بيان الاربعاء: بعد اكثر من قرن على بدايات عصر النهضة ، يجد الفكر العربي نفسه مطالباً بالعودة الى طروحات هذا العصر الاولية، تدقيقاً ومراجعة ومساءلة بغية اكتشاف اسباب فشل مشروع النهضة والحداثة ، في الواقع العربي المعاصر، او من اجل وقف حالة التداعي والنكوص والتراجع في هذا الواقع، الذي تزداد مشاكله تعقيداً، وتزداد معه التحديات التي يواجهها الفكر العربي المعاصر لايجاد اجابات علمية وعملية قادرة على وقف حالة التدهور في المواقع، واعادة استكمال البناء لمشروع النهضة والتحديث على اسس صحيحة ومتينة. فأين تكمن المشكلة في كل هذا.. هل هي في الفكر العربي المعاصر، ام في الواقع، ام في مضمون العلاقة القائمة بين الاثنين؟ ام في اسباب اخرى؟ اسئلة عديدة حملها «بيان الاربعاء»، وطرحها على الدكتور يوسف سلامة نائب رئيس الجمعية الفلسفية العربية، والمدرس بقسم الفلسفة بجامعة دمشق، والمفكر والباحث المشغول بأسئلة الواقع العربي، وقضاياه، وبأسئلة الفكر ومقاربته لهذا الواقع ، فكان معه هذا الحوار: ـ يلاحظ على الفكر العربي المعاصر، انه بعد اكثر من قرن على بدايات عصر النهضة يعود الى هذه البدايات ليتخذ منها اساساً لطروحاته، ومفاهيمه في مواجهة حالة التدهور القائمة في الواقع. والسؤال لماذا هذه العودة بعد اكثر من قرن واين تكمن برأيك اسباب فشل مشروع النهضة؟ ـ عندما لا ينجز المجتمع، او الامة المهام التي، يجب ان تنجزها في لحظة تاريخية محددة، تصاب بما يمكن ان نطلق عليه اسم الفوات التاريخي، ان هذا الذي لم تستطع ان تنجزه يظل مهمة راهنة، بصورة او بأخرى، مهما تقادم على تلك المهمة من ازمنة، ومن ثم تستشعر الامة بمفكريها، وعلمائها، منظريها وفلاسفتها وساستها بأن ثمة شيئاً مفتقداً وان هذا الشيء هو من الاهمية بحيث انه لابد من العودة الى تحقيقه، وهكذا فان العرب ابتداء من عصر النهضة الاول لهم في منتصف القرن الماضي، او اوائل القرن التاسع عشر، عندما اصطدموا بالحضارة الغربية، اكتشفوا ان البون شاسع، بين الحضارة الاوروبية الجديدة، وبين الثقافة العربية، واكتشفوا ان هناك مجموعة من المهام التي، لابد من تحقيقها، والتي من الممكن ايجازها بكلمة واحدة هي الحداثة، وقد دلت الحداثة على معان متعددة، ولم تدل على معنى واحد في اذهان المفكرين والمصلحين، ومع ذلك وبعد قرابة اكثر من مئة وخمسين عاماً، اكتشفنا بأننا لم ننجز بعد مهمة التحديث كما تصورها المنورون الاوائل، او رجال الاصلاح، واننا حققنا انواعاً من التحديث الخارجي، ولكننا لم نستطع ان نصل الى الحداثة الحقيقية، ومن ثم فان الواقع العربي اليوم على المستويين الثقافي والفكري يحوي صراعاً بين التحديث والحداثة فنحن على مستوى التحديث استطعنا ان نستعير من المنجزات الاوروبية ـ ويخيل للمراقب غير الدقيق بأننا دخلنا نوعاً من الحداثة. في حين ان الناقد المدقق من داخل الثقافة العربية، سيكتشف اننا حققنا قشوراً من