الملف السياسي: ما يجري الآن على الأرض الفلسطينية هو أبشع الجرائم التي عرفتها الإنسانية..مئات من طائرات العدو الصهيوني (إف 16، والاباتشي)، ودبابات ومدافع وأسلحة وذخيرة، كثير منها محرم دوليا كل هذا يصب جام غضبه وحقده فوق رؤوس الفلسطينيين العزل دون رحمة أو هوادة أو اعتبار لأي قيم أو معايير لحقوق الإنسان أو لمئات الشهداء، آلاف المصابين والمنازل التي هدمت والمزارع التي احرقت والأرزاق التي قطعت، والذي يدعو للأسى أن هذا كله يحدث والمجتمع الدولي والشرعية الدولية لا تحرك ساكنا وأخذت موقف المتفرج في انتظار أن ينتهي الثور الهائج شارون من التهام فريسته. أما الأغرب من ذلك فهو الموقف العربي الذي لم يلتزم حتى بتقديم المساعدات المالية لهم رغم عقد قمتين عربيتين واحدة في القاهرة و أخرى في عمان ورغم الكلمات والخطب الحماسية والنارية التي سمعناها وقتها، ناهيك عن موقف الصديق الأمريكي الذي بللت الدموع عينيه حزنا على ضحايا انفجار ناتانيا من الإسرائيلين، في حين لم تهتز مشاعره لقتل الطفلة الفلسطينية إيمان إبنة الأربعة شهور في غارة جوية صهيونية، أو محمد الدرة أو مئات الشهداء الذين راحوا ضحايا للمجزرة الإسرائيلية.. هذا الوضع الشاذ الغريب الذي تجري وقائعه في الأرض الفلسطينية المحتلة يفرض الكثير من التساؤلات حول استمرار الإنحياز الأمريكي السافر لإسرائيل وكيف يمكن التعامل معه؟ وانعكاسات التصعيد الإسرائيلي الآخير فلسطينيا وإقليميا، ووسائل الضغط التي مازالت في أيدي العرب لتغيير المواقف الغربية والأمريكية وإمكانية أن يجر شارون المنطقة لحرب شاملة خلال الفترة المقبلة. د. محسن عوض الخبير في الشئون الفلسطينية يرى أن التصعيد الإسرائيلي الأخير باشتراك مقاتلات إف 16 في الاعتداء على الفلسطينيين لن يؤدي إلى وضع نهاية للإنتفاضة كما تأمل القوات الصهيونية وذلك لعدة أسباب منها أن الفلسطينيين لم يعد لديهم ما يخسرونه فقد تعرضوا للقتل والتشريد وقطع الأرزاق ولأزمة اقتصادية طاحنة وبالتالي لم يعد أمامهم سوى طريق النضال، أيضا أن الجيش الإسرائيلي مجهز في الأساس لمواجهة الجيوش النظامية وليس لمواجهة أطفال يمسكون بالحجارة كسلاح وحيد لهم، فضلا عن أن الطائرات اف 16 التي دخلت على الخط في ضرب الإنتفاضة لايمكن لها أن تضيف تغييرا نوعيا في التصعيد يفوق ما يحدث منذ سبتمبر الماضي. أما بالنسبة لرد الفعل الإقليمي فالواضح من الدرجات المتتالية في التصعيد خلال الفترة الماضية أنه لن يكون هناك تصعيد في رد الفعل الإقليمي للوصول إلى حالة الصدام العسكري فقد قامت إسرائيل بضرب وحدة للرادار السوري في لبنان وهددت من قبل بضرب السد العالي ودمشق ولم يحدث تصعيد في رد الفعل الإقليمي، ومن هنا فلن يزيد الأمر عن مجرد التهديدات اللفظية فقط. ويؤكد د. عوض أن كل ما أعلن عنه من منح ومساعدات قدمتها الأطراف العربية للفلسطينيين هى أرقام هزيلة وكان من المفروض أن يكون الدعم المادي أكثر بكثير من ذلك لأن هذا من الناحية المعنوية هام جدا لدعم الإنتفاضة وحتى يدرك الإسرائيليون أن العرب يساعدون إخوانهم الفلسطينيين ولن يتقاعسوا عن