بيان الاربعاء: هل تشكل الجرعة الزائدة من الحرية التي تعيش فيها وسائل الاعلام الدولية حالياً خطراً على الاعلام العربي؟! وهل ستصبح التطورات التي تحدث في مجالات الاتصالات اقوى من عناد الدول والمجتمعات ومن تمسكها بمحظوراتها؟ كان ذلك محوراً لندوة استضافتها الاردن اخيراً وحملت اسم «مستقبل الاعلام العربي المستقل»، بمشاركة اكثر من ستين اعلامياً عربياً. «بيان الاربعاء» حضر الندوة التي افتتحها وزير الاعلام الاردني د. طالب الرفاعي نائباً عن رئيس وزراء الاردن علي ابو الراغب، والتي طالبت في هذا الصدد باتخاذ خطوات جادة لتحقيق استقلال الاعلام العربي سواء في مجال الصحف او الاذاعات او المحطات الفضائية. الندوة اشارت كذلك الى خطورة التكنولوجيا الحديثة في مجال المعلومات، التي يمكن ان توفر حرية اكثر للاعلام، كما يمكن ان تكون قيداً عليه بسبب الاحتكارات المالية التي تسيطر على الاجهزة الاعلامية. وكان مركز حماية وحرية الصحافيين الذي يرأسه نضال منصور رئيس تحرير جريدة «الحدث» الاردنية قد دعا لعقد المؤتمر الذي استمر يومين وضم العديد من الفعاليات والشخصيات المهمة من مصر والاردن وتونس ولبنان وسوريا وفلسطين وقطر والامارات. وفي اليوم الاول الذي افتتحه الرفاعي نائباً عن رئيس الوزراء الاردني تحدث كل من محمد جاسم العلي مدير عام قناة الجزيرة ومحمود المراغي الكاتب المصري المعروف ورئيس التحرير السابق لجريدة الاهالي والعربي وهشام الديوان رئيس تحرير مجلة المشاهد واسامة الشريف رئيس تحرير اربيا اون لاين. وعرض العلي تجربة قناة الجزيرة كقناة مستقلة غير حكومية، وكيف لعب الاستقلال دوراً مهماً في توسيع هامش الحرية والاستقلالية فيها مما بعث عنصر المنافسة لدى الاطراف الاخرى وبالتالي انعكس ايجابياً في اتساع دائرة الاستقلالية التحريرية والحرية المهنية. ومن الملاحظات المهمة التي ذكرها مدير قناة الجزيرة كتقييم عام لتطور التجربة ظهور المنافسة الشديدة مع القنوات الاخرى في تقديم برامج جادة وتكثيف الاهتمام بالمواد الاخبارية والحديثة والبرامج الحوارية والسياسية حتى ان نسبة حيز الاخبار اصبحت تتجاوز 35% في بعض القنوات العربية بعد ان كانت 10% فقط، وكذلك التسابق في اعداد وتقديم المواد الجادة. اما النقطة الايجابية الاهم انه اصبح من المألوف جداً ظهور المسئول العربي في اي موقع قيادي وحتى اعلى قيادات عربية ليتحدث في الوسائل الاعلامية المتاحة لكي يعبر عن موقف بلاده. اعادة نظر اما الدراسة التي قدمها الكاتب محمود المراغي فقد اشارت الى ان مفهوم الحرية قد اتسع ليشمل حرية الرأي، حرية تدفق المعلومات والحصول عليها ونشرها، وحرية الاصدار وامتلاك الصحيفة. كما اشار الى تأثير الاستقلال عن الحكومات او التبعية لها او للنفوذ الرأسمالي على حرية الصحافة وذكر ان تبعية الصحف والاعلام بشكل عام تتحقق من خلال الاطار القانوني الذي يتيح المصادرة او المنع او الرقابة على الصحف او يضع مواد قانونية لتضييق النطاق على الرأي وفرض حماية على النظم السياسية. كذلك فإن التبعية تحدث من خلال ملكية رأس المال والذي قد يكون حكومياً وهو ما يحمل تأثيراً اشد، او يكون اهلياً وله مصالحه الخاصة، وكذلك فإن هناك ما يجري خارج القانون من اعمال اغتيال واعتقال ومنح ومنع بما يؤثر على حرية الصحافة