بارون البطاطا المحمرة فشل في استكمال تعليمه ، مطاعم ما بعد الحداثة تتفنن في استخدام الروبوت والكمبيوتر من حق مطاعم الوجبات السريعة أن يذكر لها كيف قطعت شوطا بعيدا في مضمار مستجد في حياة المستهلكين، الأمريكيين بالذات وهذا المضمار هو: تقنية تكنولوجيا المطاعم لقد وظفت احتكارات الطعام السريع ( فاست فود) استثمارات طائلة لتطوير تقنية الخدمة المطعمية واستخدام أحدث الآلات الذكية المدارة بالحواسيب الالكترونية من أجل الارتقاء بهذه الخدمة المقدمة للجمهور من ناحية النوعية والسرعة والكفاءة على السواء. ليس لوجه الله نبادر فنقول ان الهدف لم يكن مجرد تطوير الخدمة لوجه الله أو حتى من أجل عيون الزبائن المحترمين، وانما الهدف كان في الأساس، ولعله لا يزال، هو خفض التكاليف وبالذات من خلال الاستغناء عن أكبر عدد ممكن من العمال. إن الماكينة الذكية الواحدة، جناب الروبوت بمفرده يمكن أن يحل محل أكثر من حفنة من البشر العاملين، طبعا لم يتوقف أحد كى يقول لاحتكارات الفاست فود في أمريكا أو في غيرها: هونوا عليكم، طامنوا خطاكم واخفضوا جناحكم، لا تمعنوا في احلال الماكينة محل العامل البشر الانسان، الماكينة عظيمة بغير شك. فى غاية الكفاءة دون جدال لكن العامل أيا كان، هو انسان يتحمل مسئولية سد الرمق أو اعالة ذرية أو سداد نفقات التعليم فى الجامعة واذا أحسن تدريبه فلسوف يحسن التعامل باجادة وكفاءة سواء من الزميل الروبوت أو مع السيد الزبون وهو الهدف الأول والأخير أيا كان الأمر. فالمؤلف يعمد (فى صفحة 86 ومابعدها) على اطلاعنا على صورة لاستخدام أحدث مخترعات العصر من أجل تطوير وترقية خدمة مطاعم الوجبات السريعة المثل هنا من منطقة كولورادو سيرنجر التى يقول المؤلف ان مؤسسة مكدونالدز اختارتها كى تكون موقعا لاختبار وتجريب منجزات تقنية المطاعم حيث برمجيات الحاسوب والآلات الذكية والمدارة بالكمبيوتر مصممة. كما يضيف مؤلف الكتاب، لكى تخفض تكاليف العمالة وتقدم خدمة الوجبة السريعة بوتيرة أسرع وأسرع. ـ ذهب المؤلف فى صحبة رجل أعمال يمتلك خمسة من مطاعم ماكدونالدز، المبنى مكتمل الدائرة، مصمم حسب آخر صيحة فى معمار مابعد الحداثة، حارات ومسالك السيارات المفضية الى المكان مزودة بأجهزة استشعار مدفونة عمدا فى طيات الاسفلت كى تمارس وظيفتها فى رصد وضبط حركة المرور. ماكينات الروبوت المحسوبة تختار لسعادتك كاسات الشرب الورقية حسب الطلب، ثم تتولى ملأها بالثلج المجروش وبعدها تقوم بتعبئتها بمشروبات الصودا الغازية. بعدها تقوم آلات أخرى مدارة بثانى أوكسيد الكربون المضغوط باطلاق كميات متساوية من مقبلات المسطردة وسائل الطماطم (الكتش أب). وفي كواليس المطبخ لا تكاد تسمع صوتا، اللهم الا هسيس وحدة ماكينات ذكية أخرى تبدأ رعاها الله بتفريغ البطاطا النيئة المجمدة من وعاء بلاستيكى أبيض لتضعها في سلال من خيوط السلك لزوم القلي والتحمير حيث تدلي هذه السلال السلكية لتغمسها فى الزيت الساخن ثم ترفعها كى تهزها في أتون الزيت إلى أن يكتمل التحمير فتلقى بحباتها تحت لمبات التسخين لتكون جاهزة للتقديم ضمن الوجبات السريعة. أما السيد الزبون فان طلبات سيادته يتم متابعتها من خلال شاشات تلفزيون داخل المطبخ تظهر على سطحها نوعية الطلب وكمية المطلوب. بل يتم تقسيم العمل وتوزيع المهام من خلال جهاز حاسوب متقدم ينسق بين العاملين البشر هذه المرة، بل ويتنبأ بنوع وحجم الطلبات المتوقعة حسب تدفق الزبائن والمستهلكين. في سماء ما بعد الحداثة وكما استعار الاباء المؤسسون لاحتكارات الطعام السريعة فكرة خط