بيان الاربعاء: عام كامل مضى على الزلزال الكبير الذى تعرضت له إسرائيل على أيدى المقاومة اللبنانية الباسلة.. عام كامل مضى استطاعت فيه فصائل الفدائيين وكتائب الشهداء أن تثبت للعالم أن هناك طريقا آخر غير الجلوس مع «العدو» على طاولة المفاوضات.. وأن الانحناء لزرع القنبلة أمام مدرعات جيش الاحتلال أقصر وسيلة للتحرير من الانحناء للتحية فى القاعات الفاخرة فى أوسلو أو كامب ديفيد.. عام كامل مضى بعد أن نجحت الفصائل اللبنانية التى اختارت الكفاح المسلح طريقا للتحرير أن تفرض على الدولة العبرية تغيير استراتيجيتها الأمنية.. وبعد أن كان الشريط الجنوبى المحتل فى لبنان هو الرقم الصعب على طاولة المفاوضات كان هذا الشريط هو أول المناطق العربية المحررة من جانب واحد.. بعد أن احتلتها إسرائيل من جانب واحد أيضا.. وبعد إثني عشر شهرا كاملة من هذا الزهو العربى الذى رافق عملية تحرير الجنوب اللبنانى يبدو أن هذه الخطوة البارزة فى تاريخ الصراع العربى الإسرائيلى قد خلفت دروسا هامة بعضها إيجابى والآخر منها سقط فى دائرة السلبية.. فرغم الدرس الكبير الذى تعلمته المقاومة الفلسطينية من الفدائيين اللبنانيين بإمكانية الاعتماد على المقاومة كخيار استراتيجى بديلا عن التسوية السياسية عبر طاولات التفاوض التى انجرف إليها العرب منذ مؤتمر مدريد .1991. ورغم ارتباط الانسحاب الإسرائيلى ببشائر الانتفاضة الفلسطينية الباسلة التى انطلقت نحو مشروع تحريري جديد على صخب الحجارة.. وقذائف الهاون.. بدلا من الاستسلام لمنح «النسب المئوية من الأراضى» التى يتصور قادة الدولة العبرية أنهم يهبونها إلى الفلسطينيين دون وجه حق. رغم هذه العلامات الإيجابية لنتائج تحرير الجنوب اللبنانى.. إلا أن التحرير حمل معه أيضا حفنة من النتائج التى فجرت أجواء التوتر والاحتقان على الصعيد اللبنانى.. فقد تصاعدت المواجهات حول الوجود السورى فى لبنان وخرجت بعض الفصائل المسيحية وعلى رأسها قيادة الكنيسة المارونية لتدعو السوريين للانسحاب مشيرة إلى أن وجودهم لم يعد مرغوبا فيه بعد الانسحاب الإسرائيلى.. وترافقت هذه التطورات الداخلية مع جملة من الضغوط الخارجية التى مارستها دول غربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية لترمى فى الاتجاه نفسه بشأن القوات السورية.. ولم تقف الأمور عند هذا الحد بل امتدت إلى مظاهرات على الأراضى اللبنانية.. و انطلق موسم عودة أبرز المعارضين للوجود السورى.. وأطلت الأزمات برأسها بين القوى السياسية اللبنانية حول هذه القضية الأمر الذى أعاد الأجواء الساخنة فيما قبل الحرب الأهلية اللبنانية.. وقد جاءت تلك التطورات فى الوقت الذى بدأ فيه الشعب اللبنانى يلتفت إلى قضاياه الداخلية ويضع عينه على مشروعات التنمية الحكومية خاصة أن الانسحاب الإسرائيلى أعاد إلى سطح الخريطة السياسية الكثير من القضايا التى سكنت لسنوات فى انتظار انتزاع التحرير.. هذه التطورات وغيرها يكشف عنها نخبة من الخبراء السياسيين المصريين و المراقبين المطلعين على الشأن اللبنانى فى مجموعة من الحوارات أجرتها ( البيان ) فى القاهرة.. وإن كانت عدوى الكفاح المسلح التى انتقلت من لبنان إلى فلسطين تبدو هى أعظم الإيجابيات فى عام ما بعد التحرير إلا أن الكثير من الخبراء يضعون علامات استفهام مضاعفة على التطورات