بيان الاربعاء: قامت القوات الإيرانية مؤخرا بتوجيه ضربات صاروخية على مواقع متفرقة داخل العراق مستهدفة معسكرات منظمة «مجاهدي خلق» كبرى حركات المعارضة الإيرانية المسلحة، التي تتخذ العراق مقرًا لها، وقد وصفت عمليات القصف بأنها أوسع وأعنف هجوم إيراني على مواقع المعارضة الإيرانية حتى أن البعض قال ان الحرب العراقية الإيرانية لم تشهد هجومًا صاروخيًا بهذا المستوى من قبل حيث تراوح عدد الصواريخ التي وجهت نحو الأراضي العراقية ما بين 56 إلى 66 صاروخًا حسب ما أشارت إليه المصادر المختلفة. وقبل الخوض في تفاصيل العلاقات العراقية الإيرانية وأثر عمليات القصف الجوي الأخيرة عليها، تجدر الإشارة إلى أن كلا من العراق وإيران يأوي تنظيمات معارضة للنظام في البلد الآخر حيث تأوي بغداد منذ عام 1986 منظمة «مجاهدي خلق» بينما تستقبل طهران أبرز حركات المعارضة الشيعية العراقية «المجلس الأعلى» وهو ما يعد من العقبات الكبرى التي تعرقل تحسن العلاقات بين البلدين رغم مرور 13 عامًا على انتهاء الحرب بينهما، وحسب بعض المصادر تبلغ قواعد منظمة مجاهدي خلق في العراق حوالي 12 قاعدة تقع معظمها بالقرب من الحدود العراقية الإيرانية أبرزها قاعدة أشرف في جلواء (شمال شرقي بغداد) وقاعدة أخرى في العمارة (جنوب) وثالثة في محافظة ديالي (شمال)، ويصل عدد مقاتلي المنظمة إلى حوالي 30 ألف عنصر تدعمهم دبابات وطائرات هليوكوبتر، إلى جانب ذلك وعلى حد قول المسئول الإعلامي للمنظمة الدكتور علاء توران فإن «المنظمة تمتلك معامل لتصنيع السلاح وتحوير المعدات العسكرية وتطويرها» وقد أكد المسئول كلامه بالصور التي تضمنت مدرعات ذات إطلاق مزدوج للصواريخ ودبابات وصواريخ كاتيوشا قامت المعامل العسكرية التابعة للمنظمة بتصنيعها أو تطويرها. في ضوء تلك الحقائق جاء القصف الإيراني ليؤكد حالة الانقسام السائدة بين المراقبين حول طبيعة العلاقات بين بغداد وطهران وحول المدى الذي يمكن أن تصل إليه هذه العلاقات.. فقبل عمليات القصف انقسم المراقبون إلى فريقين الأول يرى أن هناك حالة تحسن وتقارب في العلاقات بين الجانبين مستندًا في ذلك إلى بعض مظاهر التقارب التي حدثت في الآونة الأخيرة، أما الفريق الثاني فيرى أن عملية التقارب أو التحسن محكومة بالفشل بسبب عدة عوامل أساسية وفيما يلي عرض لوجهتي النظر: وجهة النظر الأولى يرى أصحاب هذا الرأي أن العلاقات بين بغداد وطهران كانت قد شهدت حالة من التحسن خاصة في ظل سعي بغداد إحداث ثغرات في العزلة المفروضة عليها، حيث اتجه العراق إلى تطبيع علاقاته مع إيران في ضوء المشهد الجيوسياسي المحيط به واستمرار حالة العقوبات وهو ما أعطى نتيجة مفادها أن البوابة الإيرانية هي أقرب المنافذ للخروج من المأزق.. فالجوار الجغرافي بدءًا من الكويت والسعودية مرورًا بتركيا والأردن غير قابل «لتعويم» النظام «وحمله» وعلى حد قول هذا الفريق، ولذلك فإن «خيار السلام» مع طهران هو الأمثل.. فالمحور الإيراني العراقي تتوفر فيه مقومات تغيير المعادلات في المنطقة الخليجية والعربية وهو ما