رفضها للعنصرية والفاشستية سّمة ملازمة لها، انديرا تتنبأ بانتصار الأكثرية السوداء في جنوب افريقيا عادت إنديرا إلى الهند في مارس من عام 1936 بعد أن خسرت والدتها الغالية، وكان عليها أن تغالب مأساتها ودموعها لتواجه مسئوليات جديدة. كانت البلاد مقبلة على انتخابات مصيرية يعلق عليها حزب المؤتمر أهمية قصوى. وكانت إنديرا في ذلك الوقت قد أصبحت شخصية معروفة رغم أنها لم تكن قد بلغت التاسعة عشرة من عمرها. وكان دورها يقتضي منها حشد التأييد الشعبي لمرشحي الحزب، وهو الشيء الذي سوف تثبت فيه صلابة عودها وقوة إرادتها. وهكذا قامت إنديرا بين شهري يوليو 1936 وفبراير 1937، أي على مدى سبعة أشهر فقط، بزيارة جميع الولايات الهندية، وقطعت أكثر من خمسين ألف ميل مستخدمة القطار والسيارة والعربة التي تجرها الثيران، وعلى قدميها، وألقت كلمات في ما معدله 30 اجتماعاً جماهيرياً في اليوم الواحد. وبلغ مجموع الناس الذين حضروا تلك الاجتماعات واستمعوا إليها نحو عشرة ملايين إنسان. وكان بين من فازوا بمقاعد نيابية عمتها فيجايا لاكشمي وزوجها رانجيت. واختيرت العمة لتولي منصب وزاري في الحكومة الجديدة، فكانت بذلك أول سيدة تتولى منصباً وزارياً في عموم الإمبراطورية البريطانية. لكن ذلك النجاح لم يكن بدون ثمن قاسٍ. فقد تزاحم الناجحون وكبار مسئولي الحزب متكالبين للحصول على ثمن لنضالهم سواء في الحكومة أو الغنائم. وكان لذلك أثر سيئ على نهرو، الذي كان رئيساً للحزب، وأصابه ما حصل بالإحباط والخيبة المريرة، مما أقعده في الفراش مريضاً أسابيع طويلة، وهو الذي كان معروفاً بصحته القوية وجلده على الأهوال. ولا شك أننا سندرك حجم تلك المعاناة إذا عرفنا أن سنوات السجن الطويلة لم تنل من عزيمته ولم توهن جسده مثلما فعلت هذه الأحداث. لكن ما أثر على إنديرا في تلك المرحلة حقاً كان اكتشافها أن والدها بدأ قبل وقت قصير علاقة غرامية مع سيدة تدعى بادمايا نايدو، وهي ابنة صديق مسن لنهرو. وكانت بادمايا النقيض التام لكمالا في كل شيء: طويلة مليئة الجسم، منطلقة، بعيدة عن الالتزام والتعصب الدينيين. كانت مفعمة بالحياة بكل ما في الكلمة من معنى. والغريب في الأمر أن إنديرا لم تجد مضاضة في الأمر. كانت تدرك منذ نعومة أظفارها أن زواج والديها كان زواجاً تقليدياً أملته العادات والمجتمع، وأن طباعهما كانت متنافرة في كل شيء. ولعلها أيضاً كانت تعلم أن والدتها حظرت على نهرو الاقتراب من سريرها قبل سنوات عدة من وفاتها، وذلك اعتقاداً منها أن طهارة النفس تقتضي طهارة الجسد، وأن العلاقة الزوجية هي أيضاً أمر دنس. ولذا لم يكن غريباً أن تبقى إنديرا وبادمايا صديقتان مقربتان على الدوام. فكلاهما كانت السيدة المفضلة لدى جواهرلال نهرو. ومن الواضح اليوم، وبعد نشر رسائل نهرو لهذه السيدة في كتاب أعمال مختارة، أن علاقتها بدأت قبل وفاة كمالا بفترة وجيزة، وربما بعام أو عامين على الأكثر. لكن كل تلك المشاعر والأحاسيس كان يجب أن توضع على الرف. فنهرو الذي يظهر في رسائله رجلاً مشبوب العواطف، عاشقاً من الدرجة الأولى، لن يستطيع أن يواجه العالم بالحب الوحيد في حياته، ولن يستطيع الإساءة لذكرى كمالا. كانت هناك أولويات بالنسبة