السياسية الأخرى التى أفرزها التحرير.. ويسلطون الأضواء على حالة الاستقطاب الحادة التى تجرى على الساحة اللبنانية.. ويضعون تصورات وسيناريوهات لما يحمله المستقبل.. واحدة من أهم النتائج الإيجابية لانسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان يكشف عنها الخبير السياسى الدكتور رفعت سيد أحمد مدير مركز يافا للدراسات ورئيس هيئة دعم المقاومة الإسلامية فى لبنان.. فيؤكد أن الخطوة التى أقدمت عليها الدولة العبرية بالانسحاب من الجنوب اللبنانى قبل عام كامل من اليوم كانت بمثابة تأكيد حاسم بأن هذه الدولة المغتصبة المزروعة داخل جسد الأمة الإسلامية لا تعترف إلا بلغة القوة والنضال والكفاح المسلح.. وأن أى طريق آخر غير طريق العمل المسلح لن يجدى فى مواجهة زعماء العصابات الصهيونية الذين يحكمون تل أبيب.. فقد انطلقت المقاومة الإسلامية بإيمان راسخ بهذه الحقيقة ولذلك لم تعترف يوما ما بجدوى إجراء مفاوضات مباشرة مع الاحتلال الإسرائيلى.. وقد تحالفت هذه الرؤية مع التضحيات التى قام بها الشعب اللبنانى بكامله من احتمال وصبر وجلد أمام الضربات الإسرائيلية التى استهدفت كل الأراضى اللبنانية وليس فقط الجنوب.. فقد كان الإسرائيليون يضربون بطائراتهم عمق الأراضى ويستهدفون المرافق المدنية مثل محطات الكهرباء والمياه وغيرها لإنزال العقاب بالشعب اللبنانى.. وقد كان هدف سلطات الاحتلال المغتصبة ليس فقط إنزال العقاب بحزب الله والمقاومة الإسلامية ولكن أيضا للوقيعة بين الحزب وبين القوى اللبنانية الأخرى على أمل أن تتراجع هذه القوى عن دعم المقاومة تحت شعار أن لبنان لا يحتمل المزيد من الضربات العسكرية وأن اقتصاده الضعيف لا يحتمل إعادة ترميم البنية الأساسية بعد كل قصف إسرائيلى.. غير أن هذه الوقيعة فشلت جملة وتفصيلا.. كما يقول سيد أحمد.. مشيرا إلى أن المقاومة كانت محل اجماع كافة القوى اللبنانية ولم تعبر عن حزب الله فقط.. فجنود المقاومة الإسلامية كانوا يقاتلون فى الصفوف الأمامية بينما كان الشعب اللبنانى بكامله يؤيدهم ويدعمهم.. كما كان موقف الحكومات اللبنانية المتعاقبة محل تقدير إذ لم تتراجع أو تستسلم للضغوط والتهديدات الإسرائيلية أو الأمريكية.. وقد كان هذا هو الدرس البالغ الذى لقنته المقاومة للجميع.. إذا أن الكفاح المسلح يمكن أن يوحد القوى ويستجمع الضمير الجمعى للأمة من أجل هدف واحد هو التخلص من الاحتلال وتطهير الأراضى العربية والإسلامية من الصهاينة.. ويعتقد الدكتور رفعت سيد أحمد أن نجاح تجربة المقاومة أحدث هزة كبيرة فى صفوف «دعاة التسوية السياسية والتطبيع مع الكيان الصهيونى».. فقد كان التحرير مفاجأة لمن يمضون فى طريق التسوية.. فهؤلاء، كما ـ يقول سيد أحمد ـ اعتقدوا خطأ أنه لامجال للكفاح المسلح وأن الشعوب العربية تريد أن تحصل على أى شئ مقابل السلام والبعد عن الحرب وأن الشباب العربى لم يعد على استعداد أن يقدم روحه فى سبيل الشهادة أو النصر.. ولذلك جاء التحرير ليثبت العكس ويؤكد أن الدولة العبرية أضعف كثيرا من كل تصوراتنا الوهمية عنها.. وأنه يمكن أن ننتزع أراضينا وكرامتنا وكبرياءنا دون أن ننحنى على طاولة التفاوض. ويضيف الخبير السياسى أن أول من تعلم هذا الدرس كان الشباب الفلسطينى الذى قرر أن يحسم خياره فى المقاومة والنضال غير عابئ بعدد الشهداء