«اصبحت ادانة لص بسرقة 24 الف عن طريق النصب والاحتيال امرا لا يستحق تقديم لائحة اتهام في اسرائيل بعد ان كانت تستوجب السجن لسنوات طويلة كما حدث بالفعل في قضايا سابقة»، هكذا بدأ تقرير هام، عن فساد كبار المسئولين و رجال الاعمال (بمساعدة القضاة في اسرائيل) لتعرية الفساد باسرائيل الذي سيطر على الاقتصاد والقضاء معا. التقرير نشرته مجلة ممون الاقتصادية منذ ايام وذكر قائمة جزئية للصوص لم يتم سجنهم رغم جرائمهم التي تتعلق بمبالغ هائلة، حيث اشار الى انه على الرغم من صدور حكم بالادانة ضد نائب رئيس مؤسسة اقتصادية كبرى في اسرائيل (ديسكونت) ويدعى بني اينهورن فانه لا يزال يدير المؤسسة وكأنه لم يحدث أي شيء، فالنصاب الذي ادين بالتدليس على هيئة المحكمة والتشويش على سير التحقيقات وبث معلومات كاذبة للبورصة، ولم يكتف براتبه الشهري (ما يعادل 45 الف دولار امريكي) فاستولى على مبالغ شهرية تعادل راتبه الضخم عبر ارقام حسابات وهمية.المحكمة ذكرت في حيثيات حكمها ضده انها راعت والتمست الرأفة مع المتهم :لأنه شخصية عامة، وان مجرد محاكمته سبب له ضررا بالغا.المحكمة قررت في النهاية حبسه مع ايقاف التنفيذ وتغريمه 100 الف دولار.ومع هذا وقبل ان يجف حبر قرار الادانة اصدرت المؤسسة الاقتصادية التي يديرها «اينهورن» بيانا ذكرت فيه انها تجدد الثقة في اينهورن لانه مدير محترف وموهوب من الدرجة الاولى وسيستمر في اداء مهام منصبه بنجاح. فضيحة مالية كبرى «اينهورن» ليس الوحيد الذي ادين بالفساد ومع هذا عاد لمنصبه فهناك «ديفيد بلاس» الذي احتال على عدد من الكيبوتسات بمبالغ تجاوزت بضعة ملايين من الدولارات وما ان خرج من السجن حتى عاد للممارسة عمله وكأنه لم يحدث شيء، بالاضافة الي المتهمين في فضيحة مالية كبرى خاصة بشركات التأمين الذين لم يتم اعادتهم فقط بعد الادانة، بل تمت ترقيتهم لمناصب اكثر اهمية وذات صلاحيات اكبر ومن المنتظر في المرحلة المقبلة السماح «لبن تسيون» مدير احد البنوك الذي افرغ خزائنها في حسابه الشخصي بالعودة لادراة احد البنوك فور خروجه من السجن. ووفقا للتقرير الهام فان المجتمع الاسرائيلي يبدي تسامحا فقط تجاه لصوص «الياقات البيضاء» (النصابين والمحتالين ومستغلي النفوذ) مع ان اللص الذي يتسلل ليلا من النافذة لسرقة شقة يسبب اضرارا اقل من تلك التي تسبب فيها تلاعب مسئول في بنك وتحويل اموال البنك لحسابه الخاص. وفي النهاية نتحدث برقة واحترام مع اللص المسئول المحتال لانه «واحد منا». مع ان اللص الذي يتسلل عبر النافذة في الاغلب يعاني من ضائقة مالية شديدة (تستدعى الرأفة في العقوبة) بعكس كبار المحتالين، وفي النهاية يتم تدليل اصحاب الياقات البيضاء فقط بدلا من معاقبتهم. خاصة بعد صدور قانون من الكنيست اطلق عليه قانون «درعي» (وزير داخلية اسبق وزعيم حزب شاس الذي ادين بالفساد) حيث اتاحت بنود القانون الجديد الافراج عن هؤلاء المحتالين ومستغلي النفوذ بعد انقضاء نصف فترة العقوبة فقط..حيث لا يجرؤ احد على ان يقول انهم لم يظهروا حسن سير وسلوك داخل السجن. فضلا عن ان المحاكم في اسرائيل تتعامل مع الجرائم «الاقتصادية» بشكل مخفف للغاية بالمقارنة مع الدول الاخرى.فقد اضطر احد اصدقاء بيل كلينتون وهو الملياردير «ريتش» على سبيل المثال لترك الولايات المتحدة لسنوات طويلة حتى لا تتم محاكمته على جريمة تهرب ضريبي، وفي المقابل يتم غض الطرف عن مثل تلك الجرائم بشكل مذهل. والطريف ان المسئول عن جرائم النصب والاحتيال وجرائم الاموال العامة في اسرائيل «مائير جلبوع» يعترف بان العقوبات ضد تلك الجرائم اصبحت اخف من الماضي.