في غرفة جيدة التهوية تطل على مضيق البوسفور تعد زهرة كولاكسيز وهي طالبة جامعية جميلة في الثانية والعشرين من عمرها الايام الباقية لها في هذه الحياة. وبدأت كولاكسيز اضرابها عن الطعام منذ 178 يوما احتجاجا على احوال السجون التركية. وتضرب امرأتان ورجل عن الطعام في نفس السجن. ولا يثق اي من هؤلاء المضربين عن الطعام كثيرا بان الحكومة التركية ستستجيب لمطالبهم بتحسين الاحوال في السجن قبل ان يموتوا. وقالت كولاكسيز في صوت خافت متحشرج «لا تعير الحكومة قضيتنا اي اهتمام ولهذا فربما اموت قبل ان يسمعوا نداءنا». وتوفيت ثلاث نساء بينهن كانان شقيقة كولاكسيز البالغة من العمر 19 عاما في السجن الواقع في احدى ضواحي اسطنبول الفقيرة بسبب الاضراب عن الطعام. وتقول جمعية حقوق الانسان التركية ان 22 شخصا توفوا من جراء الاضراب الجماعي عن الطعام وحذرت من ان 60 اخرين على وشك الموت. ويواصل نحو 300 نزيل وستة من اسر المساجين اضرابهم عن الطعام في محاولة للضغط على الحكومة لحملها على اعادة النظر في نقل النزلاء من سجن قديم يشبه عنابر النوم الى 11 سجنا جديدا يتكون كل منها من 11 طابقا. وتتكون السجون الجديدة التي تكلف بناء كل واحد منها 4.5 ملايين دولار من زنازين منفصلة. ويقول هؤلاء المضربون عن الطعام ان الزنازين المنفصلة ستزيد من مخاطر تعرض النزلاء للتعذيب الذي تقول جماعات حقوق الانسان انه لم يتوقف بعد في السجون التركية. ولم تعير الحكومة المحتجين اي اهتمام. كما ان تركيا التي اعتادت على انتقادات غربية لسجلها في حقوق الانسان تجاهلت نداءات من جماعات دولية بينها مجلس اوروبا ومنظمة العفو الدولية لانهاء ازمة السجون المستمرة منذ ستة اشهر. ويوم الاربعاء الماضي حث جونتر فيرهوجن مسئول توسيع الاتحاد الاوروبي انقرة على الاسراع في اصلاح احوال السجون التركية قائلا «بغض النظر عن الاراء السياسية لمنظمي الاضراب فان الموقف الحالي من وجهة نظرنا يثير قلقا من الناحية الانسانية». وتتهم السلطات التركية المحتجين بانهم «ارهابيون» وتصر على ان السجون الجديدة المزودة بحمامات حديثة ومطابخ وافنية ملحقة تطابق معايير الاتحاد الاوروبي الذي تسعى تركيا للانضمام اليه. وقال رئيس الوزراء التركي بولنت اجويد الشهر الماضي ان حكومته لن تذعن للضغوط بسبب وفاة بعض المضربين عن الطعام ولن تغير موقفها في هذا الصدد. وقال اجويد «ليعلم الجميع ان السجون لن تكون مقرا للارهابيين مرة اخرى». وتسيطر جماعات من اعضاء الجريمة المنظمة والسجناء السياسيين على عنابر السجون القديمة التي تتسع لنحو 100 شخص ولا تتوفر بها الكثير من الامكانات. وتجند العصابات اعضاء جددا وتقوم بتهريب الهواتف المحمولة والاسلحة التي استخدمت في عمليات تمرد واحتجاز رهائن. ففي ديسمبر الماضي قتل جنديان و30 سجينا عندما اقتحمت قوات الامن عددا من السجون في انحاء البلاد لانهاء تمرد. وبعد ذلك قل الاهتمام العام بالمضربين عن الطعام