أسرار الكولونيل العجوز ووصفته السرية ،حرب أكتوبر في الشرق الأوسط هددت احتكارات المطاعم في أمريكا من أغرب الملاحظات التي أبداها مؤلف الكتاب حول من أسماهم «الآباء المؤسسون» لصناعة الوجبات السريعة في أمريكا من ان معظمهم لم يكملوا تعليمهم النظامي بل كانوا من سواقط المدارس. مثلا في بداية الثلاثينيات، وكانت زمن الكساد الاقتصادي الكبير في أمريكا وفي الغرب الرأسمالي، نزح الى كاليفورنيا شابان شقيقان بسيطان من منطقة نيوهامبشاير في شرقي الولايات المتحدة. كانا يبحثان عن مورد رزق، عن أي فرصة لكسب العيش. عملا بحرمه البناء، حاولا تشغيل دار للسينما في هوليوود ثم افتتحا مطعما لخدمة قائدي السيارات يقدم لهم الشطائر السريعة من دون أن يبرحوا سياراتهم. عشر سنوات وهما يقدمان هذه الخدمة التي نالت من قدرتهما على الصمود، شعرا بالملل والارهاق وهما يكدسان الصحون لزوم الغسيل وهما ينظفان المناشف ويلمعان الشوك والسكاكين والملاعق حتى تستعيد لونها الفضي الجميل، ناهيك عن أنه كان معظم زبائنهما من المراهقين والشباب الطائشين وكان بعضهم يتصرف في رعونة وبعضهم كثير السباب وبعضهم كان يضع الطلب في سيارته ثم يسابق بها الريح من دون أن يدفع الثمن المعلوم. فلسفة خط التجميع حين جاء عام 1948 كانا قد أزمعا أمرا خطيرا بالنسبة للمشروع، أغلقا أبواب المطعم ثم أعادا تصميم المشروع بصورة جذرية، كان التصميم الجديد يقضي بما يلي: ـ سرعة أكثر في انجاز الخدمة. ـ زيادة أكبر في حجم المبيعات اعادة النظر في قائمة الغذاء السريع بهدف قصرها على عدد محدود جدا من الأصناف. ـ التخلص من كل صنف ولون يؤكل باستخدام شوكة أو ملعقة أو سكين، ومن ثم التخلص من أطقم الفضية القديمة ومعها مع ألف سلامة كل الأطباق الصغيرة والصحون والطناجر الكبيرة، فلا حاجة يومئذ للغسيل ولا يحزنون. ـ بدلا من ذلك تقرر استخدام الورق المقوى وأصناف البلاستيك وكان اختراعا مستجدا يومها في حياة الناس بديلا عن كل ما سبق التخلص منه. ـ تقسيم عمليات اعداد السندوتشات ضمن خطوط انتاج منفصلة عن التجهيز ثم ملتقية عند نقطة المناولة والتقديم كل عملية يقوم بها عامل منفصل لا يعرف سواها ولا يتقن غيرها. تلك كانت فلسفة خط التجميع التي اكتشفها واستخدمها هنري فورد الشهير في تصنيع وانتاج سياراته، وهي الفلسفة نفسها التي اكتشفها الشقيقان المهاجران الى كاليفورنيا تحت وطأة أزمة اقتصادية كانت طاحنة في تلك الأيام. كيف كان يعمل خط التجميع المذكور لانتاج سندوتش الهامبرجر؟ يوضح المؤلف أسلوب تشغيله على الوجه التالى: ـ عامل يملأ الطلب من الزبون. ـ عامل ثان يتولى شواء اللحم. ـ عامل ثالث يضع عليه سلطات المذاق ويلفه بها وخامات وأشغال الورق الذي تستخدمه، ومن ثم الاسعار المعقولة المتهاودة التي تتقاضاها لقاء الوجبات السريعة التي تقدمها الى جماهير المستهلكين كانت تلك ثورة في مجال الأغذية فجرها هذان الشقيقان المنازحان من شرق أمريكا الى ساحلها الغربي وما زالت هذه الثورة تحمل اسم العائلة التي انحدر منها، إذ كانا موريس وريتشارد مكدونالد. التبسيط والتنميط لقد اكتشف الشقيقان، في رأينا، أخطر ما اتصفت به أساليب الحياة الأمريكية، وخاصة مع حلول عقد الخمسينيات، أي التبسيط والتنميط، والتبسيط يؤدي الى خفض الأسعار في ورق مخصوص بهيج اللون لاغراء الأطفال. ـ عامل آخر يتولى اعداد مشروب الحليب بأنواع الفواكه حسب الطلب. ـ عامل آخر مسئول عن تحمير البطاطس. ـ وأخيرا يتولى تشغيل وادارة الكاونتر مسئول عن ماكينة الدفع، هذا الوضع الجديد كان يحمل لافتة غير منظورة تتصدرها كلمة (لا): ـ لا جرسونات، من ذكر أو أنثى. ـ لا غاسلي صحون. ـ لا عمال تخديم أو تقديم. كل شئ يقدم على المبدأ الجوهري: إخدم نفسك بهذا الشكل كان لابد من التوحيد والتجانس والتماثل الى درجة التطابق في نوعية الخدمات والأصناف وتصميم المطاعم وملابس العاملين (السندوتش في إمكان الجميع) والتنميط يعطي شعورا زائفا في بعض الأحيان، وإن كان مريحا في كل الأحيان، بالمساواة إن لم يكن بالإنصاف (أليس كل الناس قادرين على ارتداء سروال الجينز، يستوي في ذلك المليونير وعامل المزرعة والشغّيل الغلبان عند الاخوة مكدونالد؟ في ظل هذه الثورة التغذوية كما قد نصفها بدأت سلاسل من المطاعم المنافسة تنشأ لتقديم وجبات الطعام السريع، ومن عجب ان كان معظمها يؤسس على يد أفراد بسطاء، أيتام، متسربون من مراحل التعليم، مغامرون فقراء أو كانوا كذلك. ومنهم مثلا (ويليام روزنبرج) الذي قامت مؤسسته على أساس فنجان القهوة والكعكة البسيطة وكان الله يحب المحسنين، ولكنها انتشرت وازدهرت تحت اسمها الشهير (دونتس). وهناك أيضا (جلن بلْ) الذي عمد الى تقليد أسلوب مكدونالد في كل شئ ولكن مع التغيير في نوعية الطعام ليصبح مكسيكيا لكي يجذب اليه أهل المكسيك وهم أكبر جالية غير أوروبية تعيش في الولايات المتحدة، فضلا عن أهمية أن تقدم لهم وجبات سريعة زهيدة الثمن فمعظمهم عمال فقراء ومهاجرون غير شرعيين يتعيشون مثل عمال التراحيل رزق يوم بيوم، وهكذا أصبحوا يتعاملون مع مؤسسة (جلن بل) التي أصبح اسمها (تاكوبل) تقدم لهم ألوانهم الريفية البسيطة مودعة في تاكو وهو شريحة خبز رخيص ملفوفة من الذرة وسهلة التناول والهضم أيضا وهناك كذلك (كيث كريمر) الذي افتتح منافسا لمكدونالد تحت اسم (بيرجر كنج). الكوم الكبير لكن كل هؤلاء كوم، والأخ هالاند ساندر كوم آخر! لقد ترك ساندر الدراسة في الثانية عشرة من عمره، اشتغل عاملا في مزرعة، وسائسا للبغال وإطفائيا في محطة سكة حديد، بل أن قصة حياته تحوي أنواعا من الأعمال التي كان يمكن أن يعاقب عليها القانون، لا لأنها كانت اجرامية لاسمح الله بل لأنها كانت جريئة الى حد الجسارة وجسورة الى حدود الادعاء والتبجح الخطير! كيف لا وقد اشتغل هارلاند ساندر محاميا من دون أن يحصل على ليسانس الحقوق واشتغل بحرفة القبالة التوليد من دون أن يتخرج في كلية الطب