بيان الاربعاء: اذا كان العالم النامي بصفة عامة يعاني ويئن من تداعيات وسلبيات ما يطلق عليه ظاهرة العولمة وينادى دوما بالمساواة والعدالة فى المعايير الاقتصادية والدولية والتحكم فى الأسواق العالمية، فإن قارة افريقيا هى أكثر مناطق العالم ، تضررا بهذا الخصوص فبعد أربعة عقود كاملة من استقلال الدول الافريقية هى أكثر مناطق العالم تضررا ورغم تواصل برامج المساعدة الانمائية العديدة لايزال الفقر منتشرا ومتعمقا وحادا فى القارة السمراء وبقدر يؤثر على حياة 60% من السكان فى افريقيا جنوبى الصحراء الكبرى، و27% من السكان فى شمال القارة، هذا ما تؤكده دراسة بعنوان (العولمة وآثارها على افريقيا) صدرت ضمن سلسلة دراسات مستقبلية والتى تشرف عليها وزارة الاعلام المصرية. الدراسة أشارت الى انه مما يزيد من وطأة المشكلة فى افريقيا تمزق أوصال القارة من الغرب الى الشرق، ومن الشمال الى الجنوب بـ 15 نزاعا ضاريا فى الوقت الذى تفشل فيه محاولات احتواء هذا الحروب والنزاعات فمن سيراليون الى القرن الافريقى، ثم منطقة البحيرات العظمى وبالأخص الكونجو الديمقراطية، فضلا عن الحروب الأهلية فى دول افريقيا عديدة مثل السودان ورواندا والكونجو الديمقراطية ويكفى أن نذكر هنا أن عدد الضحايا الذين سقطوا فى النزاعات فى الأعوام العشرة الأخيرة قد بلغ ما بين 4 ـ 5 ملايين ضحية يضاف الى هذا العدد ضحايا الايدز والجفاف والقحط البالغ حوالى 13 مليون ضحية، اضافة الى انه وطبقا لتقرير منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) الصادر فى منتصف يونيو الماضى فان هناك 16 مليون شخص فى افريقيا لا يجدون الغذاء الكافى منهم 8 ملايين فى اثيوبيا بسبب الحروب والنزاعات. والعولمة ليست ظاهرة جديدة على القارة الافريقية حيث تشير الدراسة الى أن هذه الظاهرة تعبر بشكل معاصر عن حركة تاريخية عريضة يدخل فى سياقها الغزو الاستعمارى لأفريقيا الذى بدأ منذ قرابة 300 عام. محل خلاف وأوضحت الدراسة أن فكرة وعمليات العولمة وآثارها مازالت محل خلاف وبالنسبة لأفريقيا أدعى البعض ان الاندماج الاقتصادى العالمى سوف يأتى لأفريقيا بأعظم الفرص والمزايا وذلك لارتفاع تكلفة عدم الاندماج حيث يزعمون أن الاندماج فى الاقتصاد العالمى لن يبعث النمو ويصفى الفقر وحسب، انما يسهل ايضا عمليات احلال الديمقراطية فى انحاء القارة.. على أن نتائج التطورات تحمل معها تدهور سيادة الدولة وسلطاتها فى كل من الشئون الداخلية والخارجية وقدرة افريقيا على المشاركة فى المجتمع العالمى لرأس المال وهى فى هذا الموقف الضعيف خاصة فى ظل الآثار الواسعة لبرامج التكيف الهيكلى وما حملته من الفقر المدقع لغالبية الافارقة، ايضا ساعدت فى وجود ظروف تشجع بعض فئات السكان للتشكك فى مشروعية وضرورة وحدة الدولة وتزايدت مظاهر التفسخ والاحباط بما ينذر بالاضطراب الاجتماعى والسياسى، وبحيث وجدت الدولة الافريقية نفسها بين سندات المواطنين الذين ترعاهم ومطرقة القوى السياسية والاقتصادية المهيمنة على العالم. والواقع أن امعان النظر فى الاتجاهات الراهنة لعملية العولمة يشير الى أن هناك جوانب عديدة لهذه الظاهرة ليست فى صالح الدول النامية الفقيرة