الذى يقدمهم كل يوم.. وقد انتقلت رياح النضال من جنوب لبنان إلى الضفة وغزة وبدا أن الفلسطينيين ليسوا على استعداد لينتظروا ما ستسفر عنه المفاوضات والمماطلات الإسرائيلية فقرروا أن يحذوا حذو التجربة اللبنانية ويشرعوا فى طريق الانتفاضة والكفاح حتى نهايته.. ويشير الخبير السياسى إلى أن الفلسطينيين حين قرروا خوض هذا الطريق كانوا يعلمون أنه ليس طريقا سهلا أو مزيناً بالورود.. وكانوا على يقين أن الثمن الغالى الذى دفعته لبنان من الشهداء والمذابح والقصف والغارات العسكرية وقصف المناطق المدنية وتحطيم البنية الأساسية سيكون من نصيبهم أيضا حين يشرعون فى طريق النضال المسلح.. ورغم معرفة الفلسطينيين بهذا الثمن الغالى قرروا أن هذا هو الطريق الوحيد الأقصر لتحقيق السلام. الكفاح المسلح وتتفق الدكتورة نيفين مسعد أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة مع الدكتور رفعت سيد أحمد فى أن الانتفاضة و بروز فكرة اللجوء للكفاح المسلح كانت واحدة من نتائج نجاح المقاومة اللبنانية فى تحرير الجنوب خاصة أن الفلسطينيين اشتاقوا لهذا المشهد الذى يطالعون فيه دبابات إسرائيل وهى تقهقر بعيدا عن قطعة أرض عربية.. ولذلك فقد سعت مجموعة من الفصائل الفلسطينية إلى التأكيد أن هذا الطريق الذى قطعه اللبنانيون أولى به الفلسطينيون أنفسهم خاصة أنهم أصحاب القضية الأهم والأعظم إذا ارتبط الصراع العربى الإسرائيلى بكامله بالقضية الفلسطينية كما أن الدفاع عن المسجد الأقصى من وجهة النظر الإسلامية يمثل قضية لا يمكن التفاوض بشأنها أو التراجع عنها أو اخضاعها للحلول الوسط.. ومن هنا كان الفارق الزمنى محدوداً بين انتصار المقاومة اللبنانية فى الجنوب.. وبين انطلاق المقاومة الفلسطينية على الأجندة نفسها.. ولم يكن غريبا أن نجد أعلام حزب الله تتصدر المظاهرات الفلسطينية فى الضفة وغزة الأمر الذى يعزز من صحة هذا الاعتقاد.. غير أن هذا الارتباط لا يعنى أن الفلسطينيين لم يكونوا مؤهلين لمثل هذه الانتفاضة، حسب رأى الخبيرة السياسية، بل كانت الأوضاع على صعيد مسيرة التسوية تحمل فى باطنها كل مسببات الانفجار بدءا من المباحثات الفاشلة بين عرفات وباراك فى كامب ديفيد تحت الرعاية المباشرة للرئيس الأمريكى بيل كلينتون .. وما ظهر فى هذه المباحثات من نية الدولة العبرية فى تقسيم القدس رغم كل القرارات الدولية التى اعتبرتها أراضى محتلة يجب خروج القوات الإسرائيلية منها وعودتها إلى الفلسطينيين.. وقد كانت تلك المفاوضات الفاشلة وما تلاها من تصريحات إسرائيلية هى بداية سلم الانتفاضة فى تصاعدها المستمر.. ثم جاءت زيارة أرييل شارون إلى الحرم القدسى لتكون بمثابة عود الثقاب الذى أشعل برميل البارود المتحفز أصلا للانفجار.. أى أن الساحة الفلسطينية كانت مؤهلة للانفجار.. وقد كان للشعب الفلسطينى تجربة طويلة فى الانتفاضة السابقة التى انطلقت عام 1987 واستمرت لفترة طويلة.. وقد جاءت التطورات الأخيرة فى المنطقة لتغازل ذكريات الانتفاضة السابقة وتؤكد للفلسطينيين أنهم كانوا الأولى بهذا التحرير.. ثم ما حملته هذه التطورات ايضا من نتائج سلبية على صعيد الحل السلمى وبالتالى لم يعد أمام الشعب الفلسطينى سوى خيار المقاومة. غير أن نيفين مسعد تعتقد أن الوضع يبدو أكثر تعقيدا فيما يتعلق بالفلسطينيين.. ففى الحالة