الملف السياسي: تسير اسرائيل في اتجاه تصعيد مستمر لاعمال العنف ضد الفلسطينيين، ويسقط الشهداء الابرياء مسلوبو الارض وابسط الحقوق الانسانية، وتطورت عمليات العدو الاسرائيلي من كسر عظام شباب الانتفاضة بالهراوات، لرميهم بالرصاص المطاطي، وتحولت للذخيرة الحية، وتشجعت قوى العدوان امام صمت الحكومات العربية، تقتل المدنيين اطفالا ونساء وشبابا وشيوخا.. تهدر الحرمات.. تدمر البيوت.. تحرق المزارع.. تضرب بالطائرات.. تطلق الصواريخ.. تقتحم الاخضر واليابس بالدبابات. وسط هذا التصعيد الخطير اجرى «الملف السياسي» حوارا مع راضي سعودي رئيس لجنة السلام الفلسطينية الهولندية، تاليا نص الحوار: ـ لماذا صعدت اسرائيل اعتداءاتها على الفلسطينيين؟ ـ تهدف اسرائيل من وراء هجماتها الشاملة على الاراضي المحتلة وضرب الفلسطينيين بالطائرات لتحقيق مكاسب داخلية، أهمها اضفاء شرعية سياسية وشعبية على ما يسمى بحكومة الوحدة الوطنية التي شكلها رئيس الوزراء «شارون» ولم شمل الجبهة الداخلية الاسرائيلية في وقت هي مهددة فيه بالتمزق، الامر الثاني له ارتباط وثيق بالخارج، وهو تحويل انظار الرأي العام العالمي في اتجاه غير واقع انتفاضة شعب ضد محتل، وذلك باعطاء انطباع ان المسألة هي حرب عسكرية بين جيشين وليست حرب جيش ضد مدنيين، وثالثا تؤكد المعلومات ان حكومة شارون مهددة بالانهيار، لأنها لم تتمكن من اخماد نيران الانتفاضة، لذلك فالورقة ما قبل الاخيرة هي التصعيد باستخدام الآلة العسكرية، وهو الامر الذي تمثل في اشراك الطائرات الحربية اف 16، ويتفرع من هذا التحرك اغراض شارونية مختلفة اهمها: ـ اضعاف الارادة السياسية للسلطة الفلسطينية واجبارها قبول التفاوض بأساليب اسرائيلية. ـ جس نبض السلطة الفلسطينية ومعرفة مدى قدرتها على استخدام السلاح، وهو الامر الذي يظهر فيما اذا كانت لديها اسلحة، تم تهريبها لداخل الاراضي المحتلة خلال السنوات الماضية، وبالتالي معرفة انواعها، ومصادرها الاصلية والوسيطة. ـ اختبار للحكومات العربية، فإن استمرت في سياسة الشجب والتنديد وطلب نجدة امريكا، وكررت اعلان آمالها المعلقة على حكومة واشنطن «كراعية للسلام» ولدي تحفظات على هذا الاعتقاد العربي الواهم، فإن ذلك يؤكد ثقة اسرائيل في نصيرتها وحليفتها امريكا، وهو ضمان يعتبر شيكا على بياض لتتصرف اسرائيل في المنطقة كما تريد، وان جاءت ردود الفعل العربية الحكومية على غير ذلك، ستكون الربحية السياسية لاسرائيل هي تأكدها من ارادة وامكانية العرب في خوض حرب من اجل الفلسطينيين، اما ان وقع العرب في الفخ وقامت دولة مثل سوريا بعملية تحريك عسكرية، ولو محدودة على الجبهة الاسرائيلية، فإن اسرائيل ستتخذ من حدث كهذا ذريعة قوية لشن حرب خاطفة لعدة ايام، على الجبهة اللبنانية والسورية، وبذلك تعيد المنطقة بكاملها الى نقطة ما قبل الصفر، وهي نظرية كسب الوقت في اطار اللعبة التي تجيدها اسرائيل، وتلعبها مع العرب من عقد اتفاقية اوسلو. ـ ما هي انعكاسات ذلك على الساحة الفلسطينية والاقليمية من وجهة نظرك؟ ـ لو بدأنا بالساحة الفلسطينية اجد من الصواب عدم وضع كل الفلسطينيين في جعبة واحدة، سعيا لتقدير المواقف بصدق قدر المستطاع، فالشعب الفلسطيني في داخل المخيمات بالاراضي المحتلة، خاصة المناطق التي تدخل في حزام التقسيم أ ـ ب ـ ج، وفقا لاتفاق اعادة اسرائيل لمساحة 42% من الاراضي، سيستمر هؤلاء الفلسطينيون في الانتفاضة، وذلك لان ثقتهم في صمود السلطة الفلسطينية ضعيفة، حتى قبل زيارة شارون المشئومة للأراضي المقدسة في سبتمبر العام الماضي، التي فجرت براكين الغضب، وترجيح استمرار الانتفاضة يعود لاسباب سقوط مئات الشهداء، فرغبة الشعب في الثأر لدمائه حقيقية، وحتى لو ارادت بعض عناصر السلطة غير ذلك لما نجحت، وهي السلطة الفلسطينية ـ لا تستطيع مجرد طرح رأي لوقف الانتفاضة في الوقت الحالي على اقل تقدير، خاصة وأنها لاتملك البديل، وشارون يعرف ذلك جيدا، وهو يستخدم هذه الورقة لتشويه