أو من معهد المولَّدات ولو على سبيل أضعف الايمان، حملته لقمة العيش وضروراتها على أن يتقلب في أعمال مختلفة ويحترف منها شتى على امتداد سنوات العمر التي كانت قد شارفت على الخامسة والستين. وبدلا من أن يتقاعد ساندر، مثل بقية خلق الله، فقد أخلد الى زوايا مطبخه المتواضع وعكف على وضع وتوليف وتسبيك وصفة أو خلطة مخصوصة لقلي وتحمير الدجاج. وبأسلوبه الخاص خلع عليها اسما مهيبا هو: (الوصفة السرية). وانطلق في شيخوخته هذه يبيع وصفته السرية العجيبة الى أصحاب المطاعم في ولاية يوتاه. وحين جاء عام 1952 افتتح لنفسه أول مطعم في التاريخ يحمل اللافتة التي بات الناس يعرفونها وهي: دجاج كنتكي المحمّر (كنتكي فرايد تشكن) وكان ساندر يومها خاوي الوفاض وكان بحاجة الى (شوية بروباجاندا) لزوم الترويج للمشروع الطموح الجديد، ربما عاودته يومها وهو في منتصف العقد الستيني، ذكريات ارتدائه روب المحامي بغير ليسانس وارتدائه معطف الطبيب بغير بكالوريوس يومها لم يتورع أيضا عن ارتداء زي قائد عسكري من ولاية كنتكي ببدلته الرياضية البيضاء وربطة عنقه السوداء، ثم لم يتورع عن أن يخلع على نفسه رتبة كولونيل، ثم، يقول مؤلف الكتاب مع بداية عقد الستينيات، كانت مطاعم كنتكي أشهر سلسلة من نوعها في الولايات المتحدة وكان الكولونيل (المستعار طبعا)ساندر قد أصبح اسما متداولا على ألسنة العائلات وفي بيوت أمريكا بأسرها. ثم يوضح المؤلف أن تعدد مطاعم الوجبات السريعة، وتقليد بعضها بعضا أدى الى اشتعال حمى المنافسة بينها، لدرجة بات المؤرخون المختصون يطلقون عليها اسما شهيرا هو: حروب الوجبات السريعة في جنوب كاليفورنيا، يصف المؤلف هذه الحروب بالشراسة والفظاعة، فجنوب كاليفورنيا كانت المهد الأول لمعظم سلاسل الوجبات السريعة التي أصبحت اسماؤها معروفة في طول العالم وعرضه، من السلاسل التي لم تصمد للمنافسة مطاعم كانت تحمل عنوان (كارل جونيور) وقد ضاعت وسط الزحام خاصة وقد قهرتها مطاعم الأسعار الرخيصة والخدمة الذاتية والمناولة السريعة، ثم وهذا هو الأهم القدرة على جذب الأطفال واتخاذ الطفل مندوبا متطوعا للدعاية والاعلان والترويج لحساب المطاعم الجديدة المستحدثة التي عمدت الى محالفات عقدتها مع والت ديزني ومع أكبر مؤسسات انتاج لعب الأطفال فكان أن جذبت الزبائن الأطفال بفضل ما أودعته بين زواياها من دمى وما رسمته من شخصيات اعتبرها الأطفال المستهلكون أصدقاء قريبين الى القلب والوجدان. المهم أن الفترة الفاصلة بين عامي 1960 و1973 شهدت ارتفاع عدد مطاعم الوجبات السريعة من 250 الى ثلاثة آلاف، وهنا يقف المؤلف عند عام 1973 بالذات لأنه شهد الحظر الذي فرضه منتجو النفط العرب دعما لمعارك سيناء والجولان في مصر وسوريا وقد أمكن فيه تحقيق انتصارات لصالح الجيوش العربية حطمت كما هو مسجّل ومعروف أسطورة الجيش الاسرائيلي الذي لا يقهر أو خط بارليف السوبر حصين بحيث لا سبيل الى تحطيمه. في هذا السياق يقول