موقفها متأخرا وتحركت باتجاه اقناع النمسا والسويد بالانسحاب لصالحها لكن الدولتين المدعومتين من الاتحاد الأوروبي رفضتا عرض الولايات المتحدة حيث كانت الأخيرة تلعب في ورقتها الأخيرة التي تجاهلتها أثناء فترة التحضير معتقدة بضمانها لهذا المقعد وهي التي ضمنته منذ عام 1947. أسباب غير مباشرة ولكن، هل لهذه الأسباب وحدها تحركت أوروبا أو لنقل تحدت الولايات المتحدة؟! الواقع أن الأسباب غير المباشرة والتراكمية هي أسباب كثيرة نسبيا يمكن أن نقرأها بصورة الاضطراب والفتور الأمريكي الأوروبي فيما يتعلق بالسياسة الخارجية والأمنية وحتى الاقتصادية رغم الشراكة الأطلسية بين الطرفين، وهذا ما عبر عنه «هيرفيه دوشاريت» وزير خارجية فرنسا الأسبق في مقال كتبه في الفيجارو حين قال: «صحيح أن الولايات المتحدة تقبل الشراكة الأطلسية ولكنها تريد شراكة مشروطة بالمصالح الأمريكية وطموحاتها وأهدافها وهذا غير مقبول» وهذا القول يدلل صراحة على عدم رضا المجموعة الأوروبية باتحادها عن السياسة الأمريكية التي بدأت تتدخل في أوروبا كونها تريد تأكيد وترسيخ عولمتها حتى، أوروبيا، أضف إلى ذلك أن الولايات المتحدة غالبا ما تتدخل عسكريا في شئون بعض الدول في العالم دون النظر إلى طبيعة العلاقات بين هذه الدول وأوروبا وبين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أو حتى فيما يتعارض مع تفكير أوروبا الأطلسي وهذا ما جعل مجموعة هذه الدول تتدخل بشكل مباشر كي تقف أمام وجه السياسة الأمريكية وتعلن اعتراضها عليها وإن يكن هذا الاعتراض بشكل غير مباشر ولكنه يشكل خطوة عملية في اتجاه التحدي المفترض مستقبلا. في هذا السياق نجد أن أطراف هذه المعادلة لا تقف عند هذا الحد فالولايات المتحدة تدرك تماما أن أوروبا يمكن أن تمر بعصر ذهبي بسحب البساط من تحت واشنطن خاصة أن الاتحاد الأوروبي قطع أشواطا مهمة في تحقيق تكامل اقتصادي وسياسي وسيشكل نقطة تحول عالمية قريبة بعد إطلاق التعامل النقدي في العملة الأوروبية الموحدة «اليورو» والتي بدأت بوادر هذا الاطلاق عمليا مما قد يشكل خطراً على عولمة الدولار الأمريكي وينعكس ذلك طبعا وبشكل مباشر على سياسة الولايات المتحدة الأمريكية بل لعله سينعكس على ضماناتها السياسية في دول كثيرة من العالم وهذا ما جعل قلق الادارة الأمريكية شديدا وبدأ يتحول إلى خوف حقيقي من ذلك اليورو القادم دون استئذانها. أما الاتحاد الأوروبي فإنه يتعامل مع هذا الواقع بعكس ما تتعامل معه الولايات المتحدة ويحول كل اهتمامه إلى مستقبله الاقتصادي والسياسي الذي من المفترض نظريا أن يكون أقوى من الولايات المتحدة كونه تشكل بوحدته قوة تتحدى وباستطاعتها أن تتحدى العولمة الأمريكية وسياستها التي تعامل الصديق كما تعامل العدو حيث لا فرق بنظر العولمة الأمريكية بين صديق وعدو أمام استمرار هذه الاستراتيجية التي تريد أن تنشر اقتصاداتها وتمحي اقتصادات العالم بدوله القوية قبل الضعيفة. خدمات متبادلة لعل أوروبا استطاعت أن تستغل الظروف العالمية لمصلحتها في دخول ثلاث دول منها قدمتها إلى لجنة حقوق الإنسان وتركت واشنطن خارج اللجنة تضطرب حتى داخليا ولكن ذلك لم يكن بقوة أوروبا وحدها بل إن الظرف العالمي الذي يتسم بالغضب من السياسة الأمريكية قد ساعد الأوروبيين على القيام بهذه الهجمة وبالمقابل فقد استفادت دول كثيرة من اقصاء الولايات المتحدة عن مقعدها، كما استفادت