اللبنانية كان نجاح المقاومة محتملا لأسباب عديدة أهمها أن إسرائيل لم يكن لها مطالب تاريخية أو عقائدية فى لبنان.. ومن هنا فإنها احتفظت بالشريط الجنوبى الذى أعلنته من جانب واحدة كمنطقة آمنة خاليا من المستوطنات أو من عمليات التوسع العمرانى وكانت على استعداد دائم لتنفيذ القرار 425 الصادر عن مجلس الأمن عبر التفاوض المباشر مع اللبنانيين.. ومن هنا فإن الوضع فى الجنوب اللبنانى كان أسهل كثيرا من الأوضاع فى الضفة وغزة.. فلبنان كانت ترفض التفاوض المنفرد وتصر على أن يكون الانسحاب من الجنوب متوازيا مع الانسحاب من الجولان السورية.. وكان اللبنانيون مطمئنين إلى أن الأوضاع لن تطول تحت الاحتلال خاصة أن قادة الدولة العبرية كانوا يعتبرون أن استمرار الاحتلال للجنوب اللبنانى يضاعف التكاليف على ميزانية جيش الدفاع فى الوقت الذى لا تتوقع فيه تل أبيب عدوانا كبيرا أو خطرا من الأراضى اللبنانية لاسباب متعددة.. ومن هنا فإن جهود المقاومة كانت مكملة لهذه الصورة ولم تكن الفاعل الرئيسى فيها.. أى أن الإسرائيليين كانوا يريدون الانسحاب على أى حال وجاءت المقاومة لتضاعف من سرعة اتخاذ مثل هذا القرار.. اما الفلسطينيون فيعيشون فى بيئة معقدة.. فهناك مطالب تاريخية ودينية لإسرائيل فى الأراضى الفلسطينية وخصوصا فى القدس.. كما أن التوزيع الديموغرافى يعانى من فوضى هائلة بين تجمعات الفلسطينيين وحزم المستوطنات المزروعة على الأراضى الفلسطينية وفى المدن والقرى فى الضفة وغزة.. إلى جانب المصالح الإستراتيجية والأمنية الإسرائيلية فى هذه المناطق وبالتالى فإن نجاح الكفاح المسلح فى الحالة الفلسطينية لن يكون بنفس السيناريو اللبنانى.. ولعل التطورات الأخيرة تثبت ذلك إذ أن تل أبيب كثفت ضرباتها العسكرية باستخدام الطائرات الـ «إف 16» والمروحيات بعد عملية ناتانيا.. وهى رسالة أخرى من أن المقاومة ستواجه بعنف أكثر شراسة من السيناريو اللبنانى.. ومن هنا فإن الاستمرار فى هذا الطريق يحتاح إلى إرادة صلبة ودعم عربى كبير.. فقد كان لحزب الله والمقاومة اللبنانية من يدعمهم سواء فى سوريا أو إيران بالاسلحة والأموال والمعدات أما الفلسطينيون لم يظهر لهم حتى الآن من يقدم لهم هذا الدعم.. كما لا توجد سبل آمنة لتوصيل هذه المعدات والآلات والأموال إلى داخل الأرض المحتلة. ورغم تعقيد هذا السيناريو إلا أن الخبيرة السياسية تؤكد أن كل هذا لا يمنع من أن الانتفاضة تمثل رسالة مهمة إلى الدولة العبرية من أنها لن تنجح فى تحقيق الأمن الذى تريده لشعب إسرائيل إلا بعد عودة كافة الحقوق إلى أصحابها.. وتؤكد أيضا أن التجربة اللبنانية يمكن أن تتكرر حتى لو كانت الضريبة أعظم وأفدح.. وأنه إذا كانت سبل دخول الدعم المالى والعسكرى إلى الأرض المحتلة متواضعة اليوم فإن هناك فصائل وجماعات يمكن أن تتحرك فى المستقبل وتبحث عن سبل أكثر أمنا حتى يتم تصعيد النضال العسكرى فى وجه الاحتلال وفى هذه الحالة فإن التجربة ستتغير ملامحها وتفرض نتائج مختلفة عما يجرى حاليا ولن تكون هذه النتائج بأى حال لصالح الدولة العبرية. أمن لم يتحقق أما الدكتور جهاد عودة أستاذ العلاقات الدولية بجامعة حلوان فيرى أنه بعد عام على الانسحاب الإسرائيلى فإن تسخين مشروع المقاومة لم يجر على الأراضى الفلسطينية فحسب بل أنه امتد ليمثل حالة تصعيد شاملة فى