ومنها الدول الافريقية ومن أبرز هذه الجوانب، اتجاه رأس المال والتكنولوجيا والعمالة الماهرة الى التركز فى الاقاليم الأكثر تقدما، فالجانب الأكبر من تدفقات رأس المال الخاص يتم بين الدول المتقدمة، ولا تنال الدول النامية الا نصيبا قليلا منها، وبالرغم من النمو السريع للتدفقات الرأسمالية الى الدول النامية عموما فى العقدين الآخرين، فإن توزيع هذه التدفقات اتسم بالتفاوت الشديد حيث تركز فى عدد قليل من الدول، أما الغالبية العظمى من هذه الدول فهى النامية ومنها الدول الافريقية وخصوصا الفقيرة منها فلم تنل نصيب يذكر، وهكذا فإن نحو 90% من تدفقات رأس المال الخاص الى البلدان النامية تركزت فى 12 بلدا فقط معظمها بلدان متوسطة الدخل فى شرق آسيا وأمريكا اللاتينية، بينما لم تحصل الدول الافريقية والدول منخفضة الدخل عموما الا على الفتات، بل أن عددا من الشركات متعددة الجنسيات بدأت تصفى وانخفضت عملياتها فى الدول الافريقية الفقيرة، ومنها شركات ذات وجود قديم فى هذه الدول، وقد اصطحب تركز رأس المال باتجاهات مماثلة بالنسبة للعمالة وخصوصا العمالة الفنية الماهرة، حيث تحاول النزوع وراء الأجور المرتفعة خارج بلادها واستمرار هذه الاتجاهات من شأنه ان يزيد من التفاوت فى توزيع الدخل العالمى ومن عدم العدالة فى توزيع ثمار العولمة، أيضا لقد أدى تحرير التجارة المصاحب للعولمة الى تعريض الصناعات فى الدول النامية الفقيرة وخاصة الدول الافريقية وهى أساس صناعات احلال للواردات، لمنافسة شديدة من جانب السلع المستوردة ومع عجز هذه الدول عن مواجهة هذه المنافسة فى ظل أوضاعها الاقتصادية والتكولوجية والادارية الراهنة، فإن هذا الاتجاه من شأنه أن يدمر القطاع الصناعى الناشئ فى هذه الدول، ويحملها تكاليف اجتماعية باهظة فى صورة بطالة متزايدة وتدهور لمستويات المعيشة للطبقات العاملة. كما ان عولمة الاسواق مضافا اليها الضغوط من أجل التحرير الاقتصادى أدت الى جعل الدول النامية أكثر اعتمادا على الواردات الغذائية، فمن بين 132 بلدا ناميا توافرت عنها احصاءات هناك مالا يقل عن 104 بلدان تعتبر مستوردا صافيا للغذاء، ومن هذه الأخيرة نجد حوالي 98 دولة تصنف على أنها دول منخفضة الدخل تعانى من عجز ويقع عدد كبير من هذه الدول فى افريقيا جنوب الصحراء التى تعتمد على المعونات الأجنبية فى حوالى نصف وارداتها الغذائية، الا ان هذه المعونات مهددة نظرا للارتفاع المتوقع فى الاسعار العالمية للمنتجات الغذائية نتيجة تطبيق قواعد اتفاقية الجات، ومن ناحية أخرى فإن تزايد عولمة الأسواق جنبا إلى جنب مع تزايد التحضر فى الدول النامية أدى الى تحول الانتاج من المحاصيل الغذائية النقدية وخصوصا التصديرية، وقد استأثرت هذه الأخيرة بالاراضى الأكثر جودة مزحزحة المحاصيل الغذائية الى الاراضى الاقل جودة، وقد عزز من هذا الاتجاه سيطرة الشركات متعددة الجنسيات على انتاج الكثير من محاصيل التصدير فى الدول النامية وتحكمها فى تجارتها وفى أسعارها وتتضح هذه السيطرة فى البيانات التالية، هناك 6 شركات تسيطر على 85 من تجارة الحبوب، وهناك 8 شركات تسيطر على 80% من البن، و7 شركات تسيطر على 90% من تجارة الشاى، و3 