التاريخ يكتبه المنتصرون دائما هذه حقيقة تراها ماثلة على ارض الواقع، وليست مجرد عبارة بليغة، واذا اردت التأكد وازالة شكوكك، ما عليك سوى التوجه إلى بلدة بينهموند الالمانية، في جزيرة اوسيدوم المطلة على بحر البلطيق والتي تحولت من كونها قاعدة صاروخية نازية شهيرة، احتضنت 18 الفا من ابرع العلماء والمهندسين لتطوير الصواريخ لجيش هتلر خلال الحرب العالمية الثانية، إلى معمل لتطوير برامج الفضاء الامريكية والسوفييتية، وآل بها الحال في ظل التغيرات التي لحقت بالمنظومة الدولية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والكتلة الاشتراكية إلى مجرد متحف، يقتات من عوائده 400 عاطل ومتقاعد هم كل سكان البلدة. ومن المقرر افتتاح المرحلة الثانية للمتحف الشهر المقبل. يقول ديرك زاخه، مدير متحف بينهموند الذي يجري العمل حاليا على توسيعه «في تلك السنوات كان العلماء والمهندسون يعيشون في أحياء سكنية تنعم بوسائل الراحة والترفيه والدفء، خلافا للعاملين بالسخرة الذين كانوا يعيشون في أكواخ بدائية في غابة مجاورة». ويشارك زاخه بالتعاون مع مجموعة من المؤرخين وخبراء متاحف في مشروع يهدف إلى إظهار الدور الذي لعبته بينهموند في المراحل الاولى لتكنولوجيا عصر الفضاء. ولاشك أنها فكرة بالغة الحساسية في ضوء الاصول النازية في بينهموند التي كانت تمثل في الفترة من 1936 إلى 1945 مسرحا لعمل لا يتوقف من جانب العلماء من البحث وتنفيذ مشروعات عسكرية سرية. وكانت قد تفجرت قبل عشر سنوات فضيحة دولية عندما تم على وجه السرعة تنظيم معرض بإشراف مجموعة من قدامى علماء ومهندسي بينهموند، وهو المعرض الذي تعرض لانتقادات مريرة في أنحاء العالم نظرا لانه كان يمجد «أعجوبة الاسلحة» التي تمخضت عنها عبقرية هؤلاء العلماء الذين سخرهم هتلر لهذا الغرض من خلال الحرب العالمية الثانية. وتفاقم الغضب الدولي بدرجة أكبر في عام 1992 عندما أعدت احتفالات بالجزيرة المطلة على البلطيق بمناسبة الذكرى الخمسين لاطلاق أول صاروخ نازي في الثالث من أكتوبر عام 1942. لكن الاحتفالات ألغيت في أعقاب هذا الاستياء الدولي رغم أن ذلك لم يمنع مجموعة من قدامى خبراء الصواريخ الالمان من المضي قدما في الاحتفال بطريقتهم «الخاصة» في زينوفيتس القريبة. ويقول زاخه مدير المتحف إن تغييرات هائلة طرأت على بينهموند التي استخدمها الجيش السوفييتي سابقا في أعقاب نهاية الحرب العالمية الثانية ثم بعد ذلك القوات المسلحة لالمانيا الشرقية الشيوعية سابقا.. وبعد انهيار الشيوعية، تم فصل أربعة آلاف طيار من قوات ألمانيا الشرقية سابقا، ثم الاستغناء بعد ذلك عن خدمات عدد مماثل من قوات المارينز البحرية في عام 1990 حيث أعيدوا إلى بلادهم. ويقول زاخه «اليوم يعيش حوالي 400 نسمة في بينهموند معظمهم من العاطلين عن العمل أو أرباب المعاشات. ولا يخضع دخل الفرد هنا لضريبة الدخل على الاطلاق». ويضيف زاخه إن المرحلة الثانية من مفهوم المتحف الجديد والتي ستكتمل في يونيو المقبل، ستركز على التعامل مع ما آل إليه مصير العلماء والمهندسين بعد الحرب. وبينما كانت مجموعة الصفوة التي كانت تلتف حول فيرنر فون براون محظوظة عندما نقلت جوا إلى الولايات المتحدة للقيام بدور رئيسي في أبحاث الفضاء الامريكية، فإن بعضا من علماء البحوث العسكرية في بينهموند تم اقتيادهم إلى الاتحاد السوفييتي السابق حيث ظلوا يعملون لسنوات في مشروعات الفضاء الروسية. وكان مركز بعض هذه المشروعات في سيبيريا الشديدة البرودة. د.ب.ا