هكذا أصبح الهامبرجر الطبق القومي في أمريكا، الأطفال أشد الفئات عرضة لمخاطر الوجبات السريعة ماهو أسوأ شيء في عمليات تصنيع وتجهيز وتعبئة اللحوم اللازمة لصناعة الوجبات السريعة في مطاعم الغذاء الشعبي الحديثة؟ سؤال طرحه مؤلف الكتاب، إريك شلوسر على صفحة 176 وأجاب عليه بتفصيل مقبول على النحو التالي: الأسوأ يتمثل في أشد الأعمال أو المهام خطورة في اطار تلك الصناعة التي تمس مباشرة غذاء وصحة الناس. تلك المهام التي يقوم بها عمال التنظيف في نوباتهم الليلية المتأخرة. معظمهم عمال من المهاجرين غير الشرعيين الذين يعيشون في أمريكا وهم يتلفتون من حولهم في كل لحظة خشية الانكشاف وقطع الرزق والترحيل، يقوم على تشغيلهم مقاولو أنفار مستقلون ويدفعون لهم ثلث ما يتقاضاه العامل العادي وهم يزاولون أعمالا في غاية البشاعة والخطورة إذ يقومون بتنظيف مجازر الولايات المتحدة وهو عمل يصفه الخبراء بقولهم: تلك مهمة لا يرتضي بادائها سوى واحد من اثنين: إنسان في غاية الاخلاص أو إنسان في أقصى درجات اليأس. إنهم ينظفون يوميا المخلفات أو النفايات والقمامة الناجمة عن ذبح وسلخ وتقطيع أربعة آلاف رأس من الماشية يزن كل منها عدة آلاف من الأرطال، والنظافة ينبغي اتمامها قبل طلوع الشمس ويستخدمون مدافع تعمل بضغط المياه المخلوطة بالكلورين الذي تصل درجة حرارته الى 180 فهرنهيت لدرجة أن يغشي المكان باستمرار سحابات من ضباب كثيف يجعل الرؤية معتمة والحركة شبه مستحيلة، فاذا هم في درجة حرارة تلف المكان وتصل الى 100 فهرنهيت ولا يرون ولا يسمعون شيئا وهم بهذا يسقطون وتزل أقدامهم وتمتلئ صدورهم بأبخرة المواد الكيميائية، ويتعرضون الى بتر أصابعهم وأيديهم أو أرجلهم اذا ما أساءوا التعامل مع ماكينات التقطيع ذات الشفرات المرهفة فيما تصاعد من حولهم أخبث روائح الدهن و الدم المتخثر القديم. ومن عجب أن السلطات الصحية فرضت تعويضات عن وفاة عدد من هؤلاء العمال كانوا ينظفون المستودعات الحاوية للدماء فماتوا اختناقا بفعل أبخرة كبريتيد الهيدروجين، وكان مبلغ التعويض الذي دفعه مصنع اللحوم هو كما ذكره المؤلف 480 دولار، نعم أقل من خمسمئة دولار لاغير عن حياة كل واحد من هؤلاء العاملين! خطر التسمم الغذائي وكما أن أحوال عمال اللحوم تعيسة، فالحالة ليست أفضل كثيرا في أمريكا بالنسبة لمستهلكي لحوم الوجبات السريعة، في هذا السياق يقول مؤلف الكتاب (ص195): في أمريكا يصاب كل يوم نحو 200 ألف انسان بمرض يسببه الغذاء الذي يتناوله ومن هذا العدد يدخل المستشفى يوميا 900 فرد ويموت منهم 14 انساناً، وفي هذا الصدد يحيل المؤلف الى مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها الذي يذكر أن أكثر من ربع سكان أمريكا يعانون من نوبة تسمم من الطعام (السريع) كل عام وإن كان معظم حالات التسمم هذه لا يتم ابلاغ السلطات عنها بحيث يتم تشخيصها على حسب الأصول. صحيح أن معظم هذه الحالات يشفى أصحابها بعد فترة معاناة صحية تدوم بضعة أيام، لكن الصحيح أيضا أن بعض هذه الأمراض تظل جراثيمها كامنة في أوصال الجسم، فتصيب الفرد بأمراض أخطر وأطول أمدا مثل مرض القلب والالتهابات المعوية وأمراض الجهاز العصبي والفشل الكلوي وأمراض نقص المناعة البشرية. والصحيح كذلك أن هذه الاصابات ومن ثم الأمراض الأخطر التي تتخلف عنها ناجمة، كما يذكر المؤلف، عن وجبات الأطعمة التي يتناولها الأمريكيون، هذه الحالات باتت الآن أوسع نطاقا وأكثر من حيث عدد