التجميع التي سبق ونفذها هنري فورد في تصنيع السيارات الأمريكية فان رواد الحداثة، او مابعد الحداثة في دنيا الوجبات السريعة الأمريكية لم يتورعوا عن استعارة جديدة، لكنها من اليابان هذه المرة حيث يقول المؤلف انهم نقلوا فلسفة مصانع السيارات اليابانية المعاصرة في انتاج سياراتها باستخدام أحدث واكفأ تكنولوجيا الحواسيب البالغة الذكاء، وفى هذا السياق يقول صاحب المطاعم الخمسة التى أشرنا اليه فى منطقة كولورادوا سبرنجز: لقد جاءتنا هذه التكنولوجيا في الوقت المناسب تماما ثم مخاطبا المؤلف دعني أريك أحدث مالدينا من ثمار هذه التكنولوجيا، تأمل مثلا هذه القائمة (المينو) التي تعرض أصناف وجباتنا السريعة: انها تعمل باللاسلكي ولكن يمكن أمساكها باليد وتستخدم موجات الراديو لكى تبث طلبات الزبائن الكرام الى فريق العاملين خلف الكاونتر وداخل المطبخ، سواء كانوا بشرا أو كانوا ماكينات. ـ كان صاحبنا فى غاية السعادة والاعتزاز، لأنه اخترق حواجز الواقع محلقا فى دنيا مابعد الحداثة، لكن على الجانب الآخر من الشارع لاحظ المؤلف فريقا من العمال الذين كانوا عاكفين على تعبيد طريق جانبى مستخدمين آلات بعضها يحفر بالكهرباء وبعضها أدوات للدق والثقب والتسوية والطلاء، أدوات بدت بسيطة بل بدائية بالنسبة لحكاية الروبوت وحواسيب البطاطا وبث الطلبات بالاذاعة اللاسلكية لكنهم كانوا بشرا يكدحون ويعملون ويرتزقون حولهم كانت الشوارع بدورها تقليدية، نظيفة وبسيطة ومازالت تحمل أسماء وطنية تثير فى النفس ذكريات من الماضى والتاريخ، فى أقصى الشارع المجاور كان ثمة مزرعة لتربية الثروة الحيوانية، لكن لاحظ المؤلف انها كانت معروضة للبيع. هكذا تتغير الدنيا، ويسودها فى دنيا الأكل أكبر ثلاث مؤسسات أو ثلاثة احتكارات فى عالم الطعام السريع، لا فى أمريكا وحدها، بل على صعيد العالم بأسره. يكفى أن نعلم كما يذكر المؤلف ان هذه المؤسسات الثلاث: بيجر كنج ومكدونالدز ثم تريكون جلوبال (التى تملك دجاج كنتكى وتاكو بل وبيتزا هت) تستخدم نحو 7.3 ملايين عامل على مستوى العالم وتدير نحو 60 ألف مطعم في طول الدنيا وعرضها ولكى يتضح نشاط ونفوذ هذه المؤسسات العملاقة الثلاث، يؤكد المؤلف انها تقوم بافتتاح مطعم جديد لتقديم الوجبات السريعة فى هذا المكان أو ذاك من الكرة الأرضية كل، ساعتين! (ص71). لكن أعتقد أن عمال هذه المؤ سسات يتقاضون فى أمريكا أجورا زهيدة خاصة وهى تستخدم جمهرة من المهاجرين (مليون عامل مهاجر وافد الى أمريكا يعملون فى مزارعها) كما انها تستفيد من ظاهرة اقبال الشباب الصغار على الاشتغال بعمل لساعات طويلة وبأجر منخفض، ومن ثم تسودها ظاهرة التبدل السريعة فى الأ فراد العاملين حيث يقول المؤلف: أن العامل فى مطاعم الوجبات السريعة عادة مايترك وظيفته أو يطرد منها مرة كل ثلاثة أو كل اربعة أشهر. الناس اللي فوق ازاء هذه الظاهرة عمدت مؤسسات الوجبات السريعة الى سياسة ذكية من اجل تحفيز عمالها وتنشيط دافعيتهم نحو العمل الذي يؤدون، تقوم هذه السياسة على أذكاء واستنفاد (روح الفريق) بين صفوف شباب العاملين. في ظل هذه السياسة يشعر العامل الكسول أو المتأخر فى الوصول للعمل أو المهمل فى الاداء ان تقصيره هذا انما يكون على حساب غيره وانه بذلك يسيئ الى زملاء العمل، رفاق الطريق، سائر أعضاء الفريق. وفى المقابل وكما يوضح كتاب قديم صدر عام 1969 بعنوان (أنا على مايرام وانت ايضا) فان مثل هذه السياسة فى جانبها الايجابي تنأى بمايسميه الكتاب المذكور بأسلوب الثناء المستطاب أو الربت على الكتف من باب التشجيع وقد نسميه نحن