تكلم جورباتشوف فبدأ المستمعون في التثاؤب، الوجبات السريعة سلاح بارز في معركة «أمركة العالم» في آخر أيام الاتحاد السوفييتي نشرت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية رسما كاريكاتوريا ظهر فيه زعماء الكرملين الشيوعي سابقا ومن خلفهم الصور التقليدية الثلاث التي كانت تزين كل ردهات ومكاتب القادة الشيوعيين في العالم، صور ماركس ورفيقه انجلز ثم الزعيم لينين أما رسم «الواشنطن بوست»، فقد ظهرت فيه صور المفكر ماركس والمنظر إنجلز ثم الزعيم، مكدونالدز (!). وكان رسما معبرا عما آل إليه الحال في صميم الحياة السوفييتية حيث تحولت روسيا من تقشف الشيوعية إلى الاعجاب إلى حد الانبهار بأسلوب الحياة الأمريكية وهو الأسلو ب الذي ترفع فيه صور مكدونالدز وكنتاكي وبيتزاهت وديزني لاند فيما ترفرف على روابيه رايات الكوكاكولا المشروبات العالمية. كان هذا في السنوات الأولى من عقد التسعينات وهى الفترة نفسها التي شهدت ظاهرة يمكن أن نضعها من جانبنا بعبارة تقول: «تدويل مكدونالدز» أو بعبارة أخرى تقول: عولمة مطاعم الوجبات السريعة. تحقيق الذات أمريكياً في هذا السياق يقول مؤلف كتابنا: بعد أن دخلت صناعة الطعام الشعبي السريع حلبة المنافسة الضاربة داخل أمريكا ، تطلعت كبرى سلاسل الوجبات السريعة إلى الأسواق الخارجية فيما وراء البحار وهو ما وصفته مؤسسة مكدونالدز مؤخرا بعبارة مؤداها ما يلي: انه تحقيق الذات على النطاق العالمي أو العبارة (تقول حرفيا): التحقيق الكوكبي. ومنذ عشر سنوات كانت مكدونالدز تملك نحو 3 آلاف مطعم فقط لا غير خارج أمريكا ولكنها باتت اليوم تملك نحو 15 ألف مطعم في أكثر من 117 بلدا في طول الكرة الأرضية وعرضها. أكثر من هذا أن مكدونالدز تفتتح نحو 5 مطاعم جديدة يوميا منها أربعة مطاعم على الأقل خارج الولايات المتحدة. ومديرو المؤسسة يتطلعون إلى فتح وتشغيل المزيد من تلك المطاعم باعتبار أن معظم أرباح مكدونالدز وكنتاكي وغيرهما من سلاسل الوجبات السريعة على الطريقة الأمريكية أصبحت تأتي من أنشطتها فيما وراء البحار. وقد بلغ الأمر، وهذا ما يهمنا من جانبنا كعرب وكعالم ثالث الحد الذي يقول معه مؤلف الكتاب ما يلي (ص 229): يتم حاليا تصدير القيم والأذواق والأساليب الصناعية التي تنطوي عليها صناعة الوجبات الأمريكية السريعة إلى كل ركن من أ ركان المعمورة بما يساعد على إيجاد ثقافة دولية متجانسة يطلق عليها عالم الاجتماع الأمريكي بنجامين باربر شعارا هو: مكدوورلد (عالم مكدونالد) ويضيف المؤلف قائلا: لقد أصبحت سلاسل الوجبات السريعة رموزا مبجلة للتطور الاقتصادي في الغرب وهى أول من يصل من (قبيلة) الشركات متعددة الجنسية العملاقة فور أن يفتح أي بلد أسواقه فتشكل بذلك طلائع التوكيلات وحقوق الامتياز (فرانشايز) الأمريكية، ومنذ 15 سنة افتتح مكدونالد أول مطاعمه في تركيا ولم يكن يجاوره أي مطعم أجنبي، واليوم تحتوي تركيا على مئات من المنافذ الأجنبية التي تعمل بموجب هذه التوكيلات وهي لا تقتصر، طبعا، على صناعة المطاعم ولكن تشمل توكيلات في مجالات العقارات والسيارات والبريد السريع الممتاز. ثم يتطرق المؤلف إلى نقطة نراها بالغة الأهمية بالنسبة لنا أيضا حين يقول: أن دعم نمو هذه التوكيلات ذات المنشأ الأمريكي أصبح يشكل جزءا من السياسة الخارجية للولايات المتحدة لدرجة أن