بيان الاربعاء: بدت الادارة الامريكية في الفترة الاخيرة منشغلة بما يكفي بالترويج للنظام الدفاعي الصاروخي، وعازفة باصابع قطعت اوتار السمفونيات الاستراتيجية وبخاصة منها تلك التي عزفها كلينتون وخرج منها باتفاق استراتيجي مع الصين. والدرع الدفاعية الصاروخية أو النظام الدفاعي الصاروخي يعتمد على أنظمة معقدة تم تناولها كثيرا، شاركت في بعض ابحاثه اسرائيل ويعتبر صاروخها «حيتس» احد اجزاء هذه الدرع. وتعمل هذه الانظمة معا بشكل منسق ومبرمج وهي: ـ نظام اعتراض صاروخي ارضي «قاعدة» يتألف من عربة اطلاق رئيسية وعربة توجيه فضائية، وهدف النظام هو تدمير الرؤوس الحربية القادمة. ـ رادار انذار مبكر متطور يقوم بمهمة الاكتشاف الاول للهدف ومتابعته اداريا. ـ رادار انذار مبكر متطور يقوم بمهمة الاكتشاف الاول للهدف ومتابعته اداريا. ـ رادارات تعمل بالاشعة وظيفتها تتبع الهدف وتمييزه. ـ نظام الادارة والقيادة والتحكم والاتصال في ارض المعركة وتتكامل فيه كل عناصر وانظمة السيطرة. ـ نظام الاشعة تحت الحمراء، يعمل وينطلق من الفضاء والذي يتم تركيبه على قمر صناعي ليوفر امكانيات الاطلاق والتتبع والاستهداف أو التهديف والتمييز حول الارض وهذا النظام سيحل فعليا محل الاقمار الصناعية الخاصة ببرنامج الدعم الدفاعي الموجود حاليا. ورغم فشل التجارب التي اجريت في يناير ويوليو عام 2000 فان 16 تجربة اخرى حتى عام 2005 ينتظر ان تحدد مصير هذا النظام حيث خطط لان يكون عشرون صاروخا جاهزة للاطلاق عام 2000 لتأمين خطة البنتاجون في نشر حوالي مئة صاروخ في الاسكا بحلول عام 2007، لكن لم يعلن عن نشرها وربما كانت ضمن قرار تأجيل كلينتون البت في امر الدرع. عوامل كثيرة تجعل من هذا المشروع خطرا على الامن القومي لكل دولة في العالم بضمنها الدول العربية رغم بعد المسافة، مثلما توجد عقبات كثيرة امامه. فاسرائيل احد مواقع الدرع الدفاعية، وليس خافيا ما اثير حول الجدار الذي تريد الولايات المتحدة اقامته ليلف اسرائيل بسور من الوسائل المضادة للصواريخ ووسائل الانذار المرتبطة ارتباطا مباشرا باقمار الانذار الامريكية في ولاية «كولورادو» الامريكية. وتشير مصادر بحثية إلى ان صدور قرار الانذار من ولاية «كولورادو» الامريكية وتبليغه إلى جبهة قرار اطلاق الصاروخ المضاد في اسرائيل لن يستغرق اكثر من دقيقة ونصف يحدد خلالها الصاروخ ونوعيته وعلامات تمييزه ومساره ويعمل المنظمون على تدميره في فضاء الدولة التي اطلقته وفوق اراضيها، وهذا يؤكد ان الدفاع الصاروخي الفضائي الجوي في اسرائيل مرتبط قياديا وعمليا بالولايات المتحدة. ومعروف ان مشروع هذا الجدار كلف حتى الان صنع 240 صاروخا مضادا من نوع «حيتس» و«باتريوت» وغيرها بقيمة 5 مليارات دولار تحملت الولايات المتحدة 72% منها ودفعت اسرائيل ما تبقى من اصل المساعدة الامريكية والبالغة 3 مليارات دولار سنويا. ويزمع الامريكيون وضع 60% من هذه الصواريخ في جبهة من الجبهات الثلاث «مصر، سوريا، والاردن» وكان يفترض ان يتم نشرها في مايو من العام الماضي، الامر الذي تم التكتم عليه وربما كان الانسحاب من لبنان جزءا من