الاصابات وتكرار الحدوث. ينقل المؤلف عن روبرت توكس، أحد خبراء الأمراض الناجمة عن الوجبات الغذائية السريعة، ويقول الخبير: زمان كنا نسمع عن اصابات التسمم الغذائي الجماعية في عشاء داخل كنيسة أو غداء في احتفال مدرسي أو نزهة عائلية خلوية أو حفل عرس، وكانت الأسباب ترجع أيامها الى سوء تخزين أو تقديم ومناولة الأطعمة. طبعا هذه الحالات ما زالت تحدث كما في الماضي، بيد أن النظام التصنيعي والمركزي الذي أصبح متبعا في أمريكا في مجال تجهيز وجبات الطعام (السريع) جاء ليوجد نوعية جديدة تماما من حالات اندلاع هذه الاصابات بالتسمم الغذائي بما يمكن أن يصيب مثلا ملايين من البشر، نعم، في أيامنا يمكن أن تندلع اصابات بعدة أمراض في مدينة صغيرة بسبب سلاطة بطاطا فاسدة قدموها في حفل شواء مدرسي بل إن مثل هذه الاصابات قد تكون أول العلامات التي تنذر باندلاع اصابات بصورة أوسع وأشمل تمتد على نطاق الولاية أو على نطاق أمريكا كلها بل وقد تتجاوز لتصل الى أقطار وشعوب خارج الحدود. الطبق القومي من هنا يحذر العلماء والأطباء من الاصابة بأمراض الجهاز الهضمي في المعدة والأمعاء بسبب بكتريا التلوث الغذائي التي تحمل اسم (أي.كولي) وخطورة الأمر أن المصابين يبدون أصحاء للوهلة الأولى فيما تكون أجسادهم حاملة لجراثيم هذا الميكروب اللعين. ويؤكد المؤلف بالتالي على أهمية التحقق من صحة الحيوانات المذبوحة التي يستمد من لحومها سندويتشات الهامبرجر الشهيرة التي أصبحت محل اقبال المستهلكين من كل الأعمار والأذواق لدرجة أن يخلع عليها المؤلف لقبا خاصا هو: الطبق (أو الصنف) القومي. وفيما ينطبق هذا الوصف على أمريكا بالذات (لازالت بعيدة عن أن تكون طبقا وطنيا أو قوميا في بلادنا اليعربية السعيدة لحسن الحظ أو على الأقل حتى كتابة هذه السطور) فالعجيب أن طبق شطيرة الهامبرجر أسيئ استقبالها في أمريكا نفسها لدى طرحها على موائد الأمريكيين في مطالع القرن العشرين: في هذا الصدد يقول المؤرخ ديفيد هوجان: كان الأمريكيون يعدون الهامبرجر طعاما للفقراء تعوزه النظافة والسلامة بالنسبة للآكلين. وكانت شطائره تباع على عربات الأكل الرخيص في الشوارع والأسواق الشعبية دون أن تجد طريقها الى المطاعم. بل كان النقاد المتخصصون (ص197) يقارنون بين تناول سندوتش الهامبرجر وبين (أن نلتقط اللحم الذي نأكله من صفيحة الزبالة). هنالك نشط آباء صناعة اللحوم، وفي مقدمتهم سلسلة (هوايت كاسل) الشهيرة. عمدوا الى وضع مواقد الشواء في واجهة المحل كي يطلع عليها الزبائن لحظة الدخول، ذكروا (يقول المؤلف حرفيا انهم ادعوا أو زعموا) أن اللحم الطازج يصلهم مرتين يوميا، ولا تنس أنهم اختاروا اسم السلسلة «هوايت كاسل» وهو بداهة «القلعة البيضاء» مرادفا لمعاني الحماية والستر والوقاية ناهيك عن معاني البراءة والنقاء والنظافة، بل بلغ بهم الحال (والشطارة) أن مولوا دراسة أجرتها جامعة مينسوتا وفي اطارها عاش طلبة كلية الطب 13 أسبوعا متواصلا لا يتناولون سوى سندويتشات الهامبرجر من مطاعم «هوايت كاسل» ولا يشربون سوى الماء الصافي القراح. ورغم أن مؤسسة هوايت كاسل نجحت بهذا في ازالة الوصمة اياها عن سندوتش الهامبرجر إلا أنها حققت كسلسلة مطاعم نجاحا محدودا بالقياس الى ما أحرزته من نجاحات سلسلة مكدونالدز الشهيرة في جنوب كاليفورنيا لماذا؟