مؤلف الكتاب: جاء الحظر العربي للنفط عام 1973 بمثابة اشارة تخويف مرعبة لصناعة الوجبات السريعة في أمريكا وفيما كان أصحاب هذه المطاعم يشاهدون الطوابير الطويلة المصطفة أمام محطات البترول، فقد تصور الكثيرون منهم أن ثقافة السيارات في أمريكا أصبحت في خطر محدق داهم (ومعروف كما أسلفنا أن السيارة هي الملهم الأصلي لصناعة الوجبات السريعة)، وفي غمار عوامل النقص والشحة في البنزين يضيف المؤلف هبط سهم مكدونالدز، وعندما أنجابت الأزمة عاودت الأسهم انتعاشها فما كان من مؤسسة مكدونالد إلا أن شمرت عن ساعديها كي تضاعف جهودها وتفتح مطاعم جديدة في الريف والحضر الأمريكي على السواء. ودوائر المال والأعمال في وول ستريت وظفت من جانبها استثمارات طائلة في سلاسل الطعام السريع، ويومها بدأ الرواد الأوائل الآباء المؤسسون يخلون مواقعهم كي يحل محلهم مديرون مدربون محترفون ومتخصصون في فنون التنظيم وأساليب الادارة الحديثة، الى أن يقول المؤلف هكذا، فما بدا وكأنه سلسلة من المشروعات الاقليمية الصغيرة ما لبث أن أصبح صناعة بالغة الضخامة هي صناعة الوجبات السريعة التي باتت تشكل عنصرا رئيسيا من عناصر الاقتصاد الأمريكي. جامعة هامبرجر ها هو المؤلف ينتقل بنا أو معنا الى المتحف الذي يؤرخ لبدايات ثقافة الطعام السريع تلك التي جعلته يسمى أمريكا حسب عنوان كتابه «أمة الوجبات السريعة» بجوار المتحف يقف «ماك ستور» وكان ماك وهو المقر الرئيسي لشبكة مكدونالدز العملاقة رقم واحد في (أوك بروك) بولاية اللينوى: زمان كان المبنى حديثا رشيقا بل ومستقبليا ولكنه أصبح الآن أقرب الى أيقونة قديمة، متهالكة من عصر ريتشارد نيكسون ـ سبعينيات القرن الماضي، أصبح كما يقول المؤلف أشبه بمبانى مجمع أي سفارة أمريكية، تلك التي يستفز مرآها معارضي الحروب ومظاهرات الطلبة وحارقي العلم الأمريكي في بلدان شتى في شرق العالم وغربه على السواء، هناك أيضا وعلى مساحة 80 فدانا تقع جامعة هامبرجر! ـ اسمها هكذا ـ وفي حرمها تتحرك باصات خاصة تنقل طلابا وطالبات في غاية الأناقة والنظافة يرتدون الكاكي وقد جاءوا ليحصلوا على درجات الاكاديمية في (علم الهامبرجرولوجيا) كما يسميه مؤلف الكتاب بالحرف، أما الدروس والتدريبات فيصفها كاتبنا، إريك شلوسر بأنها ترمي الى تعزيز وترويج (لغة وثقافة مكدونالدز المشتركة) هنا بوسعك أن تدخل وتشتري دمى على شكل شطائر وهواتف على شكل بطاطس وأدوات واكسسوارات مختلفة كلها على شكل الأصناف التي تقدمها سلسلة المطاعم الشهيرة الى زبائنها. المشكلة أن واحدا من أباطرة هذه السلسلة اسمه راي كروك ظل حتى السبعينيات مؤمنا بأن الدنيا غابة وإن لم تكن فيها ذئبا التهمتك سباعها، والأفضل ـ كما ينقل عنه المؤلف أن تقتل منافسيك قبل أن يقتلوك وأن تسحق عمّالك المتمردين من رافعي الشعارات النقابية، فنحن يا سادة، يضيف كروك، نتكلم عن الأسلوب الأمريكي في الحياة الذي يقول بأن البقاء للأصلح. ويحدثنا المؤلف في