التحديث، واننا لم نستطع ابداً ان نصل الى الحداثة. وهكذا فلا تزال المهمة الاساسية الملقاة ابتداء من منتصف القرن التاسع عشر وحتى الان هي مهمة الحداثة، وما لم نستطع انجاز هذه المهمة، فسيبدو لنا اننا نعود الى منتصف القرن التاسع عشر، لنجدد طرح اسئلته، ونحييها. في الحقيقة هذا السؤال الوحيد الاساسي والمركزي، الذي ترتد اليه كل الاسئلة، وتختزل فيه 150 عاماً الى هذه اللحظة، مع ذلك فليست المسألة هي مسألة عودة الى عصر التنوير او عصر النهضة، وانما المسألة بالاحرى هي، مسألة راهنة لم تفقد قيمتها، والسؤال منذ ذلك الوقت مطروح، ومتجدد. وقد اخفق العرب في تحقيق الحداثة، سياسياً، اقتصادياً، وثقافياً، ومازالوا يعيشون في عصر قبل العصر الذي يتطلعون اليه. اذن ليست هناك عودة، وانما هناك رغبة في انجاز المهمة الاساسية التي لم يتم انجازها الا وهي الحداثة. قراءات عديدة ـ قدم المفكرون والدارسون العرب قراءات مختلفة لفشل مشروع الحداثة العربية فمنهم من عزاها الى اسباب ايديولوجية، اسباب طبقية واجتماعية، ومنهم من حاول قراءتها من خلال الحديث عن بنية العقل العربي.. الخ. انت من موقعك داخل منظومة هذا الفكر كيف تنظر الى هذه المسألة؟ ـ عندما توقفت الثقافة الاسلامية عن التطور في القرن السابع الهجري، اقترن هذا التوقف بصعود ظاهرتين اساسيتين، الاولى ان الفكر النظري قد انهار وحل محله نوع من الفكر العملي، الذي يتمثل في استعادة الحضارة الاسلامية عن طريق تلخيص النصوص الاساسية، وتقديم شروح عديدة لها، وحواشي على هذه النصوص، وهذه الشروح، فاصبح العقل العربي يعيد انتاج نفسه. هكذا توقف العقل العربي عن الابداع منذ اكثر من 1000 عام. هذا من ناحية ومن ناحية اخرى اقترن هذا العجز عن الانتاج النظري بصعود الانكشارية التي تخلفت عن الدولة العباسية، وجملة الهزائم التي حاقت بالدولة العباسية، وادت الى تفككها، وانتهى الامر بورثة المماليك والعثمانيين لهذه الاوضاع العربية المتردية. قلت عنصران الاول العجز عن انتاج فكر نظري جديد، والثاني اقتران هذا العجز بولادة الانكشارية، واستمرار هذه الانكشارية موجود حتى يومنا هذا حيث اصبحت الثقافة العربية، تعاني من مشكلتين، مشكلة انك لا تستطيع ان تقدم جديداً، لأن الاطار النظري الذي صيغ خلال الف عام اوجد نوعاً من المحرمات والتابوات التي جعلت كل مفكر يحاول ان يتخطى هذه التابوات، وهذه المحرمات التي تمثلت في العجز عن الانتاج النظري، وتأييد صيغ مؤلهة، مبالغ فيها صور كل من يخترقها بأنه كافر وملحد.. اقترن هذا بسيادة الانكشارية على الحياة العربية باشكالها المختلفة وخذ محمد علي صاحب اكبر مشروع عربي تحديثي، هو، ذاته واحد من ورثة الانكشارية. هذا الاقتران لعله ان يكون من بين اهم الاسباب التي حالت دون تحقيق الحداثة او جعلتنا نفشل في انجاز المشروع الحداثي الذي ينتج صورة ومضموناً جديدين للمجتمع، ولا يكتفي بأن يزين الصورة القاتمة للمجتمع بألوان من التحديث الخارجي. ربما هذه لا تكون الاسباب الوحيدة، لكن هي من بين اهم الاسباب. ـ يتخذ الفكر العربي في الغالب من التراث ومن الماضي مرجعاً واساساً وغطاء شرعياً حتى لأكثر طروحاته حداثة. لماذا استمرار سلطة الماضي في لحظته الخاصة على الحاضر؟ وهل لا يمكن ان ننتج فكرنا بمعزل عن مرجعية التراث والماضي؟ ـ هذا عرض من اعراض ازمة الفشل في تحقيق الحداثة، فالمجتمعات التي لا تستطيع ان تنتج حداثتها ستتخبط يمنة ويسرى في اتجاه التراث، وفي اتجاه المعاصرة وهي في الحقيقة لا هي مجتمعات تراثية قديمة، ولا هي مجتمعات عصرية ومعاصرة، ومن ثم ينوس المفكرون في هذه المجتمعات بين بعدين، فبعضهم يتخذ موقفاً صريحاً في عدائه للعصر، ويقرر ان الحقيقة كلها الماضي، ومن ثم يعود الى البحث عن القيم الاساسية في التفكير السلفي، وفي الاصول، وهذا معاد للعصر عداء صريحاً لا شك فيه. ثمة نوع اخر يعبر عن فشل المجتمع في التحديث والحداثة، هو الذي يحاول ان يبحث عن صور الفكر الغربي المعاصر في التراث الاسلامي ليبين ان التراث الاسلامي لايزال عصرياً، وانه على الرغم من مضي مئات السنين على هذا التراث، فانه كان سباقاً الى اكتشاف بعض القيم التي تبشر بها الحداثة الغربية، وهذا عرض من اعراض الازمة، يكشف عن ان المجتمع لم يستطع ان يحقق الحداثة التي لابد من ان يحققها، فيوهم بأن التراث حداثي، وبأن العودة اليه حداثية. أعراض أخرى لهذه الأزمة هي الهروب من التراث هروباً كاملاً، واقامة نوع من القطيعة اللامحدودة مع هذا التراث، ومحاولة التماهي مع ثقافة اخرى، وحضارة اخرى. هذا ايضاً لا يحل المشكلة لأنه يعبر عن ازمة اكثر مما يعبر عن حل. فاذا كان التياران الأوليان يحاولان اكتشاف صور الحداثة في الماضي فان هذا التيار الاخير يحاول القول ان الحداثة غير ممكنة، وان هناك صورة حداثية هي، الصورة الغربية، ومن اراد ان يكون حداثياً فعليه ان يتطابق مع هذه الصورة الغربية القائمة اليوم. في رأيي ان صعوبة المسألة تكمن هنا، فالحداثة لا تمنع ان هناك عناصر مشتركة للبشر، لكن لا يمنع ان هناك طرقا خاصة بكل مجتمع لكي يبلغ حداثته وهذا لا يعني انني اقول ان افكاراً مثل الديمقراطية، ومثل حقوق الانسان هي افكار غربية. بالعكس هي افكار انسانية جديرة بالاعتبار، ولابد لمجتمعاتنا من ان تأخذ بها، والا ان صيغة منظومة حداثية جديدة لابد ان تكون اصيلة لابد من ان تكون معبرة، او ذات الوان خاصة بنا وانا عندما اقول ألوانا خاصة بنا، لا اعني انها يجب ان تكون منطلقة من التراث، او غير التراث، انما اعني بذلك انه يجب ان تكون العناصر الاساسية فيها من ابتكارنا، بمعنى ان نضيف الى الحداثة الغربية شيئاً، ولا نكتفي بأن نكون عالة عليها، فثمة فرق بين ان نقلد الحداثة الغربية، ونكون سلفيين معاصرين، وبين ان نقلد الحداثة الاسلامية القديمة، فنكون اصوليين او سلفيين، ثمة فرق بين هذين الامرين وبين