شركات تسيطر على 83% من تجارة الكاكاو، ومن ثم فإن الاتجاهات الراهنة فى الاقتصاد العالمى والتى تشير الى تنامى حركة العولمة ستجلب آثارا عميقة فى البلدان النامية وخصوصا تلك التى تعانى من تشوهات هيكلية داخلية ومن تدهور فى مركزها الخارجى وتفاقم مديونيتها الخارجية ومن سوء الادارة الاقتصادية وعدم الاستقرار السياسى الداخلى، واذا كانت العولمة ستخلق فرصا جديدة أمام هذه الدول للاستفادة من منافع اتساع الأسواق وتزايد التدفقات الرأسمالية الخاصة والتقدم التكنولوجى، فإن للعولمة ايضا مخاطرها الكبيرة فى حالة هذه الدول عند اتخاذ التدابير اللازمة لحماية اقتصادها وشعوبها من الآثار العكسية للاندماج الاقتصادى العالمى، وفى نفس الوقت فإن محاولة الاندماج فى الاقتصاد العالمى بغرض الاستفادة من مزاياه وتجنب مخاطره ليست بالأمر السهل أو اليسير. ويكفى لبيان أثر العولمة على افريقيا ان نراجع تقارير التنمية البشرية للأمم المتحدة حيث نلاحظ أن العولمة خلقت هوة واسعة بين الشمال والجنوب فقد تضاعفت الفجوة ثلاث مرات بين دخل الفرد فى العالمين الصناعى والنامى وخاصة فى افريقيا التى يقل فيها متوسط دخل الفرد اليومى الآن عن متوسط الدخل منذ عشرين عاما مضت، كما أن ثلثى البلدان الأقل نموا فى العالم توجد فى افريقيا. خيارات مطروحة وقالت الدراسة أن هناك بعض الخيارات المطروحة أمام افريقيا لمواجهة آثار ظاهرة العولمة ومنها أولا محاولة تحديث الزراعة وتحقيق الأمن الغذائى حيث ثبت أن تدهور الزراعة ومصاعب القطاع الصناعى أديا الى تضاؤل حصة افريقيا فى التجارة الدولية، فقد تناقص نصيب الفرد فى القارة السوداء من تجارة السلع الزراعية العالمية من 4% إلى 3% خلال الفترة من 1980 1994 بينما تزايدت حصة أمريكا اللاتينية عن نفس الفترة من 4.6% الى 22%. ثانيا: محاولة اصلاح النظام المالى الدولى الحالى وعموما فان مايهم افريقيا على الصعيد الدولى فى المناقشات الخارجية حاليا هو تنفيذ المقترحات الكفيلة بكيفية تدعيم أو اصلاح النظام المالى الدولى الحالى لمنع حدوث أزمات اقتصادية كتلك التى حدثت للنمور الأسيوية والتى أدت لوجود آثار سلبية على الاقتصاديات الافريقية مثل هبوط أسعار السلع الأساسية مع مايترتب على ذلك من اثار خطيرة على المنتجات الأولية التى تعتمد عليها معظم البلدان الافريقية، وانخفاض الاستثمارات الاسيوية فى افريقيا، وانخفاض الطلب على صادرات افريقيا من السلع الأساسية نتيجة تسوية فروق العملات، ومن ثم ينبغى لافريقيا ان تتخذ الخطوات اللازمة لاستمرار قدرتها على المنافسة ولتفادى آية اثار سلبية خاصة فى مجال التجارة والاستثمار ولضمان وصول تدفقات رأس المال الى القارة فى المستقبل ولمنع أى خسارة محتملة للأسواق بسبب زيادة المتنجات الزراعية المنافسة وهنا تبرز قضية تعزيز سياسات أفضل ومؤسسات أكثر فعالية على الصعيد الوطنى بما فى ذلك السياسات الاقتصادية أو الاجتماعية سواء من حيث النظم المالية القوية أو الهياكل الأساسية السليمة. وحول مستقبل القارة السمراء فى ظل العولمة ذكرت الدراسة انه على الرغم من أن افريقيا تمثل 1% فقط من تجارة العالم وتنوء بعبء النزاعات والأمراض والفقر