الملف السياسي: جاء إخفاق الولايات المتحدة الأمريكية في الاحتفاظ بعضويتها في اللجنة الدولية لحقوق الانسان التابعة للأمم المتحدة ليؤكد وبما لا يدع مجالا للشك أن السياسات الأمريكية في الفترة الأخيرة لم تعد ترضى عنها مختلف الأطراف الأخرى ومنها حلفاؤها، فقد بات واضحا للجميع أنها تسخر كل الأدوات المتاحة ومنها المنظمات والهيئات واللجان الدولية لخدمة مصالحها دون مراعاة للآخرين وأنها تستغل شعار حقوق الانسان للضغط على دول دون الأخرى وبما يتوافق مع أهدافها وتوجهاتها.. (الملف) التقى السفير عبدالله الأشعل الدبلوماسي بالخارجية المصرية في حوار حول أسباب فشل أمريكا في الاحتفاظ بعضويتها في هذه اللجنة، وإمكانية استفادة الجانب الأوروبي من الغياب الأمريكي عن هذه اللجنة وهل يمكن أن يؤدي ذلك الى تقليص الولايات المتحدة للدعم المالي الذي تقدمه للمنظمة الدولية. السفير الأشعل أكد أن فشل أمريكا يعود الى أنها تطبق مبدأ حقوق الانسان على أساس سياسي ومصلحي. واضاف أن عدم تجديد عضوية الولايات المتحدة في هذه اللجنة هو بمثابة ادانة واستنكار وعدم رضا من المجتمع الدولي على السياسات الأمريكية، وقال ان أوروبا سوف تستفيد من الغياب الأمريكي لأنها هي الأخرى تسعى لدور أكثر فاعلية على الساحة الدولية في هذا المجال.. وفيما يلي نص الحوار: علامات الاستفهام ـ في رأيكم ما هي أسباب اخفاق الولايات المتحدة في الحفاظ على مقعدها في اللجنة الدولية لحقوق الانسان؟ ـ فشل الولايات المتحدة في الحفاظ على مقعدها وعضويتها بهذه اللجنة للمرة الأولى منذ عام 1947 يعود الى أنها تطبق مبدأ حقوق الانسان على أساس سياسي ومصلحي، كما أنها ترفع لواء حقوق الانسان بشكل غير مخلص وهو عكس المنهج الدولي في التعامل مع قضية حقوق الانسان، فمثلا هي تنحاز بشكل أعمى لحليفتها اسرائيل ولا تقدم على خطوة مساءلتها فيما يتعلق بقيامها بانتهاك حقوق الانسان، رغم ما تقوم به وبصورة مستمرة من انتهاك لكل القواعد الدولية وحقوق الانسان الفلسطيني من خلال المجازر الوحشية المستمرة والتي راح ضحيتها المئات من المدنيين الفلسطينيين منهم أطفال دون الأربعة شهور، أيضا من أسباب الفشل الأمريكي هو أن السلوك الأمريكي في اطار التعامل مع حقوق الانسان في العالم تكتنفه الكثير من علامات الاستفهام والدليل على ذلك هو أن الولايات المتحدة تستخدم سلاح التدخل الانساني بحجة الدفاع عن حقوق الانسان في مختلف دول ومناطق العالم وهو الأمر الذي تعارضه الكثير من هذه الدول ومع ذلك لا تلقي الولايات المتحدة بالا لهذه المعارضة ومن هنا كانت محاربتها في اللجنة الدولية لحقوق الانسان. ـ معنى هذا أن فشل الولايات المتحدة يمكن اعتباره بمثابة ادانة دولية لها لتسييسها شعار حقوق الانسان ولعدم تعاملها معه باخلاص؟ ـ بلاشك عدم تجديد عضوية الولايات المتحدة في هذه اللجنة الدولية هو بمثابة ادانة واستنكار وعدم رضا من المجتمع الدولي على السياسات الأمريكية وتآكل في هيبتها عالميا وخاصة أن هذا الفشل الأمريكي في حقوق الانسان واكبه فشل آخر في لجنة مكافحة المخدرات التي أنشئت عام 1961 وتساهم الولايات المتحدة بنحو 25% من ميزانيتها، ولذلك كانت الصدمة الأمريكية والمطالبات العديدة من الكثير من الجهات الأمريكية بضرورة بحث ومناقشة أسباب هذا الانهيار ولقد بدأت الادارة الأمريكية بالفعل في اجراء مشاورات مع الجانب الأوروبي في محاولة لتدارك الأمر والعمل على عدم تكراره في المرات المقبلة، وهناك لجنة شكلها الكونجرس بالفعل لدراسة ما حدث، كما أظهرت واشنطن درجة من اللين مع الصين والتي كانت موضع اتهام دائم منها بالنسبة لانتهاكها لحقوق الانسان، أيضا عادت الولايات المتحدة لتبدي درجة من الاهتمام بمنطقة الشرق حيث عينت مساعدا خاصا لوزير الخارجية الأمريكية لشئون المنطقة وقرر بدء جولة مكوكية للتعرف على الأزمة توطئة لاطلاق مبادرة أمريكية لحل هذه الأزمة، وهذه الاجراءات الأمريكية كلها بهدف الخروج من المأزق الحالي من حيث تصاعد الاتهامات ضدها لتعاملها مع الأمور بمنطق الكيل بمكيالين وازدواجية المعايير. مجرد بداية ـ يرى البعض أن الاخفاق الأمريكي الذي حدث بالنسبة للجنة حقوق الانسان لن يكون الأخير وأنها قد تفقد عضويتها في لجان ومنظمات أخرى فهل توافق على هذا الرأي؟ ـ ما حدث هو مجرد بداية وقد يتكرر هذا السقوط في لجان أخرى مستقبلا، فطالما ظلت الولايات المتحدة تمارس نفس الدور ولا تراعي مصالح الأطراف الأخرى فسوف يتكرر مسلسل محاربتها في بعض اللجان الدولية. ـ تحدثتم عن تآكل هيبة الولايات المتحدة من جراء مثل هذا الفشل فماذا تقصدون بذلك؟ ـ هناك الكثير من المحللين والمراقبين للسياسة الأمريكية يرون أن القرن الجديد هو قرن سقوط الولايات المتحدة وظهور قوى أخرى ستجاورها على الساحة الدولية ، وهناك مؤشرات عديدة على ذلك منها تباطؤ النمو الاقتصادي الأمريكي والذي انخفض من 7 الى 1% خلال الستة أشهر من العام 2000، واضطرار البنك الفيدرالي الأمريكي لخفض فائدته بمقدار نصف في المئة ثلاث مرات خلال مدة لا تزيد على أشهر وهذا يعني أن الاحتياطي الفيدرالي في تناقص، أيضا زيادة عجز ميزان المدفوعات الأمريكية، والمنافسة القوية من جانب المنتجات الآسيوية، عجز الولايات المتحدة عن السيطرة على حقوق الملكية الفكرية وعدم قدرتها على تكوين تحالفات قوية على مستوى العالم، فضلا عن عجزها عن ضبط انتشار السلاح النووي وكل أسلحة الدمار الشامل، لكل هذه العوامل يرى المراقبون أن القرن الحالي سيشهد سقوط الولايات المتحدة وأن ما حدث في انتخابات اللجنة الدولية لحقوق الانسان هو مجرد ارهاص على ذلك. دور ناشط وفاعل ـ هل ستكون أوروبا المستفيد الأول من الغياب الأمريكي في بعض الأنشطة الدولية؟ ـ لاشك أن أوروبا سوف تستفيد مما حدث فمعروف أن هناك تنافسا بين الطرفين فيما يتعلق بالبحث عن دور على الساحة الدولية، فأوروبا مهتمة بذلك وتسعى دوما لأن يكون لها دور ناشط وفاعل على الصعيد الدولي من خلال لجان المنظمة الدولية، أما ما يقال من أن الدور الأوروبي هو دور مكمل للدور الأمريكي فهذا الأمر ينطبق على الحالة التي يكون فيها الطرفان الأمريكي والأوروبي في حالة مواجهة مع إحدى دول العالم النامي عندها فقط تتكامل الأدوار والمصالح، أما على صعيد التواجد على الساحة الدولية من خلال الأنشطة الدولية المختلفة من خلال لجان الأمم المتحدة فهناك تنافس بين الطرفين، وعموما فالواضح أن الدول الأوروبية وهي حلفاء الولايات المتحدة قد ضاقت هي الأخرى من السلوك الأمريكي ويرون أنها تتصرف بشكل لا يراعي التنسيق المشترك والتكامل خاصة فيما حدث بالنسبة لمضي الولايات المتحدة قدما في اقامة منظومة الدرع الصاروخية الأمريكية وهو ما عارضته ألمانيا وبريطانيا وطلبتا تفسيرات من واشنطن حوله. ـ هددت الولايات المتحدة ومن خلال الكونجرس بأنها سوف تمتنع عن تسديد المتأخرات المستحقة للأمم المتحدة ثم تراجعت بعد ذلك فهل يفهم من ذلك أنها لا تستطيع الاقدام عمليا على هذه الخطوة؟ ـ الولايات المتحدة يمكن أن تقدم على خطوة قطع مساهماتها المالية لدعم الأمم المتحدة ولجانها المختلفة إذا هي رأت أنها لا تستفيد من المنظمة الدولية وأنها لا تخدم مصالحها وخاصة أنها لا تدفع مبلغا هينا بل 25% من ميزانية المنظمة، ولذلك فهذا الأمر وارد وتعززه حالة التخبط التي تعيشها الولايات المتحدة بسبب كونها القطب الأوحد على الصعيد الدولي والذي يريد تحقيق كل أهدافه من خلال القوة وهذا قد يجعله لا يرضى بهزيمة كتلك التي حدثت في اللجنة الدولية لحقوق الانسان. ـ دائما واشنطن متهمة بأنها تتعامل مع اللجان العالمية التابعة للمنظمة الدولية من منطق تسخيرها لخدمة مصالحها وأهدافها بعيدا عن آليات عملها وأهدافها فما هو رأيكم في ذلك؟ ـ معروف أن الولايات المتحدة تساهم بنسبة 25% من ميزانيات هذه المنظمات واللجان وهذا المبلغ لن يقدمه دافع الضرائب الأمريكي هكذا دون تحقيق مصالح أو مكاسب، ولذلك فلابد أن تستفيد الولايات المتحدة من تواجدها في هذه اللجان وتستثمر ذلك في خدمة مصالحها فكل شيء له مقابل، وهي تستخدم هذه اللجان لتحقيق أهدافها مرة بصورة مباشرة اذا اقتضى الأمر ذلك، وأحيانا أخرى بطرق الالتفاف حول بعض القضايا ومن خلال أطراف أخرى، المهم أن الولايات المتحدة لن تساهم بكل هذه الأموال دون مقابل.