يسعى إليه العراق حاليًا وتجاريه في ذلك إيران. وفيما يخص العقدة الكبرى في العلاقات وهي ورقة المعارضة التي يستخدمها كل نظام في مواجهة الآخر، فإن هذا الفريق يرى أن النظام العراقي وبالأخص صدام حسين لن يجد حرجًا في التخلي عن «مجاهدي خلق» كما تخلى عن اتفاقية الجزائر 1975. إذا كان الثمن هو إنقاذ «وضعه» وتحقيق مكسب سياسي يعود بالنفع، لكن المشكلة حسب هؤلاء تكمن في الجانب الإيراني الذي سيجد حرجًا وصعوبة بالغين في مقايضة مجاهدي خلق بالمعارضة الإسلامية واحتضانها لقوات «فيلق بدر» لما يجمع هذه المعارضة من توافق وانسجام بمشروعها الإسلامي وخطها السياسي والديني، غير أن إيران قد تجد طريقة ما من أجل تحسين هذه المعارضة بما يجعلها متجاوبة مع خطوات العراق الانفتاحية تجاهها. ويدعم هذا الفريق وجهة نظره بمجموعة من الإجراءات المتبادلة بين كل من العراق وإيران والتي كانت بمثابة مظاهر للتقارب بين الجانبين، فقد أقدمت بغداد على إرسال وفود رسمية في أواخر العام الماضي لتفعيل لجان للتطبيع كان قد اتفق على تأسيسها بعد القمة الإسلامية التي عقدت في العاصمة الإيرانية عام 1997، ومن قبل كان العراق قد أرسل دعوات للعديد من المسئولين الإيرانيين لزيارة بغداد والمراقد الدينية، وكان لقاء الرئيس الإيراني محمد خاتمي مع نائب الرئيس العراقي طه ياسين رمضان بطلب من العراق في أكتوبر الماضي أثناء قمة دول الأوبك في كركاس نقطة تحول رئيسية حيث أعقب هذا اللقاء قيام وزير النقل العراقي أحمد مرتضى بزيارة طهران وبحث في موضوع فتح المجال الجوي الإيراني أمام الملاحة من وإلى العراق، وتم الاتفاق على ذلك الأمر في مقابل السماح بمرور الطائرات الإيرانية من وإلى دمشق عبر الأجواء العراقية وذلك لتفادي التفتيش الذي تمارسه السلطات التركية مع الطائرات الإيرانية المتجهة إلى دمشق خشية أن تكون تحمل أسلحة إلى حزب الله في لبنان، غير أن أعمال منظمة مجاهدي خلق داخل المدن الحدودية وفي العاصمة طهران قد دفعت الحكومة الإيرانية إلى التراجع عن قرارها السابق. مبادرات إيرانية وعلى الجانب الآخر أورد هذا الفريق بعض المبادرات التي اتخذتها إيران تجاه العراق لعل أولها موافقة الرئيس خاتمي على الاجتماع بنائب الرئيس العراقي أثناء اجتماع قمة دول الأوبك كما سبق الإشارة ثم قيام وزير الخارجية الإيراني بزيارة العراق في نوفمبر الماضي ولقائه العديد من المسئولين العراقيين على رأسهم صدام حسين وقد جاءت هذه الزيارة لتسجل منعطفًا مهمًا في علاقات البلدين وفقًا لوجهة نظر هذا الفريق ليس لأنها جاءت عقب لقاء خاتمي وطه ياسين رمضان في كركاس.. بل أن خرازي تلقى مع عدد من وزراء الحكومة الإيرانية دعوات مكررة لزيارة بغداد لكنهم كانوا يرفضوها. وعلى ذلك فزيارة خرازي ولقاؤه صدام حسين بمثابة محطة مهمة في علاقات البلدين. والأمر اللافت أيضًا في زيارة خرازي أنها تمت بواسطة طائرة حكومية إذ حرصت طهران على أن تسجل أواخر رئاستها لمنظمة المؤتمر الإسلامي تحديًا كبيرًا لقرار حظر الطيران المدني الذي تفرضه الولايات