ان نفكر في الاستقلال الحضاري، بمعنى ان نضيف جديداً الى تاريخ الانسانية ومالم نصغ حداثة جديدة نضيف من خلالها الى المفاهيم الغربية عن الحداثة فسنظل في حالة الاخفاق، والعجز التي تحدثت عنها. يجب ان نفهم ان المطلوب شيء يتجاوز مجرد حل المشكلات اليومية، اذا كنا نريد ان نكون موجودين، ولنا اهمية واعتراف في هذا العالم الذي نحيا فيه، هذا يقتضي ولا نقتبس من الحاضر. يجب الاستعانة بكل ذلك، ان ننتج فكراً جديداً. الثنائيات الفكرية ـ هناك قضية اخرى تسم الفكر العربي، وهي قضية الثنائيات وهي قضية قديمة حديثة في التفكير الفلسفي الاسلامي، وفي الفكر المعاصر ايضاً كما في الحداثة والمعاصرة، او التراث والحداثة فما هي اسباب استمرار هذه الظاهرة برأيك؟ ـ الثنائية في الفكر العربي مصدرها الاساسي آت من الصدام بين التراث الاسلامي الذي كان يوصف في السابق بالاصيل، والثقافات الاخرى التي كانت توصف بالدخيل، فقد نظر مثلاً الى الطب والفلسفة والى العلوم بصفة عامة على انها دخيلة، في حين ان التراث الاسلامي، وعلوم اللغة، وعلوم الفقه هي العلوم الاصيلة. ثنائية الاصيل والدخيل ربما كانت هي من اهم المصادر التي اوجدت هذه الثنائية في فكرنا، فقد بدا التراث دوماً على انه الاصيل، والوافد والغريب على انه الدخيل تعمقت هذه الثنائية في العصور الحديثة بين الشرق والغرب.. بين الاسلام وغير الاسلام واستمرت الى يومنا هذا. اذن هذه الاشكالية في الحقيقة هي تعبير عن عجز الامة عن حل المتناقضات الاساسية التي تسيطر على حياتنا.. ولو اننا استطعنا في عصرنا الراهن ان نجد حلولاً لمشكلاتنا، وفي طليعتها المشكلات الثقافية، وهذا لا يكون الا بابداع افكار جديدة وبانتاج افكار جديدة. اما بروز الثنائيات هذه، فهذا الدليل على اننا مازلنا نحيا في هذه الثنائيات. في اليوم الذي يتم فيه تخطي هذه الثنائيات بنجاح، فيكون هذا احد المؤشرات على اننا دخلنا عصراً جديداً. هذه الثنائيات لا توجد توصية محددة للخلاص منها، وانما قهرها يتم في العمل الناتج والكفؤ الذي، يسمح بانتاج ثقافة جديدة، تتخطى الثقافة الراهنة وتتخطى الازدواجية، والثنائيات التي انطوت عليها الثقافة التقليدية عندما يتم ابداع ثقافة جديدة، وانتاج ثقافة جديدة، نكون قد وضعنا حداً او نهاية لهذه الثنائيات. ـ ضمن هذا السياق، تحتل قضية الهوية في فكرنا العربي موقع الصدارة من حيث الاهتمام، والتداول والاختلاف بين من يقول بثبات عناصرها وصفاتها، وبين من يقول بتبدلها وتحولها. فأين تقف من هذين الموقفين؟ ـ الهوة اذا تم تصورها على انها مكافئة لمجموعة من العناصر الثابتة والمستقرة فهذه هوية وهمية لا وجود لها، ووجود هوية من هذا النوع هو دليل على وجود ازمة، وليس دليلاً على وجود هوية. اذا كان الكائن غير قادر على اغناء نفسه، وتخطي درجة من درجات وجوده واصبح مطابقاً لمجموعة من الخصائص والصفات، فهذا يجعل من الكائن، او من الامة شيئين، في حين ان الكائن الحي هو ذات، والذات بطبيعتها متطورة متحولة، لانها تنتج ذاتها، وتنتج عالمها، في كل حين فمن لا ينتج ذاته، ومن لا ينتج عالمه، يتصور انه ثابت، ولديه الحق في هذا التصور. فإن التصور هو اكثر شيوعاً في الثقافة العربية هو انها تدل على مجموعة من الخصائص الثابتة. وهذا دليل على اننا في ازمة، وعلى اننا لا ننتج ولا نتحرك، لأن من يتحرك، ومن يفعل يغير، ومن يغير لا يغير العالم فقط انما يغير ذاته، ومن يغير ذاته لابد انه سيقتنع بأنه لا يمتلك شيئاً، اذا الهوية هي فاعلية الذات في انتاج ذاتها، وليست الهوية تلك الكائنات الفارغة التي تشير الى حقبة تاريخية. ومن هنا يتم الحديث عن ذات عربية، وعن ذات اوروبية. ينبغي الا يعني هذا بأننا نحيل الى مجموعة من الهياكل المحنطة، او مجموعة من الكائنات الجامدة، بل يجب علينا ان نحيل الهوية الى فكرة الفاعل التي هي فكرة الابتكار وفكرة الخلق. ولما لم نكن نحن العرب اليوم مبتكرين وخلاقين ومنتجين للجديد نتطابق مع النطاق الضيق الذي نحيا فيه، ولما كانت الانكشارية هي المهيمنة على حياتنا، وتفرض سقفاً لتطورنا ولابداعنا، راق لهم ان يخيلوا ان لنا هوية . من خلال هذه الهوية الثابتة والمستقرة تظل الانكشارية مهيمنة على الفكر والواقع في آن معاً. اذن تصور الهوية الثابتة هو مفهوم اقرب الى الانكشارية منه الى الفاعلية الثقافية الاجتماعية. غياب فاعلية الفكر ـ ثمة فجوة بين المثقف وبين السلطة السياسية العربية التي تقود عملية التحديث من منظورها الخاص، وتحاول ان تجعل المثقف جزءاً من أدواتها، في حين ان الفكر العربي في بحثه وابداعه وخلقه يظل بعيداً عن المساهمة في تغيير الواقع، فكيف يمكن تجسيد هذه العلاقة، وصولاً الى دور جدي ومؤثر في حركة الواقع؟ ـ القوى المهيمنة على الحياة في غالبية اقطار الوطن العربي هي قوى انكشارية هذا يعني انها بطبيعتها قوى غير ديمقراطية، وهذا يعني انه مطلوب من المجتمع ان يظل عند حد معين من التطور، لا يتجاوزه، واذا تجاوزه فينبغي ان يكون مهيمناً عليه، ومسيطراً عليه، ومع ذلك مادامت هذه القوى هي المتحكمة بمصائر المجتمع، وبتطلعاته، وبأحلامه فهذا يعني ان الثنائية ستظل قائمة بين الحاكم والمحكوم.. القوي والضعيف، وهذا يعني من ناحية اخرى ان الصدام سيظل قائماً بين المثقفين الحقيقيين، وبين السلطات.. ما الحل؟ الوقع ان هناك حلين لا ثالث لهما، اما ان يلغوا المثقف والثقافة ويتحول الى عسكري في جيش الانكشارية، وهذا فيما يبدو مرفوض من قبل المثقفين الحقيقيين انفسهم، والحل الثاني يمكن في ان تعدل القوى الانكشارية ذاتها فتسمح بقدر من الديمقراطية في الحياة بالمعنى العام، وليس الديمقراطية السياسية (ديمقراطية سياسية، ديمقراطية اقتصادية، ديمقراطية اخلاقية.. الخ) يعني شيوع قدر من الديمقراطية العام والواسع في المجتمع، وفتح النقاش حول اكثر القضايا الحاحاً، واهمية وخطورة في المجتمع