المنطقة العربية.. وامتد تأثير هذا الانسحاب أيضا على تصاعد المخاطر التى تهدد الأمن الإسرائيلى من وجهة نظر الإسرائيليون أنفسهم.. فالانسحاب من لبنان جاء غير كامل بسبب استمرار الدولة العبرية فى احتلال أراضى مزارع شبعا الأمر الذى مكن المقاومة اللبنانية من استمرار عملياتها النضالية سواء عبر اصطياد الجواسيس الإسرائيليين أو عبر عمليات القصف ضد جنود جيش الاحتلال فى منطقة المزارع ومن هنا فإن إسرائيل بعد عام من الانسحاب فشلت فى الاحتفاظ بأمن الجبهة الشمالية فمنذ الانسحاب الإسرائيلي غير الكامل من لبنان في مايو 2000 بالإرادة الإسرائيلية المنفردة قام حزب الله بخمس عمليات هجومية علي إسرائيل. ورغم الاعتياد الإسرائيلي برد الفعل العسكري إلا انه في العمليات الأربع الأولي فى عهد باراك كان الجيش الإسرائيلى يقوم برد فعل محدود وموجه في الأساس لحزب الله. أما في العملية الأخيرة لحزب الله فقامت إسرائيل ـ شارون بتوسيع نطاق رد الفعل وتكثيفه في صورة الاعتداء علي موقع رادار سوري في لبنان والهجوم علي الأجواء اللبنانية. وهكذا غيرت إسرائيل من رد فعلها لتدفع مرة أخرى من أجل الربط بين سوريا ولبنان أى أن إسرائيل بعد عام على التحرير لم تنجح فى الاحتفاظ بأمن الجبهة الشمالية.. كما فشلت فى منع تصدير المقاومة المسلحة إلى الأراضى الفلسطينية المحتلة فى نفس الوقت الذى فشلت فيه فى فصل المسارين السورى والإسرائيلى عبر عملياتها الموجهة إلى سوريا على الأراضى اللبنانية. وفيما يرى الدكتور عودة جانبا إيجابيا لصالح العرب فى هذه الخطوة فإن الدكتور عبد العليم محمد خبير الدراسات الإسرائيلية بمركز الدراسات السياسية والإستراتيجية فى الأهرام يرى أن واحدة من النتائج الخطرة التى تشكلت عقب الانسحاب الإسرائيلى جنوب لبنان هو التصعيد الحرج الذى شهدته لبنان ضد الوجود السورى على أراضيها.. فبعض القوى اللبنانية وعلى رأسها القوى المسيحية كانت تؤثر الصمت تجاه الوجود السورى فى الوقت الذى تحتل فيه القوات الإسرائيلية الجنوب اللبنانى.. وما أن خرجت جيوش الاحتلال حتى رأى المسيحيون ممثلون فى قمتهم الدينية، البطريرك صفير، أن الوقت صار مهيئا لإثارة هذه القضية.. ومن هنا فإن الجدل الحالى حول الوجود السورى فى لبنان هو أحد النتائج التى يجب الحذر منها للانسحاب الإسرائيلى من الجنوب خاصة أن هذا الانسحاب غير كامل لاستمرار وقوع مزارع شبعا تحت السيطرة الإسرائيلية.. كما أن الانسحاب من الجنوب لم تتبعه تسوية سياسية للوضع فى الجولان بما يلبى الحقوق السورية ومن ثم فإن الوضع برمته لا يدعو للارتياح الكامل.. فقد بلغت المطالبة بخروج القوات السورية من لبنان أوجها بعد عودة البطريرك الماروني «نصر الله بطرس صفير» من رحلته إلى الولايات المتحدة الأمريكية في منتصف شهر مارس 2001، واحتشد عشرات الألوف للقاء البطريرك تأييداً لمواقفه التي يؤكد من خلالها ضرورة انسحاب القوات السورية من لبنان؛ تنفيذًا لاتفاق الطائف، وتأكيداً لسيادة لبنان واستقلاله. تصعيد مسيحى وحسب تقدير عبد العليم محمد فإن خروج القوات السورية من لبنان كان مطلبا مؤجلا لحين التخلص من الاحتلال الإسرائيلى و يحظى هذا المطلب، في واقع الأمر، بتأييد كثير من الرموز السياسية والحزبية والدينية المسيحية، لكنه في المقابل لا يحظى بتأييد مماثل في