في ندوة إسرائيلية مستقبلية موسعة الخبراء يعترفون: المجتمع الاسرائيلي لن يستطيع الصمود امام عمليات التفجيرات التهويل من قوة الفلسطينيين يهدف لزيادة ميزانية الجيش الاسرائيلي في ندوة مهمة نظمها العدد الاسبوعي من يديعوت احرونوت وضع خبراء إسرائيليون في الشئون العربية توصياتهم وتوقعاتهم بشأن التعامل مع الانتفاضة والدول العربية وإيران في الفترة المقبلة، خاصة وان اغلبهم مقربين من القيادة السياسية واجهزة الأمن والاستخبارات في اسرائيل. هدف الندوة، حسب منظميها، كان استشراف مدى صحة الصورة التي يتخيلها الاسرائيلي عن العالم العربي، وقد توصلت في النهاية، الى ان الواقع يختلف بقدر كبير عن الخيال الاسرائيلي الذي ساعدت في رسمه اهداف ومصالح عديدة منها زيادة تمويل ميزانية الجيش والاستخبارات وقدر التبرعات لاسرائيل عن طريق التهويل من القدرة العسكرية للفلسطينيين والعرب.ووفقا للمشاركين في الندوة فان انتفاضة الاقصى لن تصبح نهاية المطاف في العلاقة مع دول الطوق على الرغم من ان الدول العربية تنظر لها على انها فصل تراجيدي جديد من فصول الصراع، الخبراء الاسرائيليون يرون ايضا ان الدول العربية لا تزال تتمسك باستراتيجية السعى لتسوية سلمية مع اسرائيل. وسعيا للوقيعة المكشوفة زعم المشاركون في الانتفاضة ان الدول العربية (المعتدلة) اصبحت تتعامل بشك (!) لانها لا تفهم اهدافها، كما انها تحاول تقليل تقديم مساعدات للسلطة الفلسطينية.كما ان المشاكل الداخلية دائما في المقام الاول فلا يوجد زعيم عربي على استعداد للموت من اجل غزة سوى صدام حسين. في مقابل هذا اعترفت الندوة بقلق المجتمع الاسرائيلي من زيادة نبرة العداء لاسرائيل، وبرر الاسرائيليون ذلك بان المثقفين يعوضون احباطهم وخوفهم من العولمة برفض ومعاداة اسرائيل، واشار الاسرائيليون الي انه حتى المثقفون الذين قبلوا التطبيع تأثروا بما يعتبرونه ممارسات إسرائيلية لا تطاق في الاراضي الفلسطينية، وبناء على ذلك فان الهوة بين الشعبين تتزايد ويعلو في الوقت نفسه جدار لن يمكن تجاوزه او هدمه وهذا سيكون اخطر نتائج انتفاضة الاقصى. اما فيما يتعلق بالفصل بين الفلسطينيين والاسرائيليين كحل للمواجهات والعنف فقد اكد المشاركون في الندوة عدم امكانية تحقيقه.كما اعلنوا صراحة إن الحل يكمن في تقرير لجنة «ميتشيل» الذي يستحق كل التقدير حسب وصف الخبراء الاسرائيليين وذلك بتجميد الاستيطان مقابل بذل الفلسطينيين لاقصى جهد من اجل وقف العنف.الندوة شارك فيها ست خبراء طالب واحد منهم فقط اسرائيل بالمبادرة بشن حرب استنزاف، وإن كانوا اتفقوا جميعا على امكانية اندلاع حرب في المنطقة عن طريق الخطأ وبدون رغبة من أي طرف.وفي السطور التالية فقرات مطولة من نص الندوة. قوميات متعددة ـ هل اتحد العالم العربي ضدنا كما حدث في حرب عام 67؟! ـ «عمانويل سيفان» (الاستاذ بالجامعة العبرية ومؤلف كتابي «الاصوليون المسلمون» و«اساطير سياسية عربية): العالم العربي مشكل من قوميات متعددة ومصالح متباينة على الرغم من اشتراكها في الثقافة.