تطفئ منظمة العفو الدولية غدا الشمعة الاربعين وبلوغها سن الحكمة، وبرهنت خلال مشوار الاربعين عاما انها استحقت عن جدارة جائزة نوبل للسلام عام 1977، اذ دافعت عن 45 الف سجين رأي وحشدت الرأي العام لضمان سلامتهم، كما لبت نداء استغاثة من 17 الف شخص وجدوا انفسهم في دائرة الحظر الحكومي، واصبح لديها مليون ناشط يرصدون حالات الانتهاك والملاحقات الاثنية لاصحاب الرأي من الصحفيين والمعارضين السياسيين. على أن الامثولة الاجدر بالحكاية هي قصة ولادة منظمة العفو الدولية، فهي حكاية تبرهن بشكل قاطع على أن الافكار تسبق الافعال، فمن رحم مقال لمحام بريطاني ولدت العفو الدولية وها هي الحكاية بتفاصيلها: كان المقال الذي نشره المحامي البريطاني اللامع بيتر بيننسون في 28 مايو 1961 في زاوية المنبر الحر في صحيفة «ذي اوبزرفر» البريطانية الاسبوعية هو الذي ادى الى ولادة منظمة العفو الدولية التي باتت في غضون اربعين عاما ابرز منظمة للدفاع عن حقوق الانسان في العالم. وقبيل ذلك، كان بيتر بيننسون (39 عاما)، النجم الصاعد في نقابة المحامين اللندنية والمتخصص في المحاكمات السياسية على الساحة الدولية، استنكر بشدة توقيف طالبين برتغاليين اوقفا وسجنا لانهما شربا نخب الحرية. وكانت البرتغال انذاك تعيش في ظل نظام الدكتاتور سالازار بينما اسبانيا تخضع لحكم فرانكو. وكانت الحرب الباردة لا تزال تفصل العالم الى معسكرين في حين تعاني افريقيا الامرين في سبيل التحرر من نير الاستعمار. وبدلا من ان يكرس نفسه وحيدا للبرتغال وحسب، اطلق بيننسون تحركا واسع النطاق يتمثل في دعوة الجمهور الى اغراق الحكومات المتهمة بسوء معاملة السجناء السياسيين والدينيين بسيل من الرسائل، بالتزامن مع اطلاق حملات توعية. وحمل مقاله المنشور في صحيفة «ذي اوبزرفر» عنوان «السجناء المنسيون»، وقد ارفقه بصور لستة معتقلين من انغولا والولايات المتحدة واليونان والمجر ورومانيا وتشيكوسلوفاكيا. وكان هؤلاء السجناء الستة معتقلين لاسباب تتعلق بأفكارهم، ووجه المحامي نداء «للعفو» عنهم. وهكذا ولدت منظمة العفو الدولية. وقامت الفنانة البريطانية الشابة ديانا ردهاوس برسم شعار المنظمة وهو عبارة عن شمعة محاطة بسلاسل. وبدأت تتدفق عروض المتعاطفين لتقديم خدماتهم. وكلف الناشطون بمهمة محددة وهي تبني ثلاثة سجناء: واحد من المعسكر الشيوعي واخر من الغرب وثالث من العالم الثالث، ذلك ان حيادية المنظمة تأتي في الدرجة الاولى. وبعد مرور عام على انشائها، اخذت منظمة العفو الدولية التي انضم اليها منذ الساعات الاولى الناشط الايرلندي شين ماك برايد، على عاتقها الاهتمام بـ 210 سجناء. وكانت المنظمة تذكر في كل مرة بقاعدة العمل المقدسة التي تجدد اندفاع المنتسبين، وهي المتمثلة في ان على السجناء «الذين تم تبنيهم» الا يكونوا استخدموا العنف وسيلة ولا دعوا الى استخدامه. وعلى مر السنين، طالت لائحة السجناء ـ والافراجات ـ وبين هؤلاء، عدد كبير من مجهولي الهوية، وانما ايضا بعض السجناء المشهورين او الذين سيذيع صيتهم فيما بعد: الروسي اندريه ساخاروف، والقومي الاوكراني دانيلو شوموك الذي افرج عنه في 1987 بعد 47 عاما قضاها في السجن، والمسرحي الدرامي التشيكوسلوفاكي الذي سيصبح لاحقا رئيسا للجمهورية فاتسلاف هافل، وهو اول رئيس جمهورية انتمى الى منظمة العفو الدولية في 1991، وعازف البيانو الارجنتيني ميجيل انخيل استريلا ضحية الدكتاتوريات في امريكا الجنوبية، والمنشقون الصينيون في ربيعي بكين في 1978 و1989، واي جينجسهانج او فانج ليزهي، والكاتبة البنغالية تسليمة نسرين، والديمقراطي البورمي أونج سان سو كيي او الكوري الجنوبي رئيس الدولة في وقت لاحق كيم داي ـ جونج. حتى ان منظمة العفو الدولية ساهمت في الدفاع عن امبراطور افريقيا الوسطى السابق جان بيديل بوكاسا الذي اتهمته بقوة مع ذلك بسبب المجازر التي ارتكبها. ولكن المنظمة تعتبر، رغم ذلك، ان من حقه الحصول على محاكمة عادلة. وفي المقابل، تم الدفاع ايضا عن اكثر السجناء الافارقة شهرة، وهو الجنوب افريقي نلسون مانديلا، ولكنه لم يكن ابدا على لائحة من تم تبنيهم لانه دعا الى العنف كعمل سياسي. وفي خلال اربعين عاما، تتباهى منظمة العفو الدولية التي كوفئت بحصولها على جائزة نوبل للسلام في 1977، بأنها حشدت طاقاتها حيال اكثر من 45 الف حالة واستجابت لحوالي 17 الف طلب عاجل للتدخل لصالح اشخاص «في خطر». لكن عقوبة الاعدام وممارسات التعذيب وحالات الاختفاء والمحاكمات الجائرة لم تختف عن وجه الارض لا يزال امام المليون ناشط في منظمة العفو الدولية ان يكتبوا الكثير من الرسائل. يضاف إلى ذلك ان منظمة العفو الدولية رغم محورية دورها في الدفاع عن الحريات تقع احيانا في مستنقع المفاهيم الاوروبية المغلوطة وتقع اسيرة الفكر الغربي وتتجاهل عن عمد خصوصية المعايير الانسانية والدينية للمجتمع العربي والاسلامي، ولا تسعى لعلاج المرض المزمن الذي يسعى لوضع حضارات العالم في قفص الحضارة الغربية. الوكالات