وهذا يرجع في المقام الاول لتساهل المحاكم في اسرائيل تجاه هؤلاء النصابين. ففي حين سجن نصاب (منذ سنوات) لحصوله على رشوة قدرها 24 الف دولار وسط جلبة كبيرة فان الشرطة لم تعد تقدم حاليا حتى لائحة اتهام ضد من يسرقون مثل هذا المبلغ. ومن النماذج ايضا على تفشى الفساد العلني في اسرائيل المقارنة بين سنوات السبعينيات عندما سجن احد المحتالين لثلاث سنوات ونصف بعد الاستيلاء على مبلغ لا يتجاوز خمسة وعشرين الف دولار ايضا في حين ان العقوبة حاليا لن تتجاوز بأي حال من الاحوال السجن مع ايقاف التنفيذ، لكن الاغرب هو ان اغلب هؤلاء المجرمون يعودون مجددا لشغل وظائف عامة فور خروجهم من السجن. الطريف ان احد هؤلاء اللصوص تمت ادانته بالتهرب الضريبي عن مبالغ تجاوزت مئات الملايين من الدولارات ومع هذا لم يخجل بعد عودته من السجن من المطالبة بزيادة راتبه الشهري ليتجاوز 50 الف دولار شهريا (وهو الراتب الذي يحسده عليه بالطبع حتى نجوم الصف الاول في كرة القدم و السينما العالمية). حالة عدم اتزان الدكتور محمد غنايم (من فلسطينيي الـ48) وهو من اساتذة القانون الجنائي المقارن بالجامعة العبرية عقد مقارنة بالاوضاع في اوروبا وكيفية التعامل مع المجرمين من ذوي الياقات البيضاء فقال: في اوروبا لا يترددون في مهاجمة نجوم المجتمع إذا اخطأوا ومثال ذلك ما حدث مع والد نجمة التنس شتيفي جراف بعد اتهامه بالتهرب الضريبي ولم تجد الضغوط من اجل الافراج المبكر عنه، ففي اوروبا يهتمون ببراءة الذمة المالية اكثر بكثير من اسرائيل.والوضع لا يختلف في امريكا فالعقوبات هناك لا تقل في الاغلب عن خمس عشرة سنة، والمحاكم لا تترك من يثبت انه ارتكب جريمته وهو في حالة عدم اتزان مثلما يحدث في اسرائيل، بل يرسل لمؤسسة علاجية وبعد ان يتلقى العلاج المناسب ويشفى تتم محاكمته، هذا بالاضافة لفارق اخر عن اسرائيل هو عدم امكانية تجاهل الضحايا في حين لا يحق للضحايا مقاضاة المجرم في اسرائيل وتتولى الحكومة الاسرائيلية مقاضاته بدلا منهم! المثير للريبة ان وسائل الإعلام تتجاهل بدورها نشر اخبار سرقات الكبار وهو ما حدث مؤخرا مع «يعقوب ست مبلر» الذي تهرب من 3,5 ملايين شيكل خلال اربع سنوات فقط ورفض اعادة المبلغ الضخم وفي النهاية حكمت عليه المحكمة بالسجن لمدة عام ونصف وغرامة قدرها 250 الف شيكل فقط وسط تجاهل اعلامي كامل. وفي واقعة مشابهة تهرب احد كبار المسئولين من دفع ضرائب قدرها 2 مليوناً شيكل وحكم عليه بخمس وعشرين الف شيكل غرامة مع الحبس ستة اشهر، وبعد نقض الحكم زادت فترة الحبس لخمسة عشر شهرا مع بقاء الغرامة بدون زيادة. من جانبه كشف محامي متخصص في تلك الجرائم ويدعى «عوفر برتل» ان النيابة العامة ايضا لا تستطيع الوقوف في وجه هؤلاء المجرمين الاغنياء فهناك بعض الاجراءات التي تتكلف الكثير من الاعتمادات لا يمكن القيام بها لاثبات الجريمة مثل استئجار خدمات خبير اقتصادي (200 دولار في الساعة) لكي يأتي للمحكمة ويشهد ضد المتهم، بينما يستعين المتهمون بخبراء على اعلى مستوى للخروج من القضية بسلام. والامر لايختلف كثيرا فيما يتعلق بالقضاء واجراءات المحاكمة خاصة وان هيئة الدفاع تضم دائما شخصيات لها ثقلها وتأثيرها على المحكمة. وفي النهاية تكون نسبة الذين تبرئهم المحاكم عالية لاسباب (نفسية)وقد اثبتت الاحصائيات ان هذا المبرر لا يلتفت اليه الا في القضايا التي يكون المتهمون فيها اغنياء او ذوي اصول غربية فقط. من جانبه اعترف النائب العام الاسرائيلي «عدنا اربيل»: بزيادة اعداد الذين يحصلون على البراءة في جرائم الاحتيال واستغلال النفوذ في اسرائيل بناء على اسباب نفسية او جهل بالقوانين واحيانا للاستعانة بمستشارين غير اسوياء.