التغطية عليه وفق مصادر كثيرة. عقبات وحقائق عقبات كثيرة تشخص امام الادارة الامريكية ورئيسها جورج بوش الابن تجعل من التكهن بامكانية تنصيبه عام 2005 مسألة حرجة وموضع شكوك، منها: ـ على الرئيس الامريكي ان يتأكد اولا ثم يقنع الكونجرس ودوائر صنع القرار ان التهديد قائم فعلا وليس مجرد تكهنات. ـ ان ينجح في اقناع روسيا بتعديل اتفاقية 1972، والا فانه سيخاطر بقبول توتر العلاقات مع روسيا خاصة وان الاخيرة هددت باتخاذ اجراءات مضادة للدرع الصاروخية اذا ما اقامتها امريكا. ـ كلفة المشروع العالية يجب ان تطرح بشكل يجعلها مقبولة، فالاقتصاد الامريكي مثقل بميزانيات دفاعه. ـ توجد مخاوف حقيقية بدا ان لها وجودا من ان يشعل هذا النظام سباق تسلح جديد وخطير. ـ اثبات ان هذا النظام اذا ما تم تنصيبه، قادر على منع تحجيم الارهاب، فالتهديد الذي يتحدث عنه شيوخ الكونجرس يتمثل في وضع شخص ارهابي لقنبلة نووية في عنبر سفينة ودفعها إلى احد موانيء نيويورك، أو في حقيبة يحملها ارهابي على ظهره من تلك التي يستخدمها ملايين الامريكيين في رحلاتهم الاسبوعية. ـ ان يثبت الرئيس ان النظام الصاروخي قابل للتشغيل وان التكنولوجيا الخاصة بنشره بشكل فعال متوفرة. ـ حل اشكالية شبكة الاطلاق المتعددة أو الطرق الاخرى للاطلاق، والتي لا تميز بين صاروخ أو طائرة مدنية فهي تنطلق بمجرد تحديد هدف طائر أو متحرك، وربما يكون طائرا حط على صاروخ في قاعدة عسكرية ما. ـ محاولة الحصول على دعم سياسي كاف له، يتيح للرئيس اقناع معارضيه من الدول الحليفة والصديقة بضرورته، خاصة وان هذا النظام يخرق اتفاقات دولية ملزمة بها الولايات المتحدة. ولعل اخطر العقبات التي تحول دون توفير الدعم السياسي لهذا النظام المثير للجدل والذي طرح للمرة الاولى في عهد الرئيس الاسبق رونالد ريجان تحت اسم «حرب النجوم» معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية والتي يثير خرقها مخاوف من عودة الحرب الباردة وسباق التسلح من جديد ولكن هذه المرة بشكل اخطر واكبر. ويرى المراقبون ان الخطر الحقيقي في هذا الاطار هو التهديد الصيني الصاروخي الحالي لواشنطن وكوريا الجنوبية وتايوان واليابان، وهي حليفة استراتيجية للولايات المتحدة بمنطقة المحيط الهادي، كما يتمثل الخطر ايضا في تهديد الرئيس الروسي بوتين بان بلاده ستلغي من جانبها معاهدات السيطرة على السلاح النووي التي وقعتها مع واشنطن في حال قيام الاخيرة بنشر منظومة الدفاع الصاروخي التي يصطلح على تسميتها بـ «وليدة حرب النجوم». كثيرون يتساءلون عمن وراء اطلاق بوش لشيطان الدرع الدفاعية، لكن القليلين يعرفون ان ادوارد تيلر الذي صمم لأول مرة مشروع حرب النجوم هو العقل المدبر وراء «وليد حرب النجوم» مثلما كان وراء «حرب النجوم» نفسه. وتيلر، كما يقول احد منتقديه، شيطان يمشي على الارض، وهو خطير، بل يعد الاخطر في منظومة التفكير الدفاعي الامريكية، وهو المنظر الذي يقف وراء الحلم الامريكي بإقامة درع مضادة للصواريخ، وذهب منتقدوه لوصفه بان مهووس «بالرغبة في الفناء وهو الذي اتي بخطط جنونية للحرب النووية». يقول ديفيد شوكمان مراسل «بي بي سي» الذي تمكن بصعوبة شديدة من لقاء تيلر: «كان تيلر متشددا في اوساط خبراء الطاقة النووية، فقد كان يرى ان القنبلة الذرية لم تكن تتوفر على ما يكفي من قوة، ولذلك دفع الولايات المتحدة نحو صنع القنبلة الهيدروجينية»! ويضيف شوكمان «كان تيلر وراء ترسيخ فكرة ظلت تسيطر على التخطيط العسكري الامريكي إلى يومنا هذا»، ويقول البعض انه حمل الاتحاد السوفييتي على دخول سباق ما كان له ان يفوز فيه ابدا، وليس غريبا بعد ذلك ان نعرف ان تيلر وحده استطاع اقناع الرئيس الاسبق رونالد ريجان، وهو يركز عينيه النافذتين اللتين لاترفان قيد شعره، باطلاق برنامج واسع للبحث في مشروع تطوير درع وقائية من اي هجوم روسي. استندت فكرة تيلر على اقامة منظومة صواريخ اعتراضية واشعة ليزر يمكن ان تجعلا امريكا بمأمن ـ ورغم ان الحديث خارج المختبرات الامريكية يدور عن التهديد وعن الخارج الذي يضمر الشر وعن الاجانب غير المعروفين الذين يخططون لتدمير الولايات المتحدة، وفق ما ترسمه من سيناريوهات دوائر الاستخبارات الامريكية، الا ان العلماء الامريكيين لا يبدون بمثل ذلك التوجس، فمليارات الدولارات التي يتلقونها ما هي الا نتيجة لعمليات ضغط رهيبة تمارس في واشنطن. الدعم الداخلي والخارجي.. اين حدوده؟ اليمين الامريكي الذي يمثله الحزب الجمهوري يرى ان الدرع الدفاعية من الصواريخ تدخل في نطاق الحرب الوطنية وتسمي احدى جماعات الضغط نفسها بالحدود المرتفعة وتشبه مشروعها بنظام حماية براري الغرب الامريكي من الهنود الحمر في الماضي، وهو يتعلق عند الجمهوريين بأمر عقائدي وعقدي، يكاد يشبه سياقا دينيا. اما المحافظون والرافضون لهذه الدرع فهم يكثفون الجهود لكشف ان التجارب كانت مزيفة، وقد اظهرت لقطات فيديو لاشعة ليزر تدمر صاروخا، ان عمل الليزر كان مدعوما بشحنة من المتفجرات، ويقول المراقبون ان هذه هي القاعدة الغالبة في مشاريع البنتاجون الضخمة حيث ان صرف اموال ضخمة على مسألة ما يعني انه يجب ان يؤدي ذلك إلى نتيجة مهما كانت حتى ولو كانت مزيفة. اما الخارج الامريكي فقد بدا شبيها بالدبلوماسية الامريكية المتذبذبة بين الاعلان ثم التراجع عنه ثم توكيده مرة اخرى، حلفاء واشنطن كانوا حذرين في ابداء اجوبتهم أو ردود افعالهم، وركزوا على وعود بوش بالتشاور حول النظام الدفاعي الصاروخي وخطته في تخفيض احادي الجانب للاسلحة النووية، وعن نيته التحدث إلى روسيا لكنهم كانوا مهتمين فعلا بموقعهم في هذه المنظومة أو هذه الدرع. الصين وروسيا كانتا اشد واخطر المعارضين للدرع الدفاعية الصاروخية، فبعد الاعلان عنه بساعات، اعلنت مصادر دفاعية صينية ان الصين قامت ببناء موقعي منصات ثابتة لاطلاق الصواريخ في اقليمي فوجيان وجيانجشي بجنوبها الشرقي، بعد اعلانها انها وجهت صواريخها الباليستية باتجاه امريكا. قلق بكين تجاوز تحذيرها لواشنطن من عودة سباق التسلح ووصفها لوقف العمل بمعاهدة 1972 بانها ستحطم التوازن الاستراتيجي الشامل والاستقرار العالميين، إلى اعلانها العزم على بناء المزيد من منصات الصواريخ في اطار مشروع يسمى «الحائط الطويل» ويستهدف بناء حائط للصواريخ طويلة