الأوساط الإسلامية: السياسية والدينية والنيابية والحزبية.. وقد بلغ الاعتراض من قبل هذه التكتلات على سياسة البطريرك «صفير»، وعلى المواقف المسيحية المؤيدة له حدا دفع حزب الله نفسه إلى إعلان موقف صريح وجازم من الوجود السوري، معتبراً أنه «ضرورة قومية وحاجة داخلية» كما جاء على لسان أمينه العام السيد «حسن نصر الله» في الخطاب الذي ألقاه في ذكرى عاشوراء في 4 إبريل 2001 وذلك على الرغم من حرص هذا الحزب الشديد على عدم الدخول إلى هذه الدرجة من «التورط» في السجالات الداخلية بين اللبنانيين، أو بين الطوائف اللبنانية. كما تصاعدت في الأيام التي أعقبت موقف حزب الله، الدعوات من أوساط إسلامية وسياسية مختلفة، إلى تأييد الوجود السوري في لبنان، بالتزامن مع هجوم شديد اللهجة ضد «القوات اللبنانية»، وضد «عملاء شارون»، وضد قوى يسارية، وتنظيمات مختلفة أرادت التظاهر تأييدًا للحرية والسيادة. وقد دفعت هذه الأجواء من التصريحات والبيانات البلاد إلى حالة من الانقسام الأهلي والطائفي لم يسبق لها مثيل منذ توقف الحرب الأهلية في مطلع التسعينيات. إلاّ أن أحدًا لا يرغب في تحويل هذا «التشنج» السياسي إلى صدام جديد بين اللبنانيين. كما أن الظروف الداخلية والإقليمية لن تسمح في هذه المرحلة بحصول مثل هذا الصدام؛ ولهذا السبب بدأت تخمد حدة التصعيد السياسي، وتتراجع لغة التهديد بالتظاهر والتظاهر المضاد؛ لتنتقل معها البلاد تدريجيا إلى تنفيس هذا الاحتقان، وإلى تبريد التوتر من خلال اللقاءات المختلفة وجلسات الحوار التي يفترض أن تضم رموزًا من المعارضة إلى المسئولين الحكوميين، وشخصيات فاعلة، لتقوم بتقريب وجهات النظر بين المواقع الدينية والمواقع السياسية..غير أن هذا الهدوء لا يمثل، فى تقدير عبد العليم محمد، نهاية المطاف خاصة أن المسيحيين يعتبرون أن معركتهم ضد الوجود السورى تعد معركة مصير ومستقبل بالنسبة للمسيحيين فى لبنان. ويشير الخبير السياسى إلى أن الدعوة إلى خروج القوات السورية من لبنان بعد التحرير بدأت على قاعدة تطبيق اتفاق الطائف الذي يدعو إلى ذلك بعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان.. إلاّ أن هذه الدعوة جاءت في الوقت نفسه في إطار سياق بدأ مع مجموعة أخرى من المطالب «المسيحية»، التى تصاعدت بعد التحرير مباشرة من أبرزها.. عدم محاكمة الذين تعاملوا مع قوات الاحتلال الإسرائيلي في «جيش لبنان الجنوبي»، والذين فروا إلى داخل الكيان الإسرائيلي بعد تحرير الجنوب و إطلاق سراح المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية.. و إطلاق سراح «سمير جعجع»، قائد القوات اللبنانية المنحلة، والمعتقل بأكثر من تهمة أمنية موجهة إليه.. وعودة «المنفيين» من القيادات المسيحية المارونية من الخارج: «ميشال عون»، والرئيس السابق «أمين الجميل»، وقد عاد الجميل بالفعل إلى بيروت. وترافقت هذه المطالب مع حملات تعبوية ضد سوريا وضد الاتفاقيات الاقتصادية والسياسية والتربوية التي عقدت معها، واعتبرت أن هذه الاتفاقيات «مجحفة بحق اللبنانيين»، فقامت التظاهرات الطلابية في الأحياء المسيحية؛ استنكارًا لقبول طلاب سوريين في الجامعات اللبنانية دون امتحان دخول، كما نصت على ذلك اتفاقية تنظم هذا الأمر بين البلدين.. وما يزعج سوريا من هذه الحملة على وجودها في لبنان ـ التي