وزارة الخارجية في واشنطن تنشر الآن دراسات تفصيلية عن فرص التوكيلات (فرانشايز) المتاحة في الخارج وهي تدير برنامجا يحمل شعارا المفتاح الذهبي في كثير من سفاراتها في مختلف الأقطار يهدف إلى مساعدة أصحاب التوكيلات الأمريكية على أن يجدوا شركاء لهم من تلك الأقطار. ويضرب المؤلف نموذجا على فعالية هذا النمط من النشاط الأمريكي والنموذج استقاه المؤلف من تجربة الصين مع مطاعم مكدونالدز المؤلف في هذا السياق يشير إلى ملاحظة أبداها عالم الإنثربولوجيا الصيني يوكسيانج يان وقال فيها: ان مكدونالدز يمثل عند المستهلكين والزبائن في العاصمة الصينية بكين واقع ثقافة أمريكا وما تعد به من آفاق التحديث. ويعلق مؤلف كتابنا بعبارات تقول (ص 230) في سنة 1992 وقف سكان عاصمة الصين بالآلاف في صفوف تتذرع بالصبر الجميل لكي يتاح لهم، بعد ساعات طويلة، أن يأكلوا في أول مطعم مكدونالدز افتتحوه هناك. وبعد ذلك بسنتين ـ يضيف المؤلف ـ شهدت الكويت افتتاح أول مكدونالدز فكان أن وقفت سيارات الزبائن في إنتظار خدمة المطعم صفا بلغ طوله نحو 10 كيلو مترات. وفي المملكة العربية السعودية سجلت مبيعات مطعم كنتاكي الجديد الذي افتتحوه في التاريخ نفسه أرقاما قياسية. وفي البرازيل أصبح مكدونالدز هو أكبر رب عمل على الصعيد القومي. تاتشر كانت أحسن ليس بالغريب، إذن، أن تتحول احتكارات الطعام السريع إلى ما يكاد يشبه اقطاعيات امبراطورية كما يصفها المؤلف بحيث ترسل سفراءها ومبعوثيها إلى طول العالم وعرضه، وإلى حيث تفتتح (جامعة هامبر) الموقرة في أولد بارك بولاية اللينوي حيث يتم التعليم بعشرين لغة أجنبية ولأن الهامبرجر تعانق مع السياسة، كما المحنا فلم يكن غريبا مثلا أن يدعو أباطرة الوجبات الأمريكية السريعة إلى اجتماع أو مؤتمر حاشد حافل يناقشون فيه قضاياهم، وطبعا أساليب تعظيم أرباحهم الطائلة أصلا، وكان ذلك في 1 مارس عام 1999 في فندق ميراج في مدينة لاس فيجاس عاصمة ا لقمار واللهو في أمريكا، وكان تجمعا غريبا حضره المؤلف وعمد إلى وصفه بأنه يشكل أدهى تجربة سريالية (متناقضة وتدعو إلى السخرية) عايشها خلال السنوات الثلاث التي أمضاها باحثا في عالم الوجبات السريعة قبل إخراج الكتاب الذي استعرضناه معا في هذه السلسلة من الأحاديث. كيف لا وقد كان الخطيب الرئيسي في اجتماع بارونات الوجبات الأمريكية هو ميخائيل جورباتشوف، آخر رئيس لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية، التجربة أماطت اللثام عن مدى القوة وفعالية التأثير وعمق النفوذ الذي أصبحت تتمتع به سلاسل الطعام السريع في أمريكا ونوعية النظام العالمي الجديد، ولقد بدا اختيار جورباتشوف غريبا كي يكون المتحدث الرئيسي في المؤتمر المذكور كان بدوره شخصية ذات أبعاد متناقضة دعا إلى اعادة البناء فإذا بالبناء كله ينهدم من أساسه، يتمتع بالإحترام في العالم الخارجي لأنه أنهى الاتحاد السوفييتي ويحوز الاحتقار بين مواطنيه الروس أو بين معظمهم لأنه، أنهى الاتحاد السوفييتي وفي انتخابات روسيا الرئاسية لم يتورع عن ترشيح نفسه عام 1996 فإذا به لا يحصل سوى على واحد في المائة، نعم واحد فقط من مجموع الأصوات، كان قد أصبح خاوي الوفاض، فإذا به في العام الذي تلاه يعرب عن إعجابه علنا بسلسلة الوجبات السريعة في أمريكا، ولم يتورع وقتها عن كتابة مقدمة لكتاب أصدره أحد