المتحدة على العراق، وأكدت طهران باستمرار أن تعاونها التجاري مع العراق (وصل حجم التجارة الإيرانية مع العراق في ظل برنامج الأمم المتحدة عام 1999 إلى حوالي 90 مليون دولار) يأتي في إطار ما تسمح به لجنة العقوبات الدولية، وجدير بالذكر أن طهران لم تستأذن الأمم المتحدة عندما أرسلت خرازي والوفد المرافق على متن طائرة خاصة إلى العراق لأنها تعتقد بأنه لا يوجد قرار دولي يمنع ذلك. إلى جانب ما سبق كانت إيران قد اتخذت جملة مبادرات أخرى من الإفراج عن معظم الأسرى العراقيين غير المسجلين لديها، وتنشيط حركة التجارة الإنسانية مع العراق عبر الحدود إلى درجة أن أصبحت البضائع الإيرانية رائجة تمامًا في جميع المدن العراقية، والأكثر من ذلك أكد أصحاب هذا الرأي أن إيران اقتربت من ملف المعارضة الشائك ومارست ضغوط على المعارضة العراقية حيث اقترحت إغلاق تلفزيونين للمعارضة يبثان من إيران والعراق ضد البلد الآخر وذلك لقياس جدية كل طرف في إنهاء هذا الملف.. وقد ذكرت بعض المصادر أن العميد رضا سيف الله ممثل المرشد علي خامنئي المسئول عن ملف المعارضة العراقية أوقف منذ بدايات هذا العام الدعم المالي لتلفزيون الانتفاضة الناطق بلسان المعارضة العراقية الشيعية في مقدمة لإغلاقه، وقد توقعت إيران خطوة مماثلة من السلطات العراقية بشأن تلفزيون «المجاهد» الذي تدعمه بغداد باسم منظمة مجاهدي خلق. وجهة النظر الثانية يؤكد أصحاب هذا الرأي أن عملية التطبيع أو التقارب بين العراق وإيران محكوم عليها بالفشل فما يحكم العلاقة بين الجارين اللدودين ليس اتفاقية عام 1975 ولا عمل اللجان أو حتى إظهار النوايا السلمية بل «ذلك الجبل من النار الذي لم ينطفئ لهيبه بعد، وتلك الهوة من عدم الثقة ناهيك عن مفاعيل القوى الدولية المشاركة في رسم الخرائط والفاعلة في البحار الخليجية والعربية»، وقد وصف هؤلاء مسلسل اللقاءات العراقية الإيرانية في الفترة السابقة بأنه مجرد «فورة» سرعان ما تسقط عند أول اختبار لها لأن العلاقات الودية ستبقي أبعد منالاً والمعضلات أكثر تعقيدًا. وقد استند هذا الفريق على مجموعة من الأسباب التي تدفع نحو عدم تحسن أو تطبيع العلاقات بين الجانبين ولعل أهم هذه الأسباب أن هناك ملفات كثيرة مازالت محل خلاف شديد بين الطرفين وأهم هذه الملفات أن إيران تريد أن ينطلق تطبيع العلاقات من القرار الدولي رقم 598 الذي لم يطبق العراق إلا أجزاء قليلة منه.. فالقرار ينص على دفع تعويضات تقدرها طهران بـ «تريليون دولار» وتقدرها الأمم المتحدة بـ 116 مليار دولار، وفي موضوع التعويضات تؤكد المصادر الدبلوماسية أن طهران تعتبر الطائرات العراقية التي لجأت إليها خلال حرب تحرير الكويت «جزءًا من التعويضات»، إلى جانب ذلك هناك ملف الحدود حيث تريد إيران العودة إلى اتفاق الجزائر وترسيم الحدود لتشمل مناطق كثيرة تعتبر أنها ضمن حدودها مثل سيف سعد أو تلك المناطق الغنية بالنفط وجزء منها في جزر مجنون، أما الملف الثالث فيتعلق برغبة إيران في إغلاق ملف الأسرى لدى العراق حيث تقدر دوائر رسمية في