إليه، وجميعها تتعلق بالوطن وليس بينها مكان للقلب والغرائز. ولذا توجب أن تبقى تلك العلاقة خفية، وأن يتسلل العاشقان للالتقاء تحت ستار الظلام والسرية التامة. بلورة التفكير أما انديرا، فقد صار لزاماً عليها أن تهتم بالزمن الذي ضاع منها، وأن تعوض ما فاتها من دروس. وهكذا قفلت عائدة إلى كلية سومرفيل البريطانية والرهبة تملأ قلبها لأن زملاءها كانوا قد سبقوها بسنتين. لكنها سرعان ما اندمجت في الجو العام. وقد تعرضت إنديرا لتجربة بعد أشهر من وصولها تبين نوعية تفكيرها واستعدادها الذي لم يتوقف أو يهتز أبداً للوقوف في وجه العادات البالية والتقاليد التي لا تؤمن بها. فقد تمكنت المشرفة على مساكن الطالبات من مفاجأة إحداهن هي وحبيبها بالجرم المشهود في غرفة الطالبة التي نجحت بطريقة ما في تسهيل تسلل زميلها للغرفة. وعندما بحثت الإدارة الأمر (ولا ننسى أننا نتحدث عن أواخر عام 1937) قررت فصل الطالب لفصل واحد، وفصل الطالبة فصلاً نهائياً. عندئذ اجتمعت الطالبات ووقع معظمهن، بمن فيهن إنديرا، على عريضة تحتج على التفرقة بالمعاملة وتطالب بعقوبة مماثلة لزميلتهم. وكان مجرد التفكير بالتضامن مع شخص ضبط بالجرم المشهود في حادثة زنا في تلك الأيام أمراً لا يغتفر. وكانت الفترة الأولى في الكلية ملأى بالتجارب المتضاربة. وكانت حياتها الاجتماعية تكاد تكون محصورة بالسفر الأسبوعي إلى لندن والمشاركة في أنشطة سياسية للطلاب الهنود، وطبعاً الالتقاء هناك مع فيروز الذي لم يتوقف عن ترديد عواطفه للصبية الحسناء النحيلة. وكانت للأخبار السيئة أيضاً لحظاتها. ففي الأيام الأولى من العام الجديد تلقت إنديرا نبأ وفاة جدتها التي أعطتها الكثير من الحب والحكمة، وشقيقة الجدة التي أحالت البيت الكبير في الله آباد لجحيم زمناً طويلاً . أما النبأ الأسوأ فكان نبأ رسوبها في الامتحان التمهيدي الذي تعبت لأجله كثيرا والذي تجريه الكلية لدخول جامعة أكسفورد. وكان عليها إعادة الفحص في شهر مارس 1938 حيث رسبت فيه ثانية. وقد كانت تلك المرحلة شديدة الأهمية في بلورة تفكير إنديرا وتكوين شخصيتها. وكان لاجتماعاتها مع بقية الطلاب الهنود في لندن أسبوعياً دور كبير في صقل تفكيرها وأثر لن يزول أبداً. ولنقرأ ماذا كتبت لوالدها تحتج على قبوله دعوة لقضاء عطلة نهاية الأسبوع في قصر اللورد لوثيان المعروف بمناصرته لفكرة انكفاء بريطانيا عن الوقوف في وجه ألمانيا عندما بدأت نواياها التوسعية في أوروبا تلوح في الأفق: «الشيء الوحيد الذي يقلقني هو نيتك زيارة لوثيان ... إنه ليس مجرد شخص محافظ آخر.... إنه ينتمي لنفس المجموعة المعروفة باسم «أصدقاء هتلر في لندن. إنه فاشستي ولا يخجل من الإقرار بذلك. وإن إقامتك عنده لا تختلف عن إقامتك يوماً عند هتلر نفسه، أو عند موسوليني. وسيترك ذلك انطباعاً سيئاً للغاية لدى الجميع في هذه البلاد ممن يتعاطفون مع قضية الهند ومع حزب المؤتمر... ولا تنسى للحظة أن لوثيان يجسد كل ما هو معادٍ لأفكارك ولكل ما تؤمن به. ولن يكون الناس الذين تلتقيهم في قصره بأفضل منه. أخشى أنني أعارض قرارك بقوة وأنني أرجو أن تتراجع عنه». نصيحة مهمة وبطبيعة الحال، فإن جواب أبيها المشوب برائحة التوبيخ يعتبر