مديري سلسلة مكدونالدز بعنوان «إلى روسيا مع البطاطا» وطبعا كان هذا على وزن الفيلم الشهير بعنوان «إلى روسيا مع المحبة». وفي العام 1997 نفسه فوجئ الناس بالرفيق جورباتشوف، الرئيس السابق لمجلس السوفييتي الأعلى السكرتير الأول للحزب الشيوعي الذي كان حاكما في روسيا، يظهر في أحد اعلان بيتزا هت أسوة كما يقول مؤلفنا بالممثلة سندي كروفورد ويقال انه تقاضى 160 ألف دولار عن الاعلان الذي استغرق 60 ثانية، ولم تمض سنة واحدة حتى انسحبت مؤسسة البيتزا واغلقت أبوابها في روسيا بحكم أفلاس اقتصادها في عهد يلتيسن، فيما أبلغ جورباتشوف صحفيا ألمانيا بأن النقود التي تقاضاها ذهبت بدورها إدراج الرياح! ثم ها هو جورباتشوف يظهر من جديد هذه المرة في مدينة اللهو والقمار والشراب لاس فيجاس وقد وعدوه بدفع 150 ألف دولار لقاء الخطاب الذي يلقيه في إفتتاح مؤتمر بارونات وجبات الغذاء السريع، يومها بدأ جورباتشوف خطابه بإعلان أنه يحب أمريكا وشعبها، ولكن مع السطور الأولى من الخطاب بدأ الجالسون يفتقدون الاهتمام بل مال بعضهم إلى النعاس، كان معظمهم من مديري المطاعم الذين لا علاقة لهم بالسياسة كانوا يهتمون بالسلطات والمقليات والمحمرات، فما بال هذا الرجل يكلمهم عن سياسة بريماكوف وتحولات الإقتصاد الروسي وعمليات غرو منغوليا، بدا جورباتشوف سياسيا عجوزا جاءهم من حقبة أصبحت شاحبه وبعيدة، وشتان بين كلامه في السياسة واهتمامات الجالسين في السندوتشات، وعلى الرغم من التثاؤب، وإنقطاع الاهتمام، فلم يسكت جورباتشوف عن الكلام، وبعدها بدأ البعض يتركون مقاعدهم قاصدين باب الخروج وساعتها سمع المؤلف أحد مديري المطاعم يقول لزميله: تاتشر كانت أفضل. ذلك لأن مرجريت تاتشر، وكانت قد أصبحت رئيس وزراء سابقا، كانت قد القت بدورها خطابا في افتتاح مؤتمر مديري المطاعم في العام السابق، ولم يقل لنا المؤلف كم تقاضت المرأة الحديدية القادمة من بريطانيا ولكنه استعرض معنا (ص 239) أبرز الشخصيات التي كانت مدعوة إلى مؤتمر أباطرة الهامبرجر بارونات السندوتشات، وكانت بينهم اليزبيث دول، وكانت مرشحة لرئاسة أمريكا عن الجمهوريين. وكان بينهم حتى لا ننسى الجنرال كولن باول الذي أصبح، كما لاشك تعرف، صاحب المعالي وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية. أمركة العالم يضيف المؤلف قائلا: لقد أفضى سقوط الشيوعية السوفييتية إلى ظاهرة لم يسبق لها مثيل في التاريخ وهي: أمركة العالم. وقد تجلت هذه الظاهرة في إزياد رواج وشعبية ما تنتجه أمريكا من الأفلام واشرطة الفيديو وتسجيلات الليزر الموسيقية وبرامج التليفزيون والملابس، كل هذه السلع تقلد مظاهر الأمركة التي يستخدمها العالم. إلا أن منتوجات الطعام السريع هي التي يلتهمها العالم. وعندما يأكل الناس في أقطار الدنيا طعام الأمريكيين فهم يقتربون في الشبه مع الأمريكيين ولو من هذه الناحية بالذات. يبادر مؤلفنا مستدركا أو منبها إلى أن هذا التماثل في الأمركة ليس بالأمر الإيجابي على طول الخط..