طهران عدد الموجودين حاليًا في العراق بخمسة آلاف أسير استنادًا إلى تقارير منظمات دولية وشهادات آلاف المفرج عنهم. هناك اعتقاد سائد في إيران بأن النظام العراقي يسعى نحو زعزعة الأمن والاستقرار الإيراني ويستند الهاجس الإيراني إلى ما يكشف عنه المقبوض عليهم من منظمة مجاهدي خلق أو الفارين من العراق.. فقد كشف معتقلون من المنظمة (أي مجاهدي خلق) أنها خططت لاغتيال عدد من كبار الشخصيات الإيرانية على رأسها قائد الحرس الثوري اللواء رحيم صفوي ونائبه العقيد محمد باقر ذو القدر، وفي هذا السياق فقد أوضح أحد المعتقلين ويدعى مير جفور سيدي «أن المنظمة أعدت لائحة لتصفية عدد من كبار الشخصيات وخصوصًا الذين شاركوا في الحرب العراقية الإيرانية أو في قتل مسئولين في منظمة مجاهدي خلق»، ولا شك أن تحرك المنظمة لا يكون بعيدًا عن النظام العراقي الذي يدعمها ويوفر لها الإمكانيات اللازمة على أراضيه. وقد يكون ما سبق صحيحًا في ضوء ما كشف عنه سابقًا أحد ضباط المخابرات العراقية الذي هرب من العراق في شهر أكتوبر الماضي والذي أكد أنه رغم الزيارات التي تبادلها الجانبان في أواخر العام الماضي إلا أن ذلك لم يكن يعني أن العراق سيتوقف عن مخططه لزعزعة الاستقرار في إيران.. فقد أوضح ضابط المخابرات الهارب أنه أثناء زيارة وزير الخارجية الإيراني كمال خرازي لبغداد كانت هناك توجيهات من رئاسة الجمهورية للمخابرات العراقية تؤكد على المضي قدمًا وفق الخطط المعدة للتأثير في الخرائط السياسية والأمنية والجغرافية الإيرانية بصرف النظر عما سيعلن وبالفعل نفذت مجاهدي خلق عددًا من العمليات داخل مدينة طهران وفي كرمنشاه وغيرهما من المدن الإيرانية، إلى جانب ذلك فقد أكد الضابط أن العراق يعلن عن تمزيق إيران وفي هذا السياق بدأت بغداد في تنويع دعمها للمنظمات المعارضة الإيرانية إلى جانب مجاهدي خلق. ولا يتوقف الأمر على ذلك فقد أكد الضابط الهارب أن خطط التحرك العملياتي تجاه إيران يشمل عدة محاور أبرزها تشديد منظمة مجاهدي خلق عملياتها الخاصة داخل طهران كلما أمكن ذلك، واستهداف المقرات والمواقع الأمنية والقيادية وذلك لتحطيم هيبة النظام وشن حملة اغتيالات للقادة والمسئولين رفيعي المستوى والقيام بعمليات اغتيال واضطرابات من شأنها إثارة المشاكل بين التيارين المحافظ والإصلاحي وإشاعة الفوضى على غرار ما حصل في منطقة خرم آباد الإيرانية، هذا بالإضافة إلى تكثيف دوائر المخابرات في مدن النجف وكربلاء والكاظمية وتوسيع نطاق تهريب المخدرات من باكستان وأفغانستان إلى منطقتي زاهدان وخراسان وتجهيز المهربين بالسلاح وتوسيع قواعدهم، وفتح خطوط اتصال مع الأحوازيين عبر محاولات التبادل التجاري وقد تم بالفعل تهريب العشرات من قطع السلاح عبر منطقة علي العزبي جلات عيلام ومنها خرم آباد وكذلك إلى منطقة سوسنكرد وشاد والأهواز وأخيرًا دفع الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني للقيام بعمليات متتالية وتخريبية. اسباب اخرى موقف بعض القوى الداخلية في إيران حيث يرى البعض أن الجناح المحافظ في إيران ليس مستعدًا لتطبيع العلاقات مع العراق، ويبدو أن العراق يدرك هذا الأمر جيدًا حيث من الواضح أنه يطلع على توزيع موازين القوى بين الأجنحة والتيارات السياسية في إيران ويدرك مَن مِن الأجنحة يستطيع اتخاذ القرار وضمان تنفيذه، ويبدو هذا الأمر فيما حدث أثناء زيارة كمال خرازي بغداد ولقائه الرئيس العراقي، وكانت إيران قد قدمت طلبًا للعراق يتضمن العمل على وقف نشاطات المعارضة الإيرانية الموجودة في العراق، وقد أجاب الرئيس صدام حسين على حسب المصادر «نحن مستعدون لتسليم قوى المعارضة الموجودة في العراق للدولة الإيرانية وفي أي شكل تراه مناسبًا. تريدونهم أحياء أم أسرى في السجون أم قتلى.. أم نعمد إلى إجبارهم على التحرك نحو الداخل الإيراني وعندها يكون لكم يقصد للإيرانيين حرية الاختيار في اتباع الأسلوب الذي ترونه مناسبًا معهم، مع وعد بعدم إبقاء أي شخص من التابعية الإيرانية يعمل في المعارضة داخل العراق». ويبدو أن الرئيس صدام حسين كان واثقًا من أن الإيرانيين لن يستطيعوا تقديم المقابل لعرضه حيث تساءل حول إمكانية قيام الحكومة الإيرانية بالعمل لتطبيع العلاقات وتحجيم المعارضة العراقية في إيران. فضلاً عن إخراج كل من تولى من عناصرها منصبًا في الدولة والسلطة من مركزه ومنصبه، وذلك في إشارة واضحة إلى رئيس السلطة القضائية في إيران محمود شاهرودي الناطق الرسمي باسم «المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق»، إلى جانب ذلك فقد نقلت المصادر عن صدام قوله «عندما تستطيع دولة الرئيس خاتمي تنفيذ هذه الأمور ولن تستطيع باعتبار أن القدرة على اتخاذ هذا القرار بحاجة إلى مسوغ ديني من طرف يمكنه التعاطي مع هذه القوى لا يقع في نطاق استراتيجيات النظام يمكن الحديث عن تطوير العلاقات»، ومن العرض السابق يتضح أن العراق يدرك أن الجناح المحافظ لن يقبل على تحسين أو تطبيع العلاقة معه، ولعل المثل الآخر الأوضح أنه بعد زيارة كمال خرازي للعراق عمدت كل قنوات التليفزيون الإيراني التي تقع تحت سيطرة المحافظين إلى بث سلسلة برامج ومسلسلات تتعلق بالحرب بين البلدين وتذكر بما قام به الجيش العراقي أثناء احتلاله قسمًا من الأراضي الإيرانية والفظائع التي ارتكبها، فضلاً عن أعداد الشهداء وأماكن استشهادهم ..الخ. الموقف من المعارضة : حيث يرى هذا الفريق أن هذه الورقة لن يفرط فيها أي من البلدين.. فالمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق وذراعه العسكرية «المقاومة الإسلامية» أو «فيلق بدر» يؤكد أن استراتيجيته منذ سنوات قضت بعدم إحراج إيران أو أية دولة أخرى، وحصر كل العمليات في الداخل العراقي، ووفقًا لهذه الاستراتيجية تمركزت قوات «فيلق بدر» في مناطق الحكم الذاتي الكردي الخاضعة لسيطرة «الاتحاد الوطني الكردستاني»، إضافة إلى الوجود المستمر في مثلث الناصرية والبصرة والعمارة وتشير المصادر أن اعتماد هذا الفصيل على إيران يقتصر على 15% فقط وفي الجانب السياسي، إلى جانب ذلك فإن رئيس المجلس الأعلى للثورة الإسلامية محمد باقر الحكيم يرتبط