بأسلوب دغدغة المشاعر الذي يشعر معه العامل المجد المخلص أن اخلاصه مازال موضع تقدير من (الناس اللي فوق) بل أن هذا الاخلاص هو الاساس والجوهر في نجاح (مؤسستنا العزيزة)، وماأكثر ماينجح هذا الأسلوب بين صفوف الشباب وفيما يعرض كتابنا هذا الجانب الذي نراه ايجابيا في تشجيع العاملين على مزيد من الاخلاص والاجتهاد والاتقان وهو لصالح الزبون المستهلك، فضلا عن كونه بداهة لصالح نجاح رب العمل فإن المؤلف يحرص على ان ينفذ بقارئه إلى كواليس العمل والاداء داخل مطعم الوجبات السريعة ومسرح الحديث هنا كما نؤكد باستمرار هو أمريكا بالذات بحكم التجربة المباشرة التى عايشها وحقق فيها المؤلف وأصدر عنها هذا الكتاب. إن الكواليس تنبئ عن جانب آخر في اداء وحياة العاملين في دنيا الوجبات السريعة ويتكلم عنه المؤلف من خلال مايسميه بمعدل اصابات العمل والاخطار المهنية. وفي هذا السياق يقول المؤلف (ص83 ومابعدها): إن معدل اصابات العمل بين العمال المراهقين فى الولايات المتحدة يبلغ الضعف تقريبا بالنسبة للاصابات بين البالغين. فالمراهقون غالبا مالا يتلقون تدريبا دقيقا وفى كل سنة يصاب منهم نحو 200 ألف شاب خلال ادائه للعمل. ومعظم هذه الاصابات تقع في مطاعم الوجبات السريعة بأمريكا وتتمثل في حوادث الانزلاق والسقوط وشد العضلات والحروق. ثم هناك السرقات العنيفة أو السطو المسلح على نحو ما ألمحنا اليه فى حلقة سابقة مع هذا الكتاب. ومن الطريف أن مواقع مطاعم الوجبات السريعة وهي فى الأصل مواقع ممتازة من ناحية المبنى والمعمار الا انها تتيح فرصة أوسع للأسف لكي يهرب اللصوص بمزيد من اليسر والسهولة(!). لماذا؟ لأن أصحاب المطاعم السريعة كثيرا مايختارون لها مواقع عند منعطفات الطرق الرئيسية، أو على حواف المدن ومشارف الاحياء السكنية كى تخدم أكبر عدد من ركاب السيارات وعابرى الطرق من المسافرين، ومن ثم فلا زحام يؤمئذ ولا تكدس فى عرض الطريق وتلك هي الفرصة الذهبية لكي يدخل اللصوص المطعم، يستولون على محتويات ماكينة الكاشير اياها ولا بأس من تجريد من يتواجد من الزبائن من ثمين مايحملون ثم يهربون حيث الطريق مفتوح وفي هذا السياق أيضا، يفضل المؤلف حديث السرقات العنيفة فيقول: كثيرا ماتحدث هذه السرقات فى بواكير الصباح قبل أن يدخل الى المكان زبائنه الصباحيون أو في أواخر المساء عندما يخلو المكان ويصبح شبه مقفر من الزبائن فلا يبقى سوى بضعة موظفين غالبا مايكونون ثلاثة لا غير يتولون اغلاق المحل والتشطيب منهم شابان مثلا فى السادسة عشرة، وثالث أو ثالثة فى العشرين من العمر، مسئول أو مسئولة عن ادارة المكان الذى يقفلون أبوابه فى ساعة متأخرة للغاية بعد انتصاف الليل، وعندما تقع طامة السرقة المسلحة فالذى يحدث غالبا أن يساق هذا القطيع المحدود من العاملين الى فريزر الطابق الارضى حيث يقبعون فريسة التجميد من الداخل والخارج ريثما يقوم اللصوص قاتلهم الله بإفراغ محتويات ماكينة الفلوس والاستيلاء على مابداخل خزينة المحل، وبعدها يولون الادبار. ومن عجب يضيف المؤلف أن نفس المجموعة الديمغرافية من سكان أمريكا، وهى فئة صغار السن فقراء الحال هي المسئولة عن الظاهرتين المتناقضتين: ظاهرة الاشتغال عند مطاعم الوجبات السريعة، وأيضا ظاهرة السرقة المسلحة العنيفة لمطاعم الوجبات السريعة! بل ان الاحصاءات المخصصة تفيد بان نحو ثلثى هذا النوع من السرقات يرتكبها عمال وموظفون سابقون في نفس المطعم الضحية فالذي يحدث أن عوامل شتى هي التي تفضى الى الجريمة، مابين الاجر المتدني والفصل المتكرر من العمل أو الانفصال عنه