يقول (ص240 وما بعدها): أن في أمريكا أكبر نسبة سمنة في العالم بالنسبة للبشر أكثر من نصف البالغين ونحو ربع الأطفال في أمريكا يعانون من الامتلاء بالشحم واللحم والوزن الزائد إلى حد البدانة وجاء ذلك عبر عقود عديدة ماضية من تناول أطعمة الغذاء السريع المليئة بأنواع الشحوم، حتى أن معدل البدانة بين الأمريكيين البالغين يصل الآن ضعف ما كان عليه في عقد الستينيات ومعدل البدانة بين أطفالهم ضعف ما كان عليه في أواخر السبعينيات. وفي هذا يقول البروفيسور ـ جيمس هيل وهو حجة في علم التغذية: نحن في أمريكا لدينا أكثر أجيال الأولاد بدانة وأقلها لياقة على الإطلاق. ومع ذلك يوضح المؤلف المحاولات والجهود الرامية إلى التوصل إلى تقديم الوان وأطباق صحية ومفيدة غذائياً في مطاعم الوجبات السريعة بيد أن المشكلة تتمثل في أن تطوير ذوق الفرد يدفعه إلى الشغف بالأطعمة الدسمة في الطفولة، يصعب معه التخلي عن هذا الذوق أو الشغف في فترات النضوج. ربما لهذا أعلنت الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال في عام 1995 حربا شعواء على الاعلانات التي تصوب تحديدا أو تسدد عمداً إلى الأطفال لإغرائهم على تناول هذا النوع من الأطعمة ، الضارة بتكوينهم وصحتهم في فترات النضوج الأطعمة الناجمة عن امبراطورية الشحم والدهن كما يصفها مؤلف كتابنا. في هذا الصدد قالت الأكاديمية الطبية المذكورة: إن الاعلانات الموجهة إلى الأطفال تنطوي في صميمها على الخداع وهي تستغل الأطفال دون الثامنة من العمر. طبعا، لم توص الأكاديمية بحظر تلك الأعلانات باعتبار أن ذلك أمر غير عملي من جهة ويتعارض مع مبدأ حرية التعبير المكفولة بالدستور من جهة أخرى. لكن المؤلف مازال ينبه إلى ضرورة أن يتخذ الكونجرس مزيدا من الإجراءات ويشن ما قد يصلح من القوانين التي تكفل التقيد بالضوابط الصحية والاعراف السلمية في سلاسل الوجبات السريعة لكنه يشترط أن تشمل الاصلاحات حلقات سلسلة الوجبات السريعة بأكملها إبتداء من المرعى وحظيرة التربية للمواشي بوصفها أول وأهم مصادر هذه النوعيات من الغذاء ومرة أخرى فلم تعد صحة الماشية والسهر على عافيتها وخلوها من الأمراض ترفا ولكنه بعد الدرس الإنجليزي والأوروبي أصبح حتمية لا غنى عنها لصحة الإنسان. وبعدها تشمل الإصلاحات والعمليات والعاملين في مجالات الذبح والتجهيز والتنظيف والتعبئة المتصلة بصناعة اللحوم، فضلا عن مراقبة أنواع الزيوت والدهون والشحوم المستخدمة وأنواع المواد المضافة التي تشكلها فئات (مكسبات الطعم والمذاق) بحيث لا تشوبها مواد كيميائية ذات محتويات خطرة على صحة البشر. ولاسيما الأطفال، ناهيك عن ضرورة تدريب العاملين في مطاعم الوجبات السريعة على اتباع أصول النظافة الصحية واللياقة الشخصية. حدد سبيلك بنفسك فماذا إذا لم يحقق شئ من هذا ؟.. ماذا إذا استمرت أمور الخطر تجرى في أعنتها؟ هنا، يؤكد المؤلف في أخر سطور الكتاب أنه لا حل سوى إرادة المستهلك النابعة من وعيه ومن حرصه على صحته وصحة من يعول. في هذا الصدد يختم المؤلف الأمريكي كتابه بعبارات يقول فيها: إجذب الباب الزجاجي كي تفتحه لتصافحك نسمات الهواء المبرد، أدخل وقف في الصف، ثم أنظر حولك.. تأمل الأولاد وهم يعملون في المطبخ وأدر الطرف إلى حيث يجلس الزبائن، وإلى حيث ترتفع الاعلانات للترويج لأحدث لعب الأطفال أدرس الصور الملونة المثبتة أعلى خلفية الكاونتر. ثم فكر في الطعام من أي مصدر جاء. وكيف وأين تم تجهيزه وتصنيفه. وبعدها حدد الصنف الذي ستطلبه، أو استدر إلى الباب الذي دخلت منه التماسا لسبيل الخروج. لم يفت الأوان بعد، وحتى في أمريكا، أمة الوجبات السريعة تستطيع أن تحدد بنفسك أي سبيل تسلكه.