والصحافيين. وبينما اقترح المراغي اعادة النظر في قوانين الصحافة العربية وطرح صيغ بديلة للملكية وبما لا يتعارض مع حرية الصحافة قدم هشام الديوان رئيس تحرير مجلة «المشاهد السياسي» عدة اسباب ونماذج تشير الى تبعية الاعلام العربي في معظمه للحكومات والاحتكارات المالية وقال ان الصحف والاذاعات المهاجرة ليست افضل حالاً من الصحف والاذاعات التي تصدر داخل الوطن العربي وان سلاح الاعلان يجري استخدامه للضغط على الصحف والاذاعات وتشكيل سياستها، وهو ما ايدته دراسة اخرى قدمها حافظ البرغوثي رئيس تحرير جريدة الحياة الجديدة التي تصدر في رام الله والذي ضرب مثالاً بالاستقلال الصحفي بجريدة «الوطن» الكويتية التي عمل بها خلال الثمانينيات ولم يتدخل اصحابها في اعطاء تعليمات لهيئة التحرير بينما مارس اصحاب صحف اخرى الهيمنة والتوجيه رغم ان بعضهم لا يجيد الكتابة وينتدب من يكتب له. الحرية أولاً اما ناديا السقاف رئيسة تحرير صحيفة «يمن تايمز» فقد دافعت بالدرجة الاولى عن الاعلاميين ملخصة ذلك منذ بداية الدراسة التي تقدمت بها في سطر واحد وهو «من اجل عالم حر.. لابد من اعلام حر.. ومن اجل اعلام حر.. لابد من اعلامي حر» فالصحفي يعد اهم عامل من عوامل الحياة الحرة، والمحرر هو العنصر الاول في نجاح الصحيفة، اما الاعلام الحر فهو الذي يتعدى الحدود الجغرافية. اذا نظرنا للانتخابات الامريكية نجد ان 80% من هذه العملية قيل عنها انها مسألة اتصال او تواصل مع الجمهور، وهذا دور الصحفي الذي يستطيع ان كان حراً ان يقلب موازين السياسة، بل ان الصحفي البارع يستطيع ان يوجه المجتمع الى تفكير معين ازاء قضايا اجتماعية. اما الشرط الاساسي لنجاح صحافة الرأي فهو الموضوعية والحرية وحرية الصحافة مرتبطة باتساع هامش الديمقراطية والتعددية. والمعنيون بقضية حرية الصحافة في الدول العربية يجدون انفسهم محاصرين بين نارين: الضغوط التجارية التي يمارسها الاعلام الخاص، والضغوط السياسية التي يمارسها الاعلام الحكومي، واخيراً فان معظم الدول النامية قد ورثت عند استقلالها نظاماً اعلامياً تخضع فيه وسائل الاتصالات لسيطرة الحكومة وفي الوقت نفسه كان لدى هذه الحكومات المستقلة حديثاً امل كبير في وسائل الاتصال في معاونتها على توحيد الامة لأن توفير الاستقلالية للصحفي ينعكس على المؤسسة بشكل عام والعكس، والان اصبحت حرية الصحافة واحدة من معايير التنمية البشرية اي انها مقياس للتقدم الانساني. وفي هذا الاطار ايضاً تقدمت ديانا مقلد من تلفزيون المستقبل بدراستها رابطة «حرية الصحفيين وحرية الاعلام» وطرحت العديد من الاسئلة المهمة في ظل التقاليد الاعلامية السائدة في مجتمعاتنا. فهل يمكن ان نعول في الصحافة والاعلام بشكل عام على ادوار فردية؟ وبالتالي هل يمكن ان نتؤسس محاولات من هنا او تجارب من هناك نسقاً عاماً في العمل الاعلامي؟ وترى ان هناك محاولات ناجحة كثيرة، ولكن قد يميل البعض الى اختيار مواضيع من دون اعتماد منهجية بل يتم في الاغلب نتيجة ميل شخص له صلة بالبيئة او المحيط وكذلك فإن ضيق مساحة الحرية وطغيان التقاليد وتعاقب الازمات جعل الاهتمام ينصب ويكاد ينحصر بالسياسة. ولا يمكن انكار ادوار ايجابية كثيرة لكنها خاضعة للظروف والمناسبات وللمزاج احياناً وليست حاضراً في اهتماماتنا كمجتمع وكاعلام، ومازلنا نفتقد تقاليد العمل الاعلامي الحقيقي وللنظم التي تحتضن هذه القضايا. والحديث عن مؤسسات وتقاليد صحفية وديمقراطية لايزال امراً غير حاصل لذا فمن الصعب المراهنة دائماً على دور الصحفي الفرد والتعويل عليه في ان يخترق الرقابات المتتالية ويصل الى الحقائق وربما من الصعب على مؤسسة صحفية او اعلامية وحيدة في مجتمع ودولة مغايرين ان تتولى بمفردها مهمة المشاغبة على القيود المفروضة من المجتمع والدولة. قد يكون هناك متمردون لكنهم قليلون وهم يعجزون من دون شك في تشكيل سياق يمكن الاعتماد عليه في تغيير الظروف.. فالتغيير مسألة اعقد من ارادة الافراد. هذا بالاضافة لأن التطورات الحاصلة في مجالات الاتصالات اقوى من عناد الدول والمجتمعات ومن تمسكها بمحظوراتها وهذا الامر حاصل بسرعة وهو سيمكن بلا شك الصحفي من تجاوز القيود العديدة وسيقربه اكثر من الحقائق. عادات التصفح من جانب آخر قدمت اكثر من دراسة حول نظرة وتعامل الحكومات مع استقلالية الاعلام من خلال الصحافة الالكترونية، وكان اهمها اسامة الشريف رئيس تحرير اربيا اون لاين والذي يرى ان في عالمنا العربي مستخدمي شبكة الانترنت مازالوا اقلية لعوامل سياسية واجتماعية واقتصادية، واذا كان عدد المستخدمين العرب للشبكة يقدر اليوم بنحو اربعة ملايين مستخدم فإن عدداً اقل من ذلك بكثير يرتاد المواقع الاخبارية ذات الصلة بالعالم العربي والتي يمكن ان تصنف كمواقع صحفية. ويرى الشريف ان عادات التصفح لدى المستخدم العربي لشبكة الانترنت تتركز في استخدامها لغايات اخرى متعددة كالبريد الالكتروني والدردشة وسماع الموسيقى وارتياد مواقع غير عربية لاغراض مختلفة. فالمواقع الاخبارية العربية على تلك الشبكة قليلة العدد وزوارها من نخب تلك الاقلية لا يزال محدوداً جداً وبالتالي يمكن القول ان تأثير المواقع الصحفية الالكترونية على الرأي العام العربي محدود بالضرورة، وهي اشارة تدل على اهتمام الحكومات العربية من حيث المبدأ او عدم قدرتها فعلياً على تنظيم النشر الالكتروني من خلال قوانين الاعلام اسوة بالصحافة المطبوعة او المرئية او المسموعة. ويمكن ادراج المواقع الصحفية العربية على الانترنت تحت ثلاث فئات الاولى تابعة لمؤسسات صحفية تقليدية كالصحف ووكالات الانباء، والثانية للقنوات الاخبارية للبوابات الاعلامية العربية وهي اعدت خصيصاً للانترنت ويعمل بها محررون ومراسلون مهنيون يمكن تسميتهم بحصفيي الانترنت. اما الثالثة فهي المواقع الاخبارية البحتة والتي تدار عادة بجهد فردي وتغطي كافة مجالات الاخبار من سياسة واقتصاد ورياضة وسينما وموسيقى. ولسهولة النشر من خلال هذه الشبكة لمن يرغب في بناء موقعه الخاص وبتكاليف معقولة فان عدد المواقع العربية الموجودة اليوم يعد اضعاف اضعاف عدد الصحف والمجلات ومحطات الراديو والتلفزيون العربية. وهنا برزت الاشكالية، فالانترنت يعد وسيلة نشر زهيدة الكلفة نسبياً اذا ما قورنت بكلفة الطباعة او البث المرئي والمسموع الا انها لا تعد من وسائل النشر الجماهيري في العالم العربي. وانطلاقاً من هذا كان تعامل الحكومات العربية مع الانترنت اما الحجرالكامل على استخدام الشبكة كما هو الحال في سوريا وليبيا والعراق واما فتح الابواب والنوافذ على مصراعيها. ويمكن القول ان صحافة الانترنت تتمتع باستقلالية نوعية اذا ما قورنت مثلاً