بصلات مصاهرة ونسب وعلاقات عائلية مع كبار القادة الإيرانيين كما أنه يعد من المرجعيات أو من أبناء المرجعيات الدينية، فضلاً عن ذلك فإن هناك نوع من التناغم والانسجام بين النظام الإيراني ومشروع المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق وخطه السياسي والديني بما يجعله قريبًا من إيران التي يهمها في المقام الأول أن يجاورها نظام له نفس توجهاتها وسماتها وليس نظام يتناقض معها في العقيدة والتوجهات والأهداف كما حاصل الآن. وعلى الجانب الآخر وبالنسبة للمعارضة الإيرانية الموجودة في العراق «مجاهدي خلق» فتقول المصادر أنه من الصعب التفريط في هذه الورقة من جانب النظام العراقي.. فالعراق قد يكون «مستعدا للتكتيك بأي شئ إلا أن موضوع المعارضة يبقى من خياراته الاستراتيجية التي لا يفرط بها»، وتستشهد هذه المصادر باحتضان العراق لمختلف المعارضين من سوريا ودول الخليج وبعض الدول العربية والأفريقية وتقول «انه رغم التقارب مع سوريا لا يزال أعضاء جماعة «الإخوان المسلمين» يقيمون في مجمع «محروس» في منطقة «الشواكة» في «الجعيفر» وأضافت هذه المصادر أن مجاهدي خلق يحظون بأرفع رعاية عراقية، فدباباتهم غير موجودة إلا مع الحرس الجمهوري (تي-72)، ومروحياتهم هي نفسها مروحيات الحرس.. وصدام لن يستغني عن هذه الورقة لأنه لا يثق نهائيًا بالحكم الإيراني». القصف الإيراني للأراضي العراقية في ظل الخلاف القائم بين المراقبين حول العلاقات الإيرانية العراقية كما تم الإشارة إليه في العرض السابق جاء القصف الإيراني للأراضي العراقية ليزيد من حالة الانقسام وإن كان يدعم أنصار الرأي الثاني فقد جاء هذا القصف ليؤكد على دلالات معينة وليعكس تأثيرًا مباشرًا على مستقبل العلاقات بين الدولتين. وقد أوضحت بعض المصادر أن صواريخ «سكود» التي أصابت معسكرات منظمة مجاهدي خلق توزعت بواقع 17 صاروخًا على مدينة الخالص و5 صواريخ على مدينة المقادية و8 صواريخ على الكوت وصاروخين على مدينة العمارة و21 صاروخًا على مدينة البصرة، وقد وصفت الحكومة الإيرانية الضربات الصاروخية بأنها «عمليات محدودة» ضد قواعد منظمة «مجاهدي خلق» الإيرانية المعارضة التي تقيم معسكرات في العراق، كما وصفت الحكومة الهجوم بأنه «دفاعي»، وفي هذا السياق أوضح مندوب إيران لدى الأمم المتحدة هادي نجد حسينيان في رسالة إلى رئيس مجلس الأمن أن القوات الإيرانية شنت «عمليات محدودة ودفاعية على مراكز القيادة واللوجستية والتدريب لمجاهدي خلق داخل العراق» وأوضح الدبلوماسي أن القواعد المستهدفة هي أشرف (120كم شمال شرقي بغداد)، وانزالي في جلواء، وبنياد علوي في المنصورية (160 كم شمال شرقي العاصمة العراقية)، وفاهض (185 كم جنوب بغداد)، وحبيب في البصرة (560 كم إلى الجنوب) وهمايون في العمارة (400كم جنوب العاصمة العراقية).