، لأنها صوبت دعاياتها وسندويتشاتها الى المستهلك المحوري الأساسي وهو طفل الأسرة المدلل المتوج على عرش القلوب، واستطاعت كما يضيف كتابنا أن تجعل سندوتش الهامبرجر (غذاء مثاليا للأطفال والصغار، ملائما ورخيصا ويمكن تناوله باليد (الطفل يصعب عليه استخدام الشوكة والسكين)، ويسهل مضغه في فم العزيز المدلل الصغير. من البورك إلى البيف يواصل كتابنا متابعته التاريخية يقول: (ص198): قبل الحرب العالمية الثانية كان لحم الخنزير هو أكثر الأغذية الشعبية رواجا في أمريكا ولكن جاء ارتفاع الدخول وانخفاض أسعار الماشية ونمو صناعة الوجبات السريعة ثم الجاذبة الجماعية الجماهيرية لسندوتش الهامبرجر جاء هذا كله في صالح تحول الاستهلاك الأمريكي من الخنزير (البورك) الى اللحم البقري (البيف) الذي أصبح انتاجه يستخدم في بدايات التسعينيات نصف العمالة الزراعية في أمريكا، ثم يصل مؤلفنا الى أن يقول: معدل الأمريكي العادي هو تناول 3 سندوتشات هامبورجر في الأسبوع وأكثر من ثلثي هذه الشطائر يكون مجلوبا من مطاعم الوجبات السريعة. أما الأطفال بين سني السابعة والثالثة عشرة فهم أكثر فئات الشعب الأمريكي استهلاكا للهامبورجر واقبالا عليه. ومع هذا الانتشار الرهيب وفي ظل هذا الاقبال غير المسبوق على صنف غذائي في التاريخ تظل المشكلة مجسدة في ضرورة التدقيق والتمحيص والفحص في نوعية ما يقدم من لحوم فالمواشي نفسها يمكن أن تكون مصابة (تأمل مثلا ما يحدث في انجلترا وأوروبا من جراء أمراض الفم والقدم والحمى القلاعية ناهيك عن السالمونيللا والإي كولي التي تصيب الجهاز الهضمي وهو مرض يمكن ان يكون معديا من شخص الى آخر وخاصة داخل نطاقات الأسرة أو النوادي الاجتماعية أو دور المسنين)، وهناك أيضا ما عرضناه مع كتابنا من عوامل التلوث خلال تجهيز اللحوم في المجازر والمصانع. واذا ما فيض لك أن تقرأ رواية «الغابة» (أو الأدغال) التي نشرها عام 1906 الكاتب الأمريكي ابتون سنكلير وصدرها بعبارات ممرورة قال فيها: هذه ليست حكاية الشاطر حسن ولا هي تدور حول خيالات الجن أو ست الحسن أو العفاريت، ولا هي نكتة طريفة نسوقها. وبعدها مضى سنكلير يحكي لقارئيه عما شاهده وعاينه بنفسه في مصانع تجهيز اللحوم التي ستقدم للشعب الأمريكي. ونحن من جانبنا سنعفي قارئ «البيان» الكريم من مواصلة عرض ما كشف عنه الكاتب الأمريكي القديم في هذا الصدد حتى لا يصاب الناس بالقرف والغثيان. حسبنا أن نشير الى دور الابداع الأدبي رواية «الغابة» ليست تحقيقا صحفيا وقائعيا والى دور الاجتهاد الفكري ومسئولية الكاتب والصحفي ازاء قارئيه وأبناء شعبه في أن يدرس لصالحهم ظواهر السلبية ويعمل جاهدا على ابلاغ رسالته التي يبتغي فيها وجه الحقيقة وصالح الوطن وصحة الناس، ونريد أن نؤكد في هذا السياق أيضا دور الكلمة بكل أشكالها الابداعية في تغيير مسارات المجتمع الى ما يمكث في الأرض وما ينفع الناس ألم تفض رواية كوخ العم توم الى اندلاع حركة تحرير العبيد في أمريكا؟، ألم تفضي كتابات فولتير وجان جاك روسو وديدرو الى توعية الناس بالظلم فكان أن شبت ثورة فرنسا الكبرى مطالبة كما لاشك تعرف بالحرية والاخاء والمساواة وهكذا فعلت رواية أبتون سنكلير في تفتيح العيون وتعزيز الوعي الى مراعاة قواعد الصحة والسلامة في تقديم الأطعمة اللحوم بالذات الى جماهير المستهلكين؟ لماذا؟ لقد حاولت مؤسسات كثيرة وقتها أن تصلح أحوالها، وكان ذلك مع مطالع القرن العشرين لكن مؤلف كتابنا الحالي إريك شلوسر ما زال ينقد موقف مؤسسات واحتكارات الوجبات السريعة التي تعمل في أيامنا هذه، مطالع القرن الحادي والعشرين. لماذا؟ يقول المؤلف أن سلاسل احتكارات الوجبات السريعة مطالبة بأن تحذو حذو شركات السيارات الكبرى، حين تكتشف دوائر صناعة السيارات عيوبا فنية، هيكلية أو تشغيلية في أي ماركة سيارات في السوق، تبادر لفورها الى سحب كل السيارات المباعة، وتقول ذلك وسط حملات اعلامية تطالب كل من اشترى أي سيارة من تلك الماركات أن يعيدها الى المصنع من أجل اصلاحها أو استبدال سيارة جديدة بدل تلك التي ثبت أن بها عيوبا وسلبيات، صحيح أن شركات السيارات الكبرى تتكلف في ذلك الشيء الفلاني، كما يقولون مما قد يصل الى خانة عشرات، بل مئات الملايين ولكن الصحيح أيضا أن في الأمر ما يضفي مصداقية على منتج السيارة بفضل ما يبديه من حرص على سمعته من جهة وعلى حياة الناس وسلامتهم من جهة أخرى. المؤلف يهيب بمؤسسات الطعام السريع أن لا تتملص من مسئوليتها ازاء ما تقدمه من ألوان هذه النوعية من الوجبات الشعبية اذا ما أصيب المستهلكون بأمراض لاسيما التسمم الغذائي عليها أن تبادل فتعترف بالخطأ أولا، وتنبه الناس الى الخطر ثم تسحب من السوق ما تكون قد طرحته في مطاعمها ومنافذها من تلك الأصناف والألوان، المهم هو الاعتراف من دون تكبر أو تجاهل أو إنكار أو إستعلاء. ومع ذلك فلا يزال الأمر بحاجة الى مزيد من جلاء وتأكيد. وما زال المؤلف ينبه الى ضرورة أن تبادر وزارة الزراعة وادارة الأغذية والعقاقير في أمريكا الى تحمل ما أنيط بكل منهما من مسئوليات. وعندما شهد شهر فبراير 1999 فضيحة طرح كميات هائلة من اللحم البقري المفروم وقد تناثرت في طياتها قطع من شظايا الزجاج، وفي غمار الهلع الذي أصاب المستهلكين، كان كل ما فعلته احتكارات اللحوم في أمريكا هو الاعلان عن استرجاع 10 آلاف رطل من اللحم المخلوط بالزجاج دون أن تحدد أسماء المحلات والمنافذ التي تلقت هذه الشحنات البالغة الخطورة ويومها ـ يوضح المؤلف ـ قال أحد كبار المسئولين عن الشئون الصحية: (إن الأمر انطوى على احباط عميق لنا وعندما رفضوا تحديد أسماء المحلات والمنافذ فقد ظللنا متأكدين من أن اللحم الموبوء بقطع الزجاج بقى على أرفف محلات السوبر ماركت ولم يزحه أحد من مكانه، ولم يعد في أيدينا ما نستطيع أن نفعله إذ لم يوافنا أحد بما يكفي من المعلومات). ومثل آخر، فعندما قرروا استرجاع ربع مليون رطل بقري مفروم في يونيو سنة 2000 بدا الاعلان وكأنه دعاية لاحتكارات لحوم الوجبات السريعة وعن أفضالها ومآثرها في مجال السلامة الصحية بدلا من أن يتحدث عما ثبت معمليا من أن كميات اللحم المسحوبة أو المستعادة كانت مصابة بفيروس التلوث المعدي والمعوي الذي يودي بصحة الانسان. وكانت ادارة الرئيس كلينتون السابقة قد طرحت مشروع قانون في الكونجرس يخول وزارة الزراعة الأمريكية مزيدا من السلطات لمراقبة عمليات تجهيز وتصنيع اللحوم وفرض اجراءات استعادة الكميات من اللحوم والأطعمة المشكوك في تلوثها وفرض غرامات على احتكارات المربين وصناع اللحوم في انحاء أمريكا، إلا أن أعضاء الكونجرس من الحزب الجمهوري الحاكم حاليا (ناضلوا) ضد هذا القانون حتى أحبطوه وقتلوا تماما كما رفضوا اصدار قوانين مماثلة سبق طرحها، كما يذكر المؤلف في أعوام 1996، 1997، 1998، 1999 وبلغ الأمر الحد الذي جعل وزير الزراعة وقتها دين كليجمان يقول: إننا نستطيع فرض غرامة على أي سيرك يتهم باساءة معاملة الفيلة، ولكننا لا نستطيع فرض أي غرامة على الشركات التي تنتهك معايير سلامة الأغذية التي تقدم لملايين المستهلكين.