كثيرا واصبحت الصحف لا تعير هذا كثيرا من المساحة في الوقت التي تواجه فيه البلاد ازمة مالية حادة تستحوذ على جل الانتباه. ويقول جوناثان سوجدن من منظمة مراقبة حقوق الانسان في نيويورك ان السلطات التركية تفرض تعتيما كبيرا على انباء السجون وهي التي تقدم المعلومات عن السجناء وهي غير مستعدة للتعاون في هذا المضمار. ورفضت وزراة العدل طلبات لاجراء مقابلات مع السجناء. وعدل البرلمان التركي «قانونا لمكافحة الارهاب» في بداية الشهر الجاري من اجل السماح لبعض السجناء السياسيين بدخول مناطق تضم طوائف معينة. ويقول سوجدن من اسر السجناء انه لم يستفد اي سجين من القانون الجديد بعد وان الحظر لا يزال مستمرا. وقال سوجدن «يجب عليهم القيام بكل ما بوسعهم خلال هذه الفترة الحرجة ليرى المضربون عن الطعام انهم يتحركون في الاتجاه الصحيح.. الا انه بدلا من ذلك هناك توقف كامل». وتقول كولاكسيز التي يضرب عمها عن الطعام في احد السجون ان الاضراب عن الطعام هو اخر ملجأ لها. واعتقلت الشرطة التركية مئات المتعاطفين مع المضربين خلال مظاهرات في الشوارع العام الماضي. وبدأ اول اضراب عن الطعام في 20 اكتوبر الماضي واستطاع هؤلاء الصمود عن طريق تناول السوائل والسكر والملح واقراص الفيتامينات. وينتمي معظم المضربين الى جماعات يسارية وتتراوح مطالبهم ما بين انهاء عزلتهم في السجون الجديدة الى توسيع قاعدة حقوق الانسان. كما مضى بعضم الى اكثر من ذلك عندما طالبوا تركيا بالتخلي عن تعاونها مع صندوق النقد الدولي. وتقول هوليا سيمسيك «38 عاما» التي تضرب عن الطعام منذ 179 يوما وتقيم في نفس الغرفة مع كولاكسيز «اريد ان يستمتع جميع الاتراك بجمال الاناضول. ان يتمتعوا بفاكهتها وشمسها ومصانعها». وتحتج سيمسيك على تعامل تركيا مع صندوق النقد الدولي والعولمة والبرجوازية التركية وتقضي معظم وقتها في قراءة الشعر ورسم الصور التي تعلق بعضها على جدران الغرفة. وتقول ان عضلاتها تؤلمها بسبب الارق. ويقول جاجري تيموجين من رابطة الاطباء في انقرة التي تراقب حالة نحو 60 مضربا عن الطعام في احد المستشفيات ان كثيرين منهم تظهر عليهم اعراض مرضية منها الهلوسة وفقدان الذاكرة والتصرف الطفولي. ويقول تيموجين ان اخلاقيات المهنة تحتم على الاطباء عدم اعطاء الدواء الا لمن يرغبون فيه وان «الموقف خارج سيطرتنا. انه مشهد مؤلم ان ترى كثيرين يموتون ونحن لا نستطيع وقف ذلك». ولا تستطيع كولاكسيز.. التي تعلق صورة شقيقتها الراحلة على الجدار.. الحركة وهي تستخدم كرسيا متحركا للخروج من الغرفة للجلوس في الشمس. وتقول انها لا تخشى الموت وتضيف «اريد ان اعيش مثل اي شخص اخر. انا احب الحياة.. لكني اعرف انه اذا قضيت فانني سأنقذ حياة المئات. ومع كل شخص يموت يصبح صوتنا اعلى وفي النهاية اعتقد ان الحكومة ستستمع الينا». رويترز أم تركية ترعى ابنتها التي دخلت في غيبوبة بعد اضراب عن الطعام تضامنا مع السجناء المضربين عن الطعام رويترز