قد يساعد على ايجاد الحلول لهذه المشكلات، ومن ثم يجب ان نفكر بصورة جدية لاشاعة الديمقراطية في الحياة، على ان تعني الديمقراطية هذا التسامح العام الذي يستطيع المرء بموجبه ان يفكر بأي قضية بصورة علنية، دون ان يخشى العقاب. الحقيقة ان المثقف غير قادر على فرض هذا النموذج على السلطات السياسية الانكشارية العربية، ومن ثم هذه السلطات يجب ان تعيد النظر في علاقاتها مع هذا العصر، وفي علاقاتها مع شعوبها لأنها مالم تفعل ذلك فالعواقب خطيرة على الجميع. الاتجاه الصحيح ـ مع اشتداد الأزمات التي باتت تعيشها الحركات السياسية في الوطن العربي، ظهر ميل نحو القبول بالعددية، يعكس تخلي هذه القوى عن امتلاكها الكامل للحقيقة، لكن هذا الميل يقابله على الطرف الاخر نزوع نحو التعصب والانغلاق لدى القوى الاصولية. كيف تفسر هذا التناقض؟ ـ لو كان هذا الميل نحو التعددية عميقاً وجدياً، لكنا نسير في الاتجاه الصحيح، ولكني مازلت اؤمن بأن قلة من المثقفين، وقلة من المثقفين اي ليس كل المثقفين هم الذين يؤمنون بصورة جدية بالتعددية، وان كل التيارات لاتزال تتحدث عن التعددية باعتبارها وسيلة لاقتناص السلطة، وعندما تصل الى السلطة فانها لن تكون مؤمنة بالتعددية، والادلة على ذلك كثيرة. وهناك كثير من المجموعات السياسية والثقافية قبل ان تصل الى السلطة هي قمعية واستبدادية فكيف بها اذا وصلت الى السلطة. لذلك برأيي ان مطلب الديمقراطية هو مطلب لا يمس السلطات العربية وحدها. الشعوب العربية هي ايضاً مطالبة بأن ترتقي بذاتها الى مستوى ارقى من الديمقراطية، ولذلك انا اعتقد اننا لم نصل بعد الى الايمان العميق بالتعددية، على ان هذا لا يعني اننا يجب الا نسير في اتجاه التعددية، فالديمقراطية تصحح نفسها، ولا تصحح على الورق. ثمة من يقول اننا لسنا مؤهلين للديمقراطية، فهو يبطن في كلامه سلطة قمعية معادية للديمقراطية بغية تأييد الاوضاع القائمة، ويستدلون على ذلك بالجزائر وافغانستان. حسناً في الجزائر اخطاء، ولكن ليس من الضرورة ان تتكرر في كل مكان. من الممكن ان نبلغ مجتمعاً ديمقراطياً بغير هذه الخسائر الدموية، ومن الممكن ان نبني ديمقراطية، واي تجربة سيكون فيها اخطاء، الديمقراطية كالسباحة لا يتعلم احد السباحة على شاطئ البحر. بل لابد ان ينزل الى الماء، كذلك الديمقراطية لا تتعلمها الشعوب، وانما تمارسها وبعد ذلك تصبح ديمقراطية. ـ تبدو صورة الواقع العربي، وكأنا وصلنا الى افق مغلق، وهذا يعيدنا الى السؤال الاول حول اعادة طرح الاسئلة الاولى لعصر النهضة، ولكن القوى الاصولية تحاول ان تملأ الفراغ القائم مغتالة اي شكل من اشكال الحرية والديمقراطية والحداثة، فما هو المطلوب لمواجهة هذه الحالة؟ ـ الان اصبح للعالم العربي فرصة نادرة للشعوب العربية، ولا اقول للأنظمة العربية من اجل النهوض بحياتها، وتطويرها. انه درس الانتفاضة الفلسطينية، الانتفاضة تواجه بمفردها القوة العسكرية الرابعة او الخامسة في العالم. اسرائيل هي واحدة من اقوى الجيوش في العالم، ومع ذلك يواجهها شعب اعزل بالحجارة، وبأسلحة نارية هي اقرب الى الاسلحة الرمزية منها الى الاسلحة. برأيي لو ان الشعوب المقهورة استلهمت درس الانتفاضة، تجربة الانتفاضة، تجاه الحكومات المستبدة، وعممت نموذج المقاومة، ونموذج الانتفاضة الشعبية، لحققنا امرين اولهما اننا دعمنا الانتفاضة الفلسطينية التي هي متروكة وحيدة عربياً ودولياً ان كل ما يقدمه بعض الزعماء العرب للانتفاضة هو كلام جميل او خطابات رنانة من غير ان يكونوا قادرين على ان يفعلوا شيئاً لانفسهم، اولها، وستحل الشكلة الفلسطينية حلاً مطابقاً لمقاييس العدالة، وعلى الاقل مطابقاً لمقاييس الشرعية الدولية. والامر الثاني هو انها ستخرج من حالة الركود والجمود التي هي موجودة فيها منذ 50 عاماً، فتجدد حياتها، وتنتج اساليب في الحكم والسلطة مختلفة عن طرق حكم الجيش والانكشارية لهذه الشعوب. إذن في رأيي ربما كان المخرج الممكن هو طريق الفعل قبل التأمل والنظر، اي ربما كان الحل ممكناً عن طريق استلهام ودعم نموذج المقاومة الذي ابدعته الانتفاضة وابتكرته. ان الشعوب العربية هي التي اجبرت الزعماء العرب على الاجتماع، ولكنها لم تستطع ان تجبرهم على ان يفعلوا شيئاً في الواقع، والشعوب هي التي اجبرتهم على الاجتماع في القاهرة وفي عمان، ولكنها ايضاً لم تستطع ان تجبرهم على ان يفعلوا شيئاً ذا قيمة للانتفاضة. لذلك اذا كانت الشعوب العربية تريد ان تجد حياتها، وتخرج من هذا الواقع الاسن، فلابد لها من استلهام ودعم نموذج الانتفاضة. عندئذ ربما كان الفعل، والفعل وحده هو الذي سيضع حداً لهذه الازمات التي نحياها. درس الانتفاضة ـ تتحدث عن درس الانتفاضة في الوقت الذي نلاحظ ان تبايناً واضحاً بين السلطات الرسمية،والقيادة الشعبية الميدانية في المواقف، والخيارات واسلوب العمل وصولاً الى تحقيق اهدافها فكيف يمكن ان نفهم ذلك ومن ثم نرى فيه درساً ممكناً على الصعيد الشعبي العربي بقواه وحالاته المختلفة؟ ـ اولاً اريد ان استكمل فأقول، الانتفاضة سواء عبرنا اليها من زاوية القيادة الشعبية، او من زاوية القيادة الرسمية، الانتفاضة ستباد مالم يسارع العرب الى نجدتها، والوقوف معها. الفلسطينيون ليسوا ملائكة، ولن يستطيعوا ان يقاتلوا الى الابد، ويتحملون الدمار والخراب، وتجريف البيوت والمزارع، والحصار والفقر الشديد. من هذه الناحية يجب الا يظن العرب ان الفلسطينيين، يستطيعون الصمود الى ما لا نهاية، لذلك عليهم ان يفعلوا شيئاً، ليس من اجل الانتفاضة فقط وانما من اجل انفسهم، فإن الانتفاضة ستتوقف وستفشل. سقوط الانتفاضة معناه ان اخر الخيارات الجدية العربية قد هزم، وان على النظام الرسمي العربي ان يستسلم للمطالب الشارونية بكل تفاصيلها اذن على الشعوب العربية ان تحسم هذا الامر، فالنظام الرسمي العربي معروفة خياراته للجميع. ان كل عمل سياسي سواء