المدى موجه للولايات المتحدة وليس تايوان حيث يمكن للموقعين اللذين تم الانتهاء من بنائهما اطلاق صواريخ باليستيه طويلة المدى مثل «دونج فنج 31» التي يصل مداها إلى ثمانية آلاف كيلومتر. القيادة العسكرية الصينية لم تخف اعلانها عن استهدافها بهذا المشروع تغطية اهداف عسكرية امريكية في الباسيفيكي حيث يمكن اطلاق هذه الصواريخ على مجموعة قتال تابعة للبحرية الامريكية بعد فترة وجيزة من مغادرتها قاعدتها في هاواي على سبيل المثال، الامر الذي يجعل هذا الحائط رادعا للقوات الامريكية في الباسيفيكي. عدا عن ذلك فان الصين قامت ببناء منصات اطلاق للصواريخ المتحركة في اقاليمها الجنوبية الشرقية زودتها بصواريخ قصيرة المدى من طراز «إم90 وإم11» ويعد الاخير هو الاخطر حيث يمكنه اطلاق انواع من الرؤوس النووية الحربية النووية والكيماوية والنبضات المغناطيسية الالكترونية التي تصدر موجات صدمة الكترومغناطيسية ويمكنها ان تدمر المعدات الالكترونية مثل الرادار والكومبيوترات. اضافة لذلك فقد اعلنت انها بصدد بناء جدار صاروخي بحري يعد مصدا ودرع واقٍ في حال اطلاق صواريخ من منصات أو غواصات امريكية بحرية. اما ردة الفعل الروسية فقد جاءت على مستويين: الاول تمثل في رد الرئيس بوتين الذي هدد فيه بالغاء المعاهدات النووية اذا خرقت امريكا معاهدة 1972، ثم تطور هذا التهديد إلى رغبة في الاستماع لموفدي بوش وربما لعقد لقاء معه للتباحث حول الامر. اما المستوى الثاني فكان باعلان روسيا انها ستقوم بتفعيل قواتها المسلحة وقدراتها في الردع الاستراتيجي والعسكري، وتشير مجلة جينس ديفنس ويكلي (Janese Defence weekly) في عددها الصادر بتاريخ 25 ابريل لهذا العام ان اتحاد الشركات الروسي «ديفنس سيستمز» بدأ بتسويق نظام دفاع جوي جديد طويل المدى يعمل بالاشعة تحت الحمراء ويحمل اسم «فوينكس» ويمكن تركيبه على اشكال متنوعة من المنصات الارضية أو البحرية لاستكشاف الاهداف المعادية من دون الكشف عن موقع المنصة. ومع تفاصيل كثيرة لهذا الاعلان نجد انه يحمل نفس فكرة الدرع الدفاعية الصاروخية الامريكية مع فارق ان هذا النظام جاهز للتطبيق بل وللتسويق بينما النظام الدفاع الامريكي مازال مجهول الفاعلية. روسيا سوقت فكرة اخرى تعلقت بعرض اقتراح بانشاء منظومة دفاعية صاروخية لاوروبا استندت على اطر مشابهة للمنظومة الامريكية غير انها يتم تطوير انظمتها بشكل مشترك من قبل الدول الاوروبية ولن تكون روسيا ملزمة الا بتقديم تقنيات تلزم المشروع وهو ما يبقي هذه المنظومة حبيسة القدرة الروسية وهي تعيد روسيا كقطب عالمي مرة ثانية، وتعيد الحرب الباردة بالتالي من جديد.بقي ان ننتظر ماستسفر عنه المشاورات الروسية الامريكية وما ستسفر عنه رحلة دبلوماسية الصواريخ الامريكية من نتائج، لنستطيع بعدها ان نجيب عن السؤال الاهم والذي يستند إلى استقراء قدرة الادارة الجديدة على قيادة السياسة الخارجية والفصل بين جنرالات الحرب وسبل الادارة المدنية، فهو أمر ستستند اليه مصائر شعوب العالم اذا ما شطح الخيال الامريكي بحمق تجاه تصعيد التسلح وتصعيد الحرب الباردة، فلا مكان لحرب عالمية ثالثة