اتجاهات دولية أخرى وتيارات سياسية واقليمية وحتى انسانية. وترتسم هذه الصورة بداية في حالة الفوضى التي عمت السياسة ومحافلها في واشنطن فقد دعت بعض التيارات في الولايات المتحدة إلى تسديد الديون المترتبة عليها والبالغة 1.7 مليار دولار أمريكي لمصلحة الأمم المتحدة وصوت مجلس النواب الأمريكي بأكثرية 252 صوتا مقابل 165 على التعديل لمشروع قانون يقضي بدفع 582 مليون دولار من المتأخرات المستحقة على واشنطن للأمم المتحدة ولكن ضمن نمط جديد حيث يشترط التعديل بعدم دفع المبلغ القادم ومقداره 244 مليون دولار إلا بعد عودة الولايات المتحدة إلى لجنة حقوق الإنسان وهذا القرار تبناه بشكل عملي النائب الجمهوري ديك آرمي الذي هدد بأهمية واشنطن قائلا: «لولا قيادة الولايات المتحدة لما كانت هناك أمم متحدة» ولكن جاء رد الأمين العام كوفي عنان مباشرا بقوله: «يتوجب على الولايات المتحدة دفع المتأخرات المتوجبة عليها للأمم المتحدة دون شروط» والسؤال الذي يفرض نفسه كيف يمكن للولايات المتحدة العودة إلى لجنة حقوق الإنسان وقد خرجت منها بالتصويت وهل يمكن أن تكون هناك حقوق إنسانية بالقوة التي تريد فرضها الولايات المتحدة من جديد وكما عرف عنها من قديم؟! الواقع أن هذا الأمر لن يحصل الآن وإن حصل فيجب أن تتخلى الأمم المتحدة عن اسمها وتدعى بالولايات المتحدة ولتسمى لجنة حقوق الإنسان لجنة حقوق الإدارة الأمريكية للإنسان الذي تختاره؟! ولكن ما الذي يدعو الادارة الأمريكية أن تتوتر كل هذا التوتر وهل فقدانها لهذا المقعد يجعلها تقف مشدودة الأعصاب؟! حقيقة إن ذلك صحيح أمام مشهد السيطرة الأمريكية وتفرد نفوذها وفرض املاءاتها على العالم فالولايات المتحدة لن تستطيع تقديم مشروعاتها المعتادة ضد كوبا والصين التي طالما تحاول تحريك ملف حقوق الإنسان في تلك الدولتين إضافة إلى أنها لن تقف هذه المرة كما فعلت ضد مشروع إدانة اسرائيل وجرائمها بحق الشعب الفلسطيني وقد لمح كولن باول لذلك بقوله: «لقد تركنا بعض الدم على الأرض». إذن الأشكال العالمية التي مارستها الولايات المتحدة واللا أخلاقية جعلت أوروبا تستفيد منها ويمكن التركيز على بعض هذه الأشكال وأهمها رفض مجلس الشيوخ لاتفاقيات دولية ضد الألغام الأرضية والتمييز ضد النساء والأطفال ورفض ابرام اتفاقية حول محكمة الجرائم الدولية وجعل أدوية الايدز في متناول الجميع إضافة إلى تدخلاتها اللا إنسانية في بعض الدول كما فعلت بضرباتها الجوية على العراق في 16 فبراير وهذه الضربات غير مبررة من الأمم المتحدة إضافة إلى أن منطقة الحظر الجوي لا يوجد لها أية مرجعية في مؤسسات الأمم المتحدة وكذلك وقوفها ضد قرار إدانة الجرائم الانسانية التي ترتكبها اسرائيل ضد الشعب الفلسطيني وبالطبع تحريك ملف حقوق الانسان في كوبا والصين وكل هذا وهو غيض من فيض جعل العالم يقف ضد واشنطن ويكسر مقعدها في لجنة حقوق الانسان بصمت تلته ضجة أمريكية وفائدة لأوروبا التي استطاعت أن تستغل مجمل تلك الظروف وتقرأها قراءة متأنية لتفاجيء بها واشنطن وتجعلها تعيد كل حساباتها كما يعيد العالم حساباته في فاعلية هيئة الأمم المتحدة التي لا يمكن مع هذا الحدث أن تكون مستقلة دون التبعية الواضحة للبيت الأبيض ومشتقاته، وهذا الحدث لن يتم تأكيده عمليا وواقعيا دون الوقوف بشكل أكثر فاعلية وتضامن أكبر لشعوب العالم المتضررة جميعها من السياسة الأمريكية. ـ كاتب فلسطيني