صورة قادة فلسطين، واحداث مزيد من الانشقاق في الجبهة الفلسطينية الداخلية، ويجب ادراك الجانب العقائدي الذي يتمثل في وقوف حزب الله وحماس بجانب انتفاضة الاقصى، وهو الامر الذي يدعم عملية ترجيح استمرارها، وباضافة ما ذكرته لذلك نتطرق لانعكاسات شعبية عربية واسلامية متوقعة في الصيف المقبل، فالشارع العربي يمر بحالة من الغليان التي ستتفجر قريبا، فقط الشيء الذي يؤجلها هو موسم امتحانات طلبة الجامعات العربية. ـ لكن هل نتصور ان سبب الفتور الحالي للتفاعل الشعبي العربي والاسلامي مع انتفاضة الاقصى هو فقط موسم امتحانات طلبة الجامعات العربية؟ فهناك قواعد شعبية كثيرة مثل الاحزاب السياسية والنقابات والمنظمات الاهلية. ـ لدي تحفظات على استخدام وصف «الفتور» حتى لا نظلم الشعوب العربية، تلك التي تعاني من القيود من طرف حكومات بلادها، فلو نظرنا لمصر باعتبارها الاخت العربية الكبرى، ومصدر تحريك الحرب والسلام والاجتياح وغيره في المنطقة، لوجدنا ان الحكومة المصرية تمنع ما تسميه بـ «ممارسات استعداء الشعب المصري على اسرائيل» وان حرية تنظيم التظاهرات غير مكفولة، حتى احزاب المعارضة المصرية لا تستطيع غير التنفيس عبر صحفها، او الاجتماعات في اماكن مغلقة، وغالبا يكون للحكومة علم مسبق بذلك، ولا تختلف معظم البلاد العربية عن مصر في شيء، والمسألة هي ازمة الديمقراطية التي تعيشها الشعوب العربية ولا اخفيك سرا ان اسرائيل ذاتها المعتدية التي تنتهك حقوق الانسان وترتكب جرائم حرب فعلية لا تقل شيئا بل تزيد على جرائم الحرب التي يعاقب عليها صرب البوسنة وغيرهم في المحكمة الدولية هنا في لاهاي، نرى ان اسرائيل تقول للعالم انها الدولة الوحيدة الديمقراطية في منطقة الشرق الاوسط، ومن المثير للدهشة ويدفعنا للخجل ان العالم الخارجي يصدقها، ليس لان اسرائيل لا تكذب.. لا، بل لان الحكومات العربية التي تحرم شعوبها من ممارسة حقوقها الشرعية في الحرية والديمقراطية هي التي تدعم اسرائيل، وتساعد على تقوية مصداقيتها امام الغير، ودعني اتساءل بمرارة شديدة: ـ هل تسمح الحكومات العربية لأعضاء مجالس النواب ممثلي الشعب في تحريك المواطنين للتعبير عن آرائهم وممارسة حقوقهم الانسانية؟ ـ هل تستطيع النقابات العمالية والاحزاب والمنظمات الاهلية التي تحدثنا عنها في تنظيم مظاهرات سلمية؟ ـ ألم يواجه السجن كل من يخرج عن النظام والقيود التي تفرضها هذه الحكومات على شعوبها؟ ـ الم يوجد في مصر مثلا قانون طواريء تستفيد منه اسرائيل اكثر من الجبهة الداخلية في مصر التي نعلق عليها آمالا كبيرة دائما؟ ـ الم تتحكم آليات السلطة ونفوذها في مصادر دخل ورزق المواطن العربي؟ ـ باختصار الشعوب العربية تواجه الخوف وتحاصر بالقيود وحرمانها من حرية التعبير عن الرأي، وكل ذلك يحدث في ظل غياب انظمة ديمقراطية، ويساعد عليه وجود تيارات معارضة هي ديكورات لتجميل وجه الحكم والحاكم، اكثر منها فعاليات سياسية او شعبية حقيقية. ـ هل توجد مواقف متوقعة لقوى دولية اخرى ـ غير امريكا ـ مثل الصين وروسيا، قد تغير من الموازين السياسية للوضع الحالي؟ ـ لن يختلف الرأي حول الصين وروسيا عما ذكرته بخصوص الاتحاد الاوروبي، والسؤال المهم جدا هو: لماذا سيكون لهما دور وموقف جاد يناصر القضية الفلسطينية؟ وما هي الدوافع؟ كل العرب تقريبا في الاحضان الامريكية سياسيا واقتصاديا، فقط حينما يكون للعرب نظام في شكل سوق تجاري مشترك، حينما يزيل العرب خلافاتهم الداخلية المخجلة، حينما يستطيع العرب اخراج القوات الامريكية من اراضيهم وابعادهم عن المياه الاقليمية، وحينما يستعيد العرب ولو حتى 50% من الاموال العربية في البنوك الامريكية والاوروبية، لاستثمارها داخل اوطانهم، حينما تتحقق الديمقراطية للشعوب العربية، وحينما.. وحينما.. وحينما، فقط في هذه الحالات ننتظر مواقف جادة من الآخرين، حتى موقف امريكا ذاتها يكون قابلا للتغيير، والا سيستمر عصر الانحطاط العربي سياسيا وثقافيا واقتصاديا وأمنيا.