والديون ويعيش أكثر من 40% من سكانها تحت خط الفقر وانخفاض مستوى العمر الى مايقرب من أربعين عاما وذلك بسبب انتشار مرض الايدز، فإن هذا لا يعنى ان افريقيا بلا مستقبل فى ظل العولمة، بل على العكس فالقارة تعد سوقا هامة لم تصل اليها يد التطوير ولديها مايمكن أن تساهم به فى الاقتصاد العالمى من مهارات خلاقة ومواهب وثروات معدنية هائلة والأراضى الشاسعة التى يمكن ان تقدم الغذاء لباقى دول العالم، والنمو السكانى المتزايد، على انه اذا أرادت افريقيا أن يكون لها مكانا متميزا على خريطة العالم فى ظل العولمة فلابد أولا من تحديد أهم التحديات التى تواجه افريقيا ومسيرتها السياسية وتتمثل فى التحدى الاقتصادى من حيث فشل نماذج سياسات التنمية المتبعة وتعثر برامج التكيف الهيكلى، وتحدى الأمن والاستقرار ويتمثل ذلك فى الصراعات الممتدة وتصاعد الحروب الأهلية وامتداد الخلافات الاثنية والعرقية، وتحدى المجتمع المدنى المرتبط بالديموقراطية ودور مؤسسات المجتمع المدنى وتحدى العلاقات المدنية والعسكرية وامكانية تحول العسكريون الافارقة ليصبحوا مسيسين، ولعل من هذه الأمثلة نماذج نيجيريا والسودان. ويقتضى الأمر طبقا للدراسة عدة متطلبات حتى يكون لافريقيا مكانها المرموق ولعل أهمها اعادة بناء الدول الافريقية على أسس جديدة جنبا الى جنب مع العمل على اعادة تخطيط استراتيجيات التنمية الاقتصادية، فمستقبل القارة يعتمد بشكل واضح وصريح على التنمية الاقتصادية وهذا يقتضى سواء من الحكومات أو رجال الاعمال فى داخل القارة وخارجها أن ينهضوا بالاستثمار خاصة فى مجال التنمية الصناعية المعتمدة على القطاع الخاص، كما يتطلب تطبيق سياسات تجارية تحسن تنمية وتطوير الامكانيات الكامنة فى القارة خاصة فى مجال الموارد الطبيعية والبشرية ولاسيما أن شروط التجارة والتى اضطرت القارة للعمل وفقا لها قد تمت صياغتها حتى قبل أن تظهر الدول الافريقية للوجود، أيضا ينبغى الاستثمار فى مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات فهذا هو أهم مجال ويمكن أن يربح أكثر بالنسبة للمدى البعيد خاصة أن افريقيا هى أقل القارات اتصالا فيما بينها بحكم التراث الاستعمارى الذى توخى الحذر من الاتصال بين الدول الافريقية كما انه يمكن فى نفس الوقت استخدام الغاء الديون كنوع من الاستثمار وخاصة أن دول افريقيا تئن تحت وطأة الديون التى لا يمكن سدادها بحيث يزيد مبلغ خدمة الديون على المبلغ المخصص للانفاق على التعليم فى ثلاثين دولة افريقية ويمكن ان تتم عملية الغاء الديون بطريقة تتضمن أن تشجع المبالغ الجديدة المتاحة فى الوفاء بالحاجات الضرورية وتستطيع المنظمات غير الحكومية العاملة على المستوى الداخلى أن تلعب دورا هاما فى تأكيد أن المجتمع المدنى له صوت فى الكيفية التى تجعل الغاء الديون يعود بالخير على الطبقات الأكثر فقرا، وأخيرا تحتاج افريقيا بشكل أساسى الى السلام والأمن لأن استمرار الحروب الأهلية فى بؤر التوتر العديدة بالقارة يمثل استنزافا مستمرا لموارد افريقيا الطبيعية سواء من البترول أو المعادن أو الماس أو الموارد الأخرى وتقف حائلا امام الاستثمار الذى يتطلب كذلك جهودا شاقة ومشاركة من الجميع.