باتت مادة وحيدة للخطاب السياسي والإعلامي للمرجعية المارونية والقوى التي تلتف حولها - أنها تتزامن مع ضغوط إسرائيلية وأمريكية على سوريا وعلى الحكم في لبنان من أجل نشر الجيش اللبناني على الحدود الجنوبية (اللبنانية - الفلسطينية)؛ بما يعني عمليا منع عمليات المقاومة، إن لم يكن نزع سلاحها، وتحويل الجنوب اللبناني بالتالي إلى جبهة هادئة ومستقرة يحتاج إليها الطرف الإسرائيلي، خصوصًا في ظل المواجهة التي يخوضها حاليًا مع الانتفاضة الفلسطينية، وما تسببه له من إرباك أمني وسياسي.. أما الأمر الثاني الذي يزعج سوريا ويقلقها من هذه الحملة؛ فهو حصولها في ظل تعقيد عملية التسوية، وفي ظل الصراع الذي تخوضه سوريا على أكثر من جبهة ميدانيا وسياسيا ودبلوماسيا، لبنانيا وعربيا ودوليا وفلسطينيا. كما ترى سوريا في هذه الحملة جحودًا أخلاقيا وسياسيا؛ فهي التي وقفت إلى جانب المقاومة ولبنان طيلة العقدين الماضيين في وجه الاعتداءات الإسرائيلية، وتعرضت بسبب ذلك إلى اتهامات بالإرهاب من الولايات المتحدة الأمريكية وإلى ضغوط اقتصادية قوية. كما أن هذه القوى التي تطالب بخروج القوات السورية، وتتحدث عن السيادة والاستقلال، لم تتخذ الموقف نفسه من الاحتلال الإسرائيلي في السنوات الفائتة، بل دافعت بقوة عن العملاء الذين خدموا في «جيش لبنان الجنوبي» وطالبت بالإفراج عنهم من السجون. انجاز عربي مهم السفير صلاح بسيونى، رئيس جمعية القاهرة للسلام، يرى أن التحرير فى حد ذاته كان خطوة هامة فى التاريخ العربى إلا أنه يذهب إلى اعتبار النتائج التى ترتبت عليه خلال العام الماضى حملت العديد من المؤشرات الخطرة سواء على الصعيد الداخلى فى لبنان أو على الصعيد الإقليمى.. ويرى أنه إذا كان تحرير الأرض العربية يمثل انتصارا حقيقيا إلا أن ما جرى بعد ذلك من تداعيات جعل العرب فى صورة الذين لايقدرون حسابات المستقبل.. وما يجرى فى لبنان على الصعيد الداخلى يؤكد ذلك حيث فوجئ السوريون واللبنانيون بأنهم فى وضع لم يحسبوا حسابه من قبله لأن أحدا فى العالم العربى لم يكن يتصور أن تقدم أى حكومة إسرائيلية على الانسحاب من لبنان خارج طاولة التفاوض ومن ثم فإن إسرائيل أرادت أن تضرب تلازم المسارين السورى واللبنانى وقد ساعدت الأوضاع المتوترة فى لبنان والتصعيد ضد الوجود السورى فى تحقيق هذه الأهداف.. ومن جهة أخرى فإن إسرائيل نفسها بدت أنها لم تحسب خطوة الانسحاب ولم تقدر نتائجها على المستوى الداخلى حيث بدا ذلك انتصارا للمقاومة الأمر الذى غازل أحلام ومبادئ الجماعات الفلسطينية التى بدأت فى اشعال الانتفاضة بعد زيارة شارون المشئومة إلى المسجد الأقصى. خلاصة هذا المشهد حسب تقدير السفير تحسين بشير، المتحدث السابق باسم رئيس الجمهورية فى عهد الرئيس أنور السادات، أن الانسحاب من الجنوب اللبنانى لم يؤد إلى تهدئة الأوضاع فى المنطقة بل على العكس ضاعف عملية الاشتعال السياسى.. فمن جهة ساهم فى تحريك أمواج الانتفاضة الفلسطينية ولم يكن هو سببها الأول.. ومن ناحية أخرى أدى إلى تسخين الصراع السياسى داخل لبنان ضد الوجود السورى.. ومن ناحية ثالثة ضاعف من تعقيد الموقف على المسار السورى خاصة أن ورقة الجنوب اللبنانى كانت واحدة من الأوراق الرابحة لسوريا على طاولة التفاوض وقد أدى الانسحاب الى خسارة دمشق لهذه الورقة الرابحة.