باستقلالية الصحيفة او كثير من الفضائيات العربية. كما لم تحاول الحكومات، لعلمها بعبثية المحاولة، اطلاق مواقع اعلامية خاصة بها تنافس المواقع الاخبارية على الانترنت فيما عدا المواقع التي تهدف الى التعريف بالدولة وقوانينها وفرص الاستثمار فيها، ولم نسمع عن محاولات حكومية للاستثمار في مواقع اخبارية بعينها. وينتهي الشريف الى أن الاعتراف بدور وسلطة صحافة الانترنت مرهون بأمرين الاول يتعلق بالتحول النوعي من المواقع الاخبارية بحيث ترتبط هذه المواقع بأسس العمل الصحافي وادواته، والامر الثاني هو تحول صحافة الانترنت من صحافة اقلية قادرة الى وسيلة اعلام جماهيري تصل الى المستخدم بمعظم فئاته وبأقل التكاليف. قوة المعرفة اما خلدون طبازة مؤسس شبكة اربيا كوم فيرى في دراسته ان امتلاك التكنولوجيا هو امتلاك للاستقلالية واطلق على عصرنا هذا «عصر المعرفة» حيث اصبحت القوة تقاس بكم المعرفة المتاح للأشخاص والحكومات والمؤسسات وكذلك القدرة على معالجتها وتكريسها في مجال اتخاذ القرارات السياسية والاقتصادية. ومما نتج عن ذلك انتقال ميزان القوة من مراكزه التقليدية في التجمعات الحكومية والاقتصادية والعسكرية الى الفرد والمجموعات الصغيرة التي تعتمد على الابداع والبراعة في الاتصال وامتلاك الفكرة والقدرة على المبادرة السريعة والتواؤم مع الواقع الجديد وبناء انماط المعادلات الاقتصادية والاعلامية الجديدة الناجحة. وقد ساهم الانتشار الهائل للانترنت ـ التي يزيد عدد مستخدميها عن 540 مليوناً ـ عالمياً والانخفاض في اسعار التقنية وخاصة اجهزة الكمبيوتر الشخصي لتصل لأقل من 500 دولار في بعض الاحيان، وزيادتها لتتجاوز اكثر من 500 مليون جهاز مستخدم عالمياً في عولمة المعرفة والتقنية خلال السنوات القليلة الماضية بشكل لم يسبق له مثيل.ومع تلاشي الحدود الجغرافية وتوافر المعلومة عالمياً، تلاشت المزايا المحلية لوسائط الاعلام التي كانت تحميها حواجز انتشار المعلومة وكلفتها للمستخدم، والتي وجدت نفسها تتنافس مع مؤسسات عالمية تملك قدرات اقتصادية وخبرات ومصادر بشرية تفوق مثيلاتها المحلية بمرات كثيرة. وفي العالم العربي تواجه صناعة التقنيات الجديدة العديد من التحديات اهمها تخلف النظام التعليمي والمحافظة القاتلة للنظام المالي العربي الذي لا يشجع رأس المال المخاطر ولا يتيح ادوات التطور والنمو للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم، والكلفة العالية نسبياً لوسائط الاتصال واحتكار الشركات الحكومية وشبه الحكومية لذلك القطاع في دول عربية عديدة.والنتيجة ان انتشار التقنية ودورها في زيادة الخيارات الاعلامية وخيارات الاتصالات المتاحة قد زاد من قوته واضعف بكثير من القوة التي تمتعت بها وسائط الاعلام او مراكز القوى التقليدية في المجتمع. وهناك ما يسمى بالاعلام الجديد واشكاله المتعددة التي ظهرت بسبب تطور التقنية والامكانات الحديثة، وانتشر بسبب غياب ضوابط وتشريعات حكومية تتحكم فيه وصعوبة ان لم يكن استحالة تفعيل اي ضوابط وقد ساهم ذلك في انتشار الاعلام الجديد بعيداً عن قيود الحكومات. وهذا يعني ان الاستخدام المبدع للتقنية، وهو ما يقوم عليه هذا الاعلام، قد ساهم في اعطائه استقلالية وحرية واسعة وساعد في انتشاره بعيداً عن العوائق التقليدية حكومية كانت ام اقتصادية