وقد تنوعت الأسباب وراء عملية القصف الصاروخي فالمندوب الإيراني لدى الأمم المتحدة أكد أن العمليات الإيرانية جاءت «رداً على عمليات لمنظمة مجاهدي خلق» انطلقت من قواعدها داخل العراق ضد إيران وأدت إلى خسائر كبيرة في الأرواح والممتلكات خلال الشهور الماضية، وفي هذا السياق يرى المراقبون أن هناك عدة أحداث وقعت بين مجاهدي خلق وإيران في الأشهر السابقة حيث كانت المنظمة قد قامت بعمليات تسلل إلى الأراضي الإيرانية ونفذت بعض العمليات القتالية المختلفة، وكان واضحاً أن الدعم العراقي للمنظمة بات يسبب إرهاصات ومشاكل أمنية للدولة الإيرانية وأن كثافة عمليات المنظمة وتزايد عمليات التسلل تطلبت إجراءات مراقبة غير عادية من قبل الأجهزة الإيرانية. وكانت طهران قد أعلنت مؤخراً عن اشتباكات في غرب إيران بين الحرس الثوري ومجموعة من مجاهدي خلق مؤلفة من سبعة عناصر كانت تريد التسلل إلى محافظة كرمنشاه، ولكل هذه الأسباب كان البعض يتوقع الرد الإيراني وإن كان ليس بهذا الشكل القوي.إلى جانب ذلك أكد مسعود رجوي رئيس «منظمة مجاهدي خلق» أن الهدف من هذه العمليات هو تصدير الأزمة الداخلية إلى الخارج عشية الانتخابات الرئاسية في إيران، غير أن مصادر المعارضة العراقية في لندن قد رجحت أن يكون هدف طهران «توجيه رسالة إلى واشنطن فحواها أن إيران ترغب في لعب دور مؤثر ضمن التوجه الأمريكي الجديد حيال العراق»، وأشارت هذه المصادر إلى أن الإدارة الأمريكية «تريد لإيران والمجموعات العراقية المرتبطة بها دوراً في تلك الخطط»، كما أوضحت المصادر أن هناك توافقاً غير مباشر بين الولايات المتحدة وإيران على الرغبة في «إزاحة الرئيس صدام حسين من الحكم، ويبدو أن المعارضة العراقية في لندن أرادت أن تبرهن على أن إيران والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق الذي يتخذ من طهران مقراً له قد ينضمان إلى جهود واشنطن الساعية لإحكام الحصار على النظام العراقي وتوحيد فصائل المعارضة في مواجهته بغرض إسقاطه من خلال استقلال القدرات العسكرية والتي يحكمها المجلس الأعلى للثورة الإسلامية. أما بالنسبة للعراق فإنه يخشى من أن تكون الضربات الصاروخية الإيرانية محاولة من طهران للتقرب للولايات المتحدة على حسابه خصوصاً وأن واشنطن تسعى بالتعاون مع دول مجاورة للعراق إلى تخفيف انعكاسات العقوبات على المدنيين في هذا البلد، وتشديدها على التسلح، وفي هذا السياق اتهم العراق إيران بأنها تسعى بـ «التواطؤ» مع الولايات المتحدة إلى لعب دور «شرطي الخليج»، وقد أشارت بعض الصحف العراقية إلى ذلك الاتهام وربطت بين القصف الصاروخي بجولة مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشئون الشرق الأوسط إدوارد ووكر، وأشارت الصحف أن «إيران التي لم تشملها جولة ووكر» أعطت رأيها ودعمها لجهود ووكر الذي يسعى للاتفاق على ما يعرف بـ «العقوبات الذكية» على العراق.