واولويات الصفوة تتجه لعلاج المشاكل الاقتصادية الداخلية. ـ «كرمي ايلون» (مدير الاستخبارات الداخلية الاسبق ومدير مركز بيريز للسلام حاليا!): لا يمكن الحديث عن العالم العربي كوحدة واحدة لكن بالنسبة للعداء لاسرائيل فانه يعتبر القاسم المشترك بين الدول العربية والامر يتضح بجلاء في اوقات الازمات مثلما هو حادث في الازمة الحالية.لكن يجدر الاشارة الي ان القمة العربية لم تسفر عن أي شيء بناء على اعطاء الاولوية للمصالح الخاصة. ـ هل من مصلحة مصر ان تسعى لاستقرار الاوضاع؟ ـ «كرمي ايلون»: القيادة في مصر ترى ان هناك مصلحة في اكمال التسوية مع اسرائيل لان ذلك يخدم مصالحها منذ عشرين عاما، ويساعد على تنمية العلاقة مع الولايات المتحدة واوروبا، كما انها تسعى للاستفادة من المكاسب الاقتصادية للسلام. ـ لماذا اعطت الدول العربية مبلغاً صغير للسلطة الفلسطينية على الرغم من قرارات القمة العربية؟ ـ عمانويل سيفان: الانظمة العربية كانت تتوقع استمرار الانتفاضة لاسبوع او اسبوعين وتسفر عن ضغط دولي على اسرائيل لتقديم تنازلات، لكن ما يحدث الان هو ان السلطة لا تقود الانتفاضة بل تنجر وراء الاحداث. احد الزعماء القليلين في العالم العربي الذي يشجع الانتفاضة لانها تعمل على زعزعة الاستقرار في المنطقة هو صدام حسين. ـ ما مدى تأثير صدام حسين على من حوله؟ ـ «اميتسا برعام» (رئيس المركز اليهودي العربي لابحاث الشرق الاوسط التابع لجامعة حيفا): العراق هي الدولة الوحيدة التي ارسلت مساعدات مالية كبيرة للفلسطينيين واوفت بوعودها في هذا المجال فصدام يرسل شيكات لكل اسرة يسقط احد افرادها شهيدا، قيمة الشيك الواحد 10 الاف دولار في حين يمنح عرفات مساعدة قدرها 200 دولار لكل عائلة وبعض شيكات عرفات ترفض البنوك صرفها. ـ كيف يفعل صدام هذا؟ ـ «اميتسا برعام»: العراق يرسل الشيكات مسحوبة على بنوك عالمية من خلال جمعيات فلسطينية في الضفة وغزة تحظى بدعمه، والشعب الفلسطيني يعرف هذا ويتأثر به.العراق يسعى لشن حرب شاملة ضد اسرائيل عن طريق اقحام سوريا ومصر في صراع مسلح ضد اسرائيل. وفي المقابل مصر لا تخسر شيئا باستمرار تعرض اسرائيل لحرب استنزاف طويلة الاجل، فلو كانت تريد وقف الانتفاضة لاسهمت في ذلك بشكل فعال. ـ كيف؟ هل تستطيع ان تأمر الفلسطينيين بوقف اطلاق النار ؟ ـ «هليل بريش» (باحث بمركز يبجين سادات للابحاث الاستراتيجية): تستطيع مصر ان تمارس ضغوطا فعالة بمنع عرفات من الهبوط أوالمرور بمصر (!) واعادة السفير المصري لتل ابيب، لان ذلك سيكون اشارة مصرية واضحة لعرفات، لكن مصر مهتمة باستمرار الانتفاضة على نار هادئة في الوقت الذي تعارض فيه اندلاع حرب اقليمية. ـ هل يمكن ان يتشكل تحالف عربي جديد يقضي على عملية السلام برمتها؟ ـ «ايل زيسر» (رئيس قسم بمركز موشية ديان ): بعد فشل قمة جنيف بين كلينتون والاسد اخذ السوريون يقولون ان الاقنعة سقطت عن اسرائيل وانها لا تعتبر شريكا في عملية السلام ثم جاء الانسحاب من لبنان من جانب واحد بمثابة اشارة للعرب بانه يمكن اجبار اسرائيل على تقديم تنازلات بدون الدخول في عملية السلام وبدون مقابل سياسي.وبالتالي ظهرت في العالم العربي شكوك حول جدوى خيار السلام واعتباره خيارا وحيدا.