درساً بحد ذاته: لست مجرد قائد بارز لجماعة أو لحزب. إن لدي مكاناً خاصاً في الهند ومكانة دولية إلى حد ما... كما أنني أعرف القليل عن عملي وعما يجب أو لا يجب علي عمله. وأنا على معرفة لا بأس بها بالقضايا الدولية. ولذا فإنني على يقين بأنني لن أقول لا لدعوة اللورد لوثيان. ولتعلمي بأنني لو كنت ضعيفاً إلى درجة أن أتأثر بأفكاره على ذلك الشكل، فلست جديراً بشيء... ولذلك فقد قبلت الدعوة، وسوف أشعر بالأسف إن لم ترافقيني. وقد تلقت إنديرا آنذاك نصيحة مهمة للغاية من المفكر والسياسي المعروف هارولد لاسكي بشأن مرافقتها لوالدها في حله وترحاله عندما كان في بريطانيا. قال لها لاسكي: اسمعي، لقد بدأت للتو بتطوير شخصيتك. ولو التصقت بوالدك في هذه المرحلة فسوف تصبحين مجرد زائدة صغيرة. الأفضل لك ألا تذهبي معه. انطلقي وحدك وتعرفي على كل شيء لوحدك. «لكن إنديرا كانت تنظر للأمور بمنظار مختلف، وتثق بأن شخصيتها ستتبلور بصورة أفضل وهي مع والدها، كما أنها لم تكن مستعدة للبقاء لحظة واحدة بعيدة عن هذا الشخص الذي لم يبق لها في العالم سواه. ولذا رفضت النصيحة. وقد تبين في ذلك الوقت أيضاً أنها مصابة ببداية تدرن رئوي، وهو المرض الذي تحول إلى السل وفتك بوالدتها. كما أنها كانت تشعر بحس السياسي المرهف بأن أوروبا مقبلة على حرب طويلة. ولذلك قبلت كارهة أن ترافق والدها عائدة إلى الهند للنقاهة، لأن سفرها كان يعني ابتعادها عن فيروز الذي أصبح قريباً جداً منها. لكنها لم تصبر على الفراق أكثر من خمسة أشهر، بلغت خلالها سن الرشد، ثم قفلت عائدة لكليتها، وأيضاً لتمتين معرفتها بصديق والدها كريشنا مينون، الذي سيبقى شخصاً متميزاً في حياة إنديرا على مدى 35 عاماً. وكان كريشنا الذي سيكتسب فيما بعد شهرة خلال تمثيله بلاده في الأمم المتحدة ثم يصبح أسوأ وزراء دفاع الهند صيتاً قد ذهب إلى بريطانيا وفي نيته البقاء فيها ستة أشهر، فإذا به يبقى هناك 28 عاماً. وهو واحد من الشريكين اللذين أسسا دار بنغوين الشهيرة للنشر في لندن. وكان الحل لمواجهة رسوب إنديرا المتكرر بسبب مادة اللغة اللاتينية أن تغير فرع التاريخ لتدرس الإدارة الاجتماعية والإدارة العامة. وهذه دراسة لا ينال الطالب في نهايتها درجة جامعية، بل مجرد دبلوم يؤهله للعمل في الإدارات الحكومية. إلا أن الرياح لا تجري دائماً كما تشتهي السفن. فالحرب العالمية الثانية تندلع بعد أسابيع وصحة إنديرا تتدهور بشدة حتى أنها اضطرت لملازمة المستشفى أسابيع طوالاً هبط وزنها خلالها إلى 35 كيلوغراماً. وكان الحل الوحيد إرسالها لجبال الألب السويسرية، وهو الأمر الذي استغرق إعداده وتنفيذه في ضوء الظروف الناشئة بعض الوقت. وهناك كان للهواء النقي والعناية الفائقة أثرهما الحاسم في شفاء استغرق و قتاً طويلاً. وقد أصابها المرض إضافة إلى اضطرارها للبقاء طريحة الفراش أشهراً بسوداوية واكتئاب شديدين. وزاد الأمر سوءاً تردي أحوال الوالد المادية بعد إفلاس ناشر كتبه اللندني مما أدى لخسارة المصدر الذي كان يغطي نفقات المستشفى. وعلى الرغم من إصرار نهرو على أن تبقى قيد العلاج حتى الشفاء التام، وأنه يعتبر التكاليف الباهظة غير ذات قيمة وأنها استثمار في مستقبل