ذلك، كما أن وصول الدعم العربي هو بمثابة رسالة للدول المانحة للمساعدات للاستمرار في هذا العمل وحتى لا يقولوا لماذا نقدم المساعدات للفلسطينيين في الوقت الذي يمتنع اخوانهم العرب عن القيام بذلك وهذا أمر منطقي للغاية وخاصة أن العرب من وجهة نظرهم أصحاب ثروة وليس هناك ما يمنعهم من تقديم العون المادي للفلسطينيين. وحول رأيه في موقف الأمير عبد الله ولي العهد السعودي الخاص برفض زيارة الولايات المتحدة بسبب مواقفها بالنسبة للوضـع في الأراضي الفلسطينية المحتلة يقول د. محسن عوض : موقف الأمير عبد الله جيد للغاية وهناك مواقف أخرى عديدة له مماثلة ومن المفروض هنا أن تتحول مثل هذه المواقف الإيجابية إلى سياسات متكاملة تدرك من خلالها الولايات المتحدة أن هناك مواقف تعارضها في المنطقة وتعارض سياساتها القائمة على الإنحياز السافر لإسرائيل. ويضيف أن هناك العديد من وسائل وأوراق الضغط التي مازالت في أيدي العرب من أجل العمل على تغيير سياسات الولايات المتحدة بالنسبة للقضايا العربية منها أن أمريكا لها العديد من المصالح في المنطقة التجارية والاستثمارية والخاصة بعناصر الطاقة وخاصة في ظل الأزمة التي تعاني منها الولايات المتحدة في هذا المجال، فلابد أن يكون هناك حوار عربي أمريكي حول ضرورة أن ارتباط بين السياسات والمصالح بمعنى يطلب من الأمريكان ألا يدعموا العدوان الإسرائيلي الغاشم على الفلسطينيين في مقابل أن تقبل بتحقيق المصالح الأمريكية في المنطقة، وهذا أمر ليس بغريب فكل الدول الآن تتعامل بهذا المنطق، ويجب علينا في المرحلة المقبلة أن نؤكد لهم أن السخط العربي عليهم يتزايد بسبب السياسات غير المسئولة، والتي لم تحقق أهدافها مثل فرض العقوبات على العراق وليبيا وتورطهم في محاولة تقسيم السودان وغيرها من الأمور الأخرى. ويوافق د. محسن عوض على ما يذهب إليه البعض من أن شارون يحاول جر المنطقة إلى حرب شاملة ولكنه يرى في الوقت نفسه أن إسرائيل لا يمكنها أن تتورط في حرب إقليمية بدون موافقة أمريكية أو على الأقل صمت أمريكي، فبدون ذلك لا مجال للحديث عن حدوث حرب مقبلة في المنطقة يسعى إليها شارون. ومن جانبه يرى الخبير الاستراتيجي اللواء طلعت مسلم أن شارون لا يمكنه القيام بأية عمليات عسكرية كبيرة في أي اتجاه بأن يحرك هجوما بريا بمعنى إعادة احتلال جنوب لبنان الذي خرجت منه إسرائيل ذليلة، أو التوغل في الأراضي السورية أو محاولة اختراق الحدود المصرية، لأنه يعرف جيدا أنه سيخسر كثيرا إذا هو فعل ذلك لأنه على الأقل سيجمع العرب مرة أخرى، ولكن مع ذلك من الممكن أن تقوم إسرائيل بتنفيذ ضربات جوية سريعة لتدمير أهداف معينة. ولكن هل العرب جاهزون لصد مثل هذه الاعتداءات والرد عليها يجيب اللواء طلعت مسلم : لاشك ان الوضع العربي الآن ليس جيدا في الكثير من الأمور ولكن مع ذلك لابد أن نكون جاهزين للدفاع عن أنفسنا إذا تمت مهاجمتنا سواء بالبر أو بالبحر أو بالجو وعلينا في الوقت نفسه أن نعرف جيدا أن هناك مناطق بعينها معرضة للتهديد الصهيوني أكثر من غيرها، هذه المناطق يجب علينا العمل على تدعيم الدفاع عنها من خلال تنسيق