وعلى اية حال عملية السلام معطلة ولم تنهر منذ عام 1995 منذ اغتيال رابين وسلسلة التفجيرات التي تلت مصرعه في بداية 1996. قطاعات عريضة ـ ماذا فعلت الانتفاضة في عملية السلام؟ ـ «يورام ميتال» (رئيس قسم الشرق الاوسط بجامعة بن جوريون) :صورة اسرائيل اضيرت بشكل خطير لدى قطاعات عريضة من العالم العربي وتنامت المشاعر العدائية تجاه اسرائيل، وبالطبع الرأي العام العربي يتأثر بمواقف وعمليات وتصريحات اسرائيل.وعلى اية حال الصفوة المثقفة واصحاب المهن الراقية هم الذين يقودون المعارضة لعملية السلام منذ 1977 وحتى الان لان اسرائيل بالنسبة لهم هي امريكا..وامريكا تهدد موروثهم الثقافي. ـ «عمانويل سيفان»: صورة اسرائيل بغيضة بسبب سقوط 500 قتيل فلسطيني وبسبب تجريف الجيش الاسرائيلي الاراضي الفلسطينية، وبمتابعتي للمحطات الفضائية العربية المستقلة والرسمية اشاهد لقطات ومشاهد فظيعة لا يتم بثها لنا في اسرائيل، ومع هذا التعليق المصاحب لهذه اللقطات لابد وأن يكون هناك من ينادي بتدمير اسرائيل. ـ «هليل هيرش»: لم الحظ فروقا ملموسة في وسائل الاعلام العربية قبل وبعد الانتفاضة، صورة اسرائيل سيئة للغاية لكن لا يزال الحديث عن السلام قائما، قبل حرب اكتوبر كان العرب يتحدثون عن تدمير اسرائيل وحرب مصيرية ضدها وهذا غير موجود الان. «ايل زيسر» : المثقفون المصريون يشعرون بالاحباط ففي حين يحصل عامل النظافة على 20 دولاراً شهريا يحصل الدكتور الحاصل على درجة الاستاذية على 70 دولاراً شهريا (بالطبع رواتب هيئة التدريس ضعيفة لكن هذا الرقم غير صحيح تماما) وهم يفرغون احباطهم في كراهية اسرائيل.في الدول العربية الاخرى كثير من المثقفين يرون ان عملية السلام «شر لابد منه». ـ ما هو الموقف في ايران وموقف الحركات الاسلامية في الدول العربية؟ ـ إيران تحولت من عصر لينين الثوري لعصر بريجنيف الجامد مع استمرار السيطرة التامة على اجهزة الامن ومصادر التمويل، ولا توجد الان خطورة من اندلاع انتفاضة اسلامية في أي دولة عربية، لكن مع هذا لا يمكن اعلان وفاة الحركات الاسلامية في الدول العربية فهي تملك قدرة هائلة على البقاء والصمود مما يثير قلق اجهزة الاستخبارات الاسرائيلية دائما. ـ «كرمي جيلون»:الاصولية الاسلامية كانت خطراً كبيراً في العقد الاخير، واقصد انها خطر علينا وعلى الغرب وعلى الديمقراطية وبصفتي كنت مسئولا عن الاستخبارات اقول ان منظمة حزب الله والحركة الاسلامية (داخل اراضي الـ 48) لا تؤثر سوى في ربع عدد السكان المحيطين بها، كما ان حماس آخذة في الضعف بعكس ما كنا نتخيل في البداية. ـ وما هو البديل الايديولوجي عن تراجع الحركات الاصولية ؟هل العودة للقومية العربية على الطريقة الناصرية ؟ ـ عمانويل سيفان : لا، فقد اجري مؤخرا استطلاع رأي في سبع دول عربية وقد اظهر ان الشخصيات المحببة لدى الشباب في كل دولة تختلف عن الدول الاخرى بمعنى ان الجميع غارقون في المحلية. ملامح التسوية ـ السؤال الحاسم الان هو كيف سنخرج من مأزق الانتفاضة؟ ـ برعام: يتوجب علينا ان نخرج من هذا المأزق بسرعة لاننا نبتعد باطراد عن الدوائر العربية المهتمة بالتوصل لتسوية سلمية معنا. ـ ميتال: الخطوات التاريخية الهامة التي اتخذها الفلسطينيون نحونا وما قمنا به نحن من قبل والقوى المناصرة للسلام هي التي ستصيغ الحل الامثل للخروج مما نحن فيه الان. ـ جيلون: يمكن التوصل لتسوية عبر الصياغة :وقف اطلاق النار مقابل تجميد المستوطنات وهو الاقتراح المحوري للجنة ميتشيل. ـ بريش: هل تعني (بالتجميد ) عدم بناء ولو منزل واحد داخل المستوطنات؟ ـ سيفان: لا. نقصد تجميد البناء فقط خارج المستوطنات الحالية. اما البناء داخل اسوارها فمسموح. ـ جيلون: من مصلحة اسرائيل ان تهدأ الامور ونعود للتسوية السياسية، فالمجتمع الاسرائيلي لا يصمد أمام (الارهاب ). ـ وما هو موقف عرفات؟ ـ جيلون : عرفات لغز لا استطيع ان افك شفرته. لكن الثمن الذي يتمثل في عدم رغبة الرئيس الامريكي في لقائه بالبيت الابيض هو ثمن باهظ.وعلى اية حال هناك عناصر داخل السلطة فلسطينية لا تريد استمرار العنف وبالتالي التقارير التي اصدرها الجيش الاسرائيلي والتي تتوقع استمرار الانتفاضة لمدة ثلاث سنوات قادمة الهدف منها زيادة ميزانيات الجيش والاجهزة الامنية. ـ برعام: ارى انه من الضروري للغاية الا نقبل تسوية نبدو فيها وقد تعرضنا لاذلال ومهانة كما حدث لنا في لبنان، لذا تبدو توصيات لجنة ميتشيل بشأن المستوطنات ووقف اطلاق النار واقعية لانها توحي لكل طرف انه لم يقدم تنازلات. ـ سيفان: اود ان اشير هنا لرفضي لفكرة الفصل التام بين الشعبين وهي الفكرة التي يروج لها اليمين واليسار في اسرائيل على حد السواء، فهذه فكرة غير واقعية ولا تثير سوى السخرية. جراح مفتوحة ـ ما هي ملامح وفرص التوصل لتسوية نهائية؟ ـ زيسر: في الشهور الاخيرة تجاوزنا خطوطاً حمراء كثيرة ومساحة المناورة بين الجانبين قلت، ولدينا في الوقت نفسه كإسرائيليين جراح مفتوحة :الجرح اللبناني والسوري والفلسطيني، يجب التعامل معهم على الفور حتى نتحدث عن تفاصيل ما سنعطيه وما سنأخذه في المقابل. ـ بريش: لقد اخترنا ان يكون الحل على طريقة : دولتين لشعبين. لكن الجانب الفلسطيني لم يقبل هذا فطرح قضية حق العودة، وتقسيم القدس والحرم القدسي وهكذا ثارت الازمة التي ترد عليها اسرائيل الان. وفي رأيي انه من الافضل لاسرائيل الاستمرار في استنزاف الفلسطينيين حتى يغيروا مواقفهم بالنسبة للقضايا الرئيسية وعلى رأسها القدس وحق العودة، لا اتحدث هنا عن تحقيق حلم ارض اسرائيل الكاملة، لكن تحقيق فكرة دولتين لشعبين، هذا خيار خطر لكن لا يوجد بديل له. ـ هل توافق على الاستنزاف كاستراتيجية اسرائيلية؟ ـ بريش :نعم.لان الاتفاقيات المرحلية فشلت والاستنزاف هو الطريق للعودة لمبدأ الارض مقابل السلام وفقا للقرار 242 وليس القرار 191 الذي يقسم ارض فلسطين. ـ سيفان: وكيف سنعرف من الذي استنزف اكثر هل نحن أم هم؟ والى أي مدى سنستمر في هذا الطريق هل سنستمر في القتال حتى يصل عدد قتلانا الي 180 الف وتتزايد نسبة الهروب من الخدمة العسكرية الي 15 % ؟! ـ جيلون: الفلسطينيون الان يمرون بما اجتزناه نحن عام 1948 وقد اصبحنا بعد ذلك شعبا طبيعيا.