ابنته الحبيبة الوحيدة، فإن قلق إنديرا كان يعيق اكتمال شفائها. كما أن عجزها عن إقامة علاقات مع بقية المرضى أحكم طوق العزلة من حولها. فقد كان معظم المرضى من الموسرين مالاً الفارغين تفكيراً. وكان همهم الوحيد تبادل الإشاعات والثرثرة، وهو أمر لم يكن بمقدور إنديرا التماشي معه. كان الكتاب في تلك الفترة تسليتها الوحيدة، رغم صعوبة الحصول على الكتاب الجيد في ظروف الحرب المستعرة. وكانت رسائل نهرو إليها ورسائلها إليه هي الملجأ الذي تلوذ إليه كلما اشتدت عليها عوامل الغربة والمرض. كانت إنديرا آنذاك على مشارف عامها الثاني والعشرين، فيما كان نهرو قد بلغ الخمسين. وذات يوم، وبعد انتظار طويل، وصلتها منه رسالة زلزلت كيانها. وكانت الرسالة ملأى بانتقاد ذاتي مرير... «لقد أمضيت حياتي متحركاً بين الحشود، ولذا فإنني قد أفهم الحشود قليلاً، لكني صرت عاجزاً عن فهم الأفراد كأشخاص. لقد فشلت في أقسى اختبارات الحياة... وأصبح هذا الفشل يطاردني حيثما كان. لقد أصبحت آخر من يمكنك طلب النصح منه بعدما فقدت كل ثقتي بنفسي." وردت عليه إنديرا برسالة تقطر لوعة على حالة الأب الحبيب... "لقد انتزعت رسالتك كل شفافية وصفاء في السماء وملأتني بحزن عميق للغاية وبحنين ورغبة جارفين لأكون معك.." إلا أن محاولاتها البائسة واليائسة لمغادرة سويسرا والعودة إلى الهند لتقف إلى جانب والدها لم تثمر في وجه معارضة الأطباء الذين أبلغوها أنها ستحتاج للبقاء أشهراً أخرى، وفي وجه إصرار نهرو على أن تكون الكلمة الأولى والأخيرة للأطباء في هذا الشأن. وفي ربيع 1940 اجتاحت ألمانيا النرويج والدنمارك، ثم أتبعتها بهولندا وبلجيكا ولوكسمبورغ، وفجأة أصبح الطريق البحري إلى الهند أبعد ما يكون عن الأمان. ثم ما لبثت معركة بريطانيا أن بدأت في الصيف، فازدادت هموم إنديرا هماً جديداً، لأن فيروز كان موجوداً في لندن التي كانت قنابل الألمان تتساقط عليها يومياً. وزاد الطين بلة أن سلطات الاحتلال البريطاني عاودت عمليات الاعتقال الواسعة لمعارضي احتلالها للهند، وكان نهرو أول المعتقلين، ليدخل السجن للمرة الثامنة بعد أن حكمت عليه المحكمة بالسجن أربعة أعوام بتهمة التحريض على الإخلال بالأمن. في ضوء تلاحق الأحداث، نجحت إنديرا بعد جهد شاق في مغادرة سويسرا متجهة عبر فرنسا إلى إسبانيا ثم البرتغال، ومن هناك استقلت الطائرة إلى لندن. ولم تحاول إنديرا هذه المرة إخفاء طبيعة علاقتها مع فيروز، حيث نزلت في شقته المتواضعة المكونة من غرفة واحدة. وتعتبر الصور البديعة التي التقطها فيروز لإنديرا في تلك الفترة من أندر وأجمل صورها. فقد كانت الصور تنبض بالحياة، و تكاد تنطق بالحب الذي كانت تكنه لفيروز . وفي شهر مارس من العام التالي نجح فيروز بتدبير سفرهما عائدين إلى الهند بحراً. وكان خط سير الرحلة يقتضي الدوران حول رأس الرجاء الصالح. وخلال توقف لأيام قليلة في ميناء دوربان بجنوب أفريقيا، فوجئت إنديرا بحالة الفقر والبؤس والظلم الذي يعاني منه الملونون هناك . وعندما دعيت لحضور حفل تكريم أقيمت على شرفها، أصرت على إلقاء كلمة في الحضور... "قد لا يحدث ذلك اليوم أو بعد عشر سنوات أو عشرين سنة، لكنه سيحدث، وستحكم الأكثرية