الملف السياسي: خروج الولايات المتحدة من اللجنة العالمية لحقوق الإنسان ومكتب مراقبة تجارة المخدرات كان مفاجأة غير متوقعة في الوسط السياسي الأمريكي والأوساط العالمية، حيث أثار الحدث ردود أفعال غاضبة لدى الرئيس بوش ومساعديه وكذا على مستوى الكونجرس عكس حالة الغرور التي وصلت إليها واشنطن كقوة عالمية مهيمنة، بينما عكس حالة ارتياح عالمية أكدت في مجملها على مواقف دول العالم الرافضة لجبروت أمريكا وتسلطها على مسار السياسة الدولية واستخدامها للمعايير المزدوجة في التعاطي مع بعض القضايا العالمية. والواقع ان خروج واشنطن من هذه اللجان التابعة للأمم المتحدة هو حدث غير عادي وله دلالات وأبعاد مستقبلية لا سيما وان عضوية أمريكا في لجنة حقوق الإنسان تمتد لنصف قرن من الزمان كونها من المؤسسين، من هنا يتضح حجم السقوط المدوي للولايات المتحدة أمام الدول والرأي العام العالمي ليؤكد تآكل سمعتها عالميا، الأمر الذي قد يمثل البداية لمسلسل الانهيار لاسطورة العالم خاصة في ظل بروز قوى دولية جديدة وانحسار مفهوم القطب الأوحد في الساحة الدولية. لقد استثمرت أمريكا مسألة حقوق الإنسان استثمارا كبيرا وسخرته لخدمتها سياسيا ومصلحيا واستخدمته شعارا كبيرا لمحاربة الدول المعارضة لسياساتها وسعت بكل الطرق لاسقاط أنظمة وتغيير حكومات بزعم عدم ديمقراطيتها وانتهاكها لحقوق الإنسان، بينما تغض النظر عن الارهاب والمجازر التي ترتكبها اسرائيل طيلة تاريخها السياسي ضد الشعب الفلسطيني. ازاء ذلك كيف يمكن لواشنطن أن تقنع الرأي العام العالمي بمبدئيتها في الدفاع عن حقوق الإنسان وهي تمارس سياسة الكيل بمكيالين على صعيد التعامل مع بعض القضايا الدولية. لقد بدأت ردود الفعل الدولية تتخذ شكل التمرد العلني على الاستبداد الأمريكي، لذا فان التصويت الأخير في المجلس الاقتصادي والاجتماعي ضد العضوية الأمريكية يمثل ضربة علنية مباشرة وموجعة وان كانت صغيرة وفي ميدان محدد فكأنها جاءت على سبيل التجربة أو مقدمة لسواها. فهل يمكن القول ان ما حدث يعد بمثابة تمرد غالبية الشعوب والدول على استبداد أمريكي دولي سيأخذ مداه مستقبلا على صعيد بقية الهيئات والمنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة بحيث تتدحرج كرة الثلج لتصبح كتلة كبيرة في وجه منطق سياسة الهيمنة.