وسهولة تواجد مبالغ الكاش النقدية فى الموقع، ناهيك عن احاطة المجرم الحالى وهو ايضا المستخدم السابق بدقائق المكان وزواياه وخباياه وعادات العاملين فيه من حيث السلوك والعلاقات وانماط الشخصية والمواعيد. ثمة دراسة مسحية اجريت عن هذا الموضوع فى عام 1999 فأفادت بان نحو نصف عمال مطاعم الوجبات السريعة تورطوا بشكل أو بآخر ولو مرة واحدة في سرقة مبالغ نقدية أو بعض الممتلكات من اثاث وآلات وما اليها، وذكرت حسابات الدراسة أن المستخدم النمطي في هذه المطاعم يسرق في المتوسط 218 دولارا في السنة وان الموظف الجديد يسرق 318 دولارا في السنة أيضا. وبديهي أن هذه الأرقام أو المبالغ لا قيمة لها، الا اذا وضعناها في سياق دراسة تفسيرية اجراها عالم اجتماع أمريكا مختصا بهذا الموضوع واسمه البروفيسور (جيرالد جرينبرج) وخلص منها إلى مايلي: عندما يعامل الفرد بكرامة واحترام لآدميته تقل احتمالات مد يده لسرقة صاحب العمل الذي يشتغل لديه. والعكس يحدث عندما يستبد الغضب أو الحنق الشديد بين جوانح العامل المراهق الشاب ازاء ما يتصوره معاملة مجحفة، غير انسانية في مؤسسة الوجبات السريعة حينئذ يعبر عن حنقه هذا فيمد يده لاختلاس ماتقع عليه هذه اليد على سبيل الرد الانتقامي، واعتقد أن يتصاعد هذا الرد فيتحول الى سرقة مسلحة بالاكراه وغير بعيد يقول استاذ السوسيولوجيا ماحدث فى سرقة مطعم فى موبارك بكاليفورنيا يومها استطاع المدير النهارى للمطعم أن يتعرف على اللص المسلح الذي أغار على خزانة المحل وعلى وجهه قناع يخفيه: لقد كان اللص هو حضرة الزميل، المدير الليلي للمحل على وجه التحديد! بارون البطاطا وبعد البشر الذين يعملون، يتحول بنا مؤلف الكتاب الى الأصناف التي تحتويها ولا فخر وجبات الطعام الأمريكى السريع فى مقدمة هذه الاصناف بطبيعة الحال تأتى البطاطا المحمرة أو المقلية برائحتها الشهية المعروفة التى تنفذ الى خياشيم الزبون لدرجة أن اصبحت علامة بارزة بالغة الدلالة تنبئ ولو من بعيد أن ثمة مطعما ظريفا متهاود الاسعار، سريع الخدمة نظيف الأركان، يقع على أول الطريق أن المؤلف يخصص الفصل الخامس من كتابه لصالح مايمكن أن نسميه (قضية البطاطا) وهو يختار عنواناً لهذا الفصل على شكل سؤال مطروح يقول: لماذا تتسم البطاطا بهذا المذاق الطيب؟ وفي هذا الاطار يترجم لحياة بارو ن البطاطا في أمريكا اسمه جون ريتشارد سمبلوت المولود عام 1909 الذي استأجر 160 فدانا في ولاية ايداهو الخصيبة وزرعها بطاطس منذ عشرينيات القرن الماضي. وعندما نشبت الحرب العالمية الثانية افتتح أول مصانع تجفيف البصل وتجهيز البطاطا لتزويد الجيش الأمريكى العامل في الميدان وبلغت أرباحه الحد الذي أطلقوا فيه على مسحوق البصل المجفف اسما دالا هو: التراب الذهب أو التبر الثمين. وفي عام 1953 بدا سمبلوت في بيع البطاطا المحمرة والمجمدة بعد ان اكتسبت سمعتها بوصفها من وجبات فرنسا (فرنش فرايز) عندما استمتع بها الجنود الأمريكيون الذين قاتلوا فى فرنسا خلال الحرب العالمية الأولى فكان ان نقلوها الى أمريكا كى تتداولها وتقدمها مطاعم الوجبات السريعة حتى الأربعينيات. والحاصل ان بارون الفرنش فرايز اصبح الآن من أغنى اغنياء أمريكا على الرغم من انه كما يؤكد المؤلف لم يكمل أى تعليم ولا حصل على أى شهاد ة الا ان البطاطا ايداهو التى ظل ينتجها مجمدة ثم محمرة جعلته يدخل فى تحالف تغذوي أو فلنقل مطعمي مع سلسلة مكدونالدز فنقلته إلى مصاف أصحاب البلايين مع ذلك، وبسبب الزيوت الثقيلة في عمليات التحمير، دق البعض أجراس انذار تقول: حذار من الكوليسترول؟