كان يلجأ الى استخدام عناصر القوة، او لا يلجأ له اهداف محددة، وليس العمل السياسي هدفاً لذاته، اي ان الفعل السايسي ليس هدفاً لذاته وانما يستهدف تحقيق نماذج معينة في الواقع، وتغيير الوقائع السياسية بحيث نستطيع ان نصل الى نتائج يبتغيها الفعل، او ينطوي عليها. اذن الانتفاضة ليست هدفاً بحد ذاته وانما هي وسيلة، والوسيلة بطبيعتها مهما كانت قوية هي متناهية، سيأتي يوم لا نستطيع ان نستمر في هذه الانتفاضة سواء لسبب، او لآخر خاصة اذا كانت الانتفاضة في وضعها الفلسطيني ليس لها صديق دولي، او عمق عربي. في هذه الحالة يجب على القيادة السياسية ان تقدر بعناية ودقة اللحظة التي يجب ان يبدأ استثمار النتائج السياسية لهذه الانتفاضة. بمعنى انه لابد من استثمار نتائج سياسية لهذه الانتفاضة والقيادة السياسية وحدها هي القادرة على تقدير اللحظة المناسبة لفعل ذلك مع انني شخصياً موجود خارج الارض المحتلة، ولا املك المعلومات السياسية التفصيلية ما يكفي للحكم، فانني ارى ان القيادة السياسية هي وحدها التي تستطيع ان تقرر كيفية ومدى ولحظة بدء الفعل السياسي، او تحقيق النتائج السياسية. فيما يتصل بموضوع القيادة الشعبية للانتفاضة فأنا اعتقد ان القيادة ليست في تناقض مع القيادة السياسية، وانما هناك نوع من التكامل بشكل ان الانتفاضة في جوهرها فعل شعبي، وليست فعلاً رسمياً، ولا اعتقد ان الانتفاضة هي من مفرزات السلطة الوطنية، وانما هي تقوم باستقلال تام عنها. فالانتفاضة الاولى قامت ولم يكن هناك اي سلطة وطنية لأن هذه الانتفاضة فلسطينية في حقيقتها، هي انتفاضة على كل حال على امرين او على ثلاثة اولاً على المحتل الاسرائيلي، هذا الاحتلال الهمجي الاستيطاني، وثانياً على نهج التفاوض في اوسلو الذي اضاع الوقت ولم يستطع المفاوض الفلسطيني ان ينتزع شيئاً يذكر، وثالثاً هي انتفاضة على النظام الرسمي العربي العاجز عن ان يقدم شيئاً للقضية الفلسطينية، ولنفسه. من هذه الزاوية، الانتفاضة يجب ان ينظر اليها في هذا الاطار ومن ثم الفعل الشعبي للانتفاضة، المتمثل في القيادة الشعبية اعتقد انه يمتلك من الحرية والمبادرة والمبادهة ما يسمح له بأن يكون في استقلال عن القيادة السياسية الرسمية، وهذا في صالح الانتفاضة، وفي صالح القيادة السياسية الرسمية، ويجب عدم الخلط بين الامرين لأن الخلط بينهما سيؤدي الى نتائج عواقبها وخيمة، اقلها ان يطلب من القيادة السياسية ان توقف الانتفاضة، وهو ما يطلب منها اليوم، ويجب ان تكون القيادة السياسية بعيدة تماماً عن هذا الامر، ويجب الا تفكر فيه، فهذا فعل شعبي يجب ان يكون طليقاً وحراً من كل قيد، ولكن هذا لا يمنع من ان الاستثمار لهذا الفعل في نتائج سياسية محددة هو ذاته قد يتحكم في وتيرة الانتفاضة، فاذا استطاعت القيادة السياسية ان تنتزع نتائج ملموسة ومحسوسة ومقبولة من قبل المنتفضين فعندئذ المنتفضون ليسوا هواة انتفاضة وموت وانما هم طلاب حق.