عسكري عربي ونحن لدينا أحدث الأسلحة ومجرد قوة بسيطة من دولة عربية إلى دولة عربية أخرى معرضة للتهديد فمن المؤكد أن هذا سيكون له تأثيره المعنوي الكبير والذي يفوق التأثير المادي، كما أنه يجب علينا ألا نخاف ونردد أن شارون يحاول أن يجرنا إلى حرب لأنه هذا هو ما يريده شارون فهو يريد منا أن ننكمش على أنفسنا وكل طرف عربي يقول أن التهديد بعيد عنه وهذا ليس صحيحا مطلقاً. وهنا يشير اللواء مسلم إلى ضرورة أن يجتمع مجلس الدفاع العربي المشترك والذي لم ينعقد منذ عام 1981 رغم أنه منصوص في ميثاق الجامعة العربية على عقده دوريا كل عام لمواجهة الأخطار والتهديدات التي تواجه الأمة العربية ويتساءل : هل هناك أخطار أكثر مما هو موجود الآن؟ السماء اللبنانية مخترقة يوميا من خلال الطلعات الجوية الإسرائيلية، سوريا تتعرض للتهديد وتم ضرب إحدى قواعدها في لبنان، هناك تهديدات مستمرة لمصر خاصة بضرب السد العالي.. أليست هذه أخطار تستحق أن يجتمع مجلس الدفاع المشترك من أجلها وخاصة إذا عرفنا أن مثل هذه الاجتماعات من شأنها أن تكون ورقة ضغط يمكن الاستفادة بها على صعيد التحرك الدبلوماسي. بالإضافة إلى عقد مجلس الدفاع العربي المشترك يرى اللواء مسلم أن هناك وسائل وأوراق ضغط أخرى عديدة في أيدي الجانب العربي منها تشجيع العمل الشعبي للتعبير عن التضامن مع الانتفاضة الفلسطينية وعدم الوقوف في وجهه أو تقييده فضلا عن دعم الانتفاضة ماليا وعسكريا فالشعب الفلسطيني من حقه أن يحصل على الأسلحة التي تمكنه من مواجهة الخطر العسكري الصهيوني، أن تعود القضية مرة أخرى إلى صراع عربي إسرائيلي وليس صراعاً من أجل حل قضية جنوب لبنان أو المشكلة الفلسطينية بمعنى يجب أن تواجه إسرائيل العرب مجتمعين وأن نقبل المخاطرة بما يمكن أن يكون عليه رد الفعل الإسرائيلي، بالإضافة إلى ضرورة أن تسمح مصر للهيئات المدنية والشعبية بالامتناع عن التعامل مع إسرائيل مثل أن يرفض عمال مطار القاهرة استقبال وخدمة الطائرات الإسرائيلية وكذلك الأمر بالنسبة لعمال قناة السويس مع السفن الإسرائيلية، وأخيرا عدم استقبال أي مسئول إسرائيلي في دولة عربية وربط ذلك بضرورة التوقف عن الممارسات العدوانية والهمجية التي تقوم بها إسرائيل ضد الأطراف العربية. وعن رأيه في الموقف الأمريكي المنحاز لإسرائيل والذي لا يراعي المشاعر أو المصالح القومية العربية يقول اللواء مسلم الموقف الأمريكي ليس جديدا فالاستراتيجية الأمريكية تقوم على تقديم الدعم الكامل والمستمر للعدو الصهيوني ومن هنا كانت مواقفها على الدوام تنظر أولا إلى المصلحة الإسرائيلية أما المصالح الأخرى فهذا الأمر لا يعنيها ولذلك فالمطلوب من العرب الآن وأكثر من أي وقت مضى أن يتخذوا من الإجراءات والوسائل ما يجعل أمريكا تشعر أنه يجب أن تعيد النظر في مجمل سياساتها تجاه المنطقة بأن توضح الدول العربية للولايات المتحدة أن لم يعد ممكنا حماية مصالحها في المنطقة من ضوء هذه السياسات المنحازة كما يجب أن نعمل على تفعيل المقاطعة الكاملة لكل ما هو أمريكي، فقد ثبت أن هذا السلاح قوي ومؤثر ويمكن أن يساعد في تحقيق الهدف