إ لى جانب تلك الأسباب هناك من يرى أن إيران أرادت أن ترسل رسالة أخرى للعراق فالعملية التي قامت بها القوات الإيرانية من خلال مستوى الاستخدام العالي لصواريخ سكود لضرب أهداف عدة خلال وقت قصير في العراق تعكس تطور القدرات الصاروخية الإيرانية بصورة كبيرة وأنها تستطيع أن تصل إلى مناطق عديدة داخل العراق، كما أنها ـ أي العملية الصاروخية-عكست حجم الفجوة بين النظام القائم في العراق والنظام السياسي الديني في إيران، وعلى جانب آخر فقد أرادت القيادة الإيرانية أن تثبت قدرة عالية على الردع والعمل المقابل بعد يومين فقط من القضاء على مجموعة مؤلفة من سبعة أشخاص من مجاهدي خلق تسللوا إلى منطقة كرمنشاه على عمق 20 كيلو متراً من الحدود مع العراق.. فجاءت الضربة لتثبت ما يلي: ـ أن لدى إيران مخزوناً صاروخياً كبيراً وأن قدرتها الإنتاجية باتت عالية جداً. ـ وجود عد كبير من قاذفات الصواريخ يفوق ما كان لدى العراق. ـ توافر القدرة على اتخاذ القرارات القتالية ذات البعد السياسي. ـ توافر معلومات كافية عن معسكرات مجاهدي خلق داخل العراق. ـ الاستعداد للتصعيد في الوقت المناسب والمكان اللذين تتطلبهما الظروف. تأثير العمليات الإيرانية بعد العرض السابق يثور تساؤل مهم يتعلق بمدى تأثير تلك العمليات الإيرانية على العلاقات بين البلدين، ويرى البعض أنه من الواضح ألا تقدم إيران على تطبيع العلاقات مع العراق طالما لا يوقف دعمه لمنظمة مجاهدي خلق ولعل التصعيد الذي حدث بعد الضربات يؤكد تلك الفرضية فقد تم إسقاط طائرة إيرانية من دون طيار في التاسع عشر من إبريل في منطقة متدلي على بعد 400 كم شرقي بغداد، وفي الوقت نفسه اخترقت طائرتان حربيتان إيرانيتان الأجواء العراقية باتجاه معسكر انزلي قرب مدينة جلواء، وجاءت هذه التحركات في ضوء تهديد إيراني بمواصلة شن الهجمات الصاروخية على معسكرات مجاهدي خلق في العراق ما لم تمتنع المنظمة عن شن هجمات داخل الأراضي الإيرانية عبر الحدود، وفي هذا السياق قال العميد أحمد كاظمي قائد القوات الجوية التابعة لقوات «الحرس الثوري» أنه إذا تمادت المنظمة في مواصلة «أعمالها التخريبية» فإنها ستتعرض لضربات قاصمة تقضي عليها تماماً، ولا شك أن تصريحات كاظمي تعكس إمكانية قيام إيران بتكرار الضربات الصاروخية وبصورة أشد وأعنف. وقد وضع البعض سيناريو يمكن أن يكون رداً قادماً على منظمة مجاهدي خلق وحسب هذا السيناريو يمكن أن دفع ثلاثة ألوية من القدرات الخاصة للحرس الثوري للتغلغل داخل الأراض العراقية مع قوات محمولة جواً على أحد معسكرات المنظمة التي لا تقع أمامها تجمعات عسكرية كبيرة على أن تبدأ العملية بقصف صاروخي مكثف وجوي بما لا يتعارض ومنطقة الحظر الجوي والانسحاب سريعاً، ومما يشجع هذا السيناريو هو تزايد القدرات الصاروخية الإيرانية إلى المستوى الذي باتت عليه عنصراً مشجعاً لمخططي العمليات الخاصة الواسعة. أخيراً؛ يبدو أن استمرار دعم البلدين للمعارضة التي تتبع البلد الآخر ستظل عقدة كبرى في طريق العلاقات بين الدولتين فقد أكدت بعض الصحف الإيرانية إمكانية استمرار الصراع ما لم تتوقف الهجمات التي تشنها حركة مجاهدي خلق الإيرانية المعارضة على الأراضي الإيرانية، وعلى الجانب الآخر ليس من المنتظر أن يتخلى العراق عن دعمه لمجاهدي خلق بينما تستمر إيران في دعم المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، وبذلك تظل العلاقات بين الدولتين مرشحة لمزيد من التدهور.