السوداء هذه البلاد." كما انتقدت بحدة خنوع المقيمين الهنود وتذللهم أمام البيض وعدم مشاركتهم في النضال ضد التمييز العنصري. وكان ذلك أول خطاب مستقل وغير مخطط له تلقيه إنديرا. وقد كشف عن مدى القوة الداخلية الكبيرة والثقة بالنفس والجرأة، وهذه كلها عناصر كانت تميز شخصية إنديرا باستمرار. عقدة الزواج قامت إنديرا فور عودتها بزيارة لغاندي بناء على طلبه، ثم زارت والدها في السجن. وتركت تلك الزيارة انطباعاً سلبياً في نفس الأب والابنة. ولعل مذكرات نهرو عن تلك الزيارة تفصح تماماً عن ذلك. كتب نهرو يقول: لم يعد بوسعي حتى اكتساب ثقة ابنتي! إنها منغلقة على نفسها كلياً، وهذه السنوات العشر الأخيرة باعدت بيننا كثيراً... إننا ننظر لبعضنا كغرباء... ماذا أفعل؟... ماذا أفعل؟ يبدو أن إنديرا أثارت فكرة زواجها من فيروز مجدداً، ولم يعجب ذلك نهرو. الأب لم يكن يرى في فيروز الزوج الكفء لابنته. وهناك أسباب عديدة وراء موقفه، ليس بينها بالتأكيد أن فيروز ليس كشميرياً ولا هندوسياً. فقد سبق لنهرو أن بارك زواج شقيقتيه لشخصين لا ينطبق عليهما هذان الشرطان. لكن الاثنين كانا يحملان درجتين جامعيتين من أوكسفورد، وكانا سياسيين لامعين ومحاميين معروفين من عائلتين عريقتين وثريتين. أما فيروز فإنه لم ينه دراسته الجامعية، وكان ينتمي لعائلة غير معروفة، وليس لديه عمل يكفي لإعالة نفسه فضلاً عن عائلته. كما أنه كان على النقيض تماماً من نهرو، يتحدث بصوت عالٍ ولا يخلو كلامه من ألفاظ نابية لا يليق التلفظ بها. كما يجب أن نتذكر أن الشائعات التي ربطت بين فيروز وكمالا لفترة طويلة لا بد وأن تكون قد تركت أثراً في نفس نهرو. والغالب أن نهرو لم يكن يصدق ما قيل، لكنه كما يعتقد كثيرون يظن أن الشاب تصرف مع كمالا بصورة غير لائقة أبداً عندما كانا لوحدهما ذات مرة. ولعل أكثر ما ألهب مشاعر الأب يقينه أن ابنته على علاقة جسدية كاملة مع فيروز حتى قبل طرح موضوع الزواج. ووصل الأمر إلى غاندي الذي استدعى إنديرا وطلب إليها تناسي فكرة الزواج بفيروز، لكنها رفضت النصيحة على الفور. ولم يكن غاندي أو بابو كما كانت تدعوه، معتاداً على رفض نصائحه. وتحدث معها مطولاً حول دقائق علاقتها بفيروز، ثم قال لها ان الانجذاب الجنسي لشخص آخر ليس مبرراً كافياً للزواج. فأجابته أن حبها لفيروز أعمق بكثير من مجرد نزوة جنسية. وعندها وافق غاندي على الفكرة شريطة أن يبحث الأمر أولاً مع فيروز نفسه. ونجح خلال اجتماعه مع هذا الأخير أن يحصل منه على وعد بألا يتزوجا من دون موافقة نهرو. كما أصر على أن العرس ينبغي أن يكون على أكبر نطاق ممكن وإلا شعر الناس أن العائلة غير موافقة على الفكرة. وأتبعت إنديرا زيارتها لغاندي بزيارتين لعمتيها آملة بالحصول على موافقتهما على الزواج. لكنها نجحت مع واحدة منهما وخابت مع الأخرى. وعند ذلك شعر نهرو أن رفضه لم يعد ذا مغزى فوافق على الزواج شريطة أن ينتظر الاثنان حتى يخرج من السجن. ولربما كان نهرو يظن أن العواطف الملتهبة ستبرد عندما توضع في ثلاجة الانتظار ثلاثة أعوام طويلة هي الفترة المتبقية من سجنه. لكن ما حدث أن السلطات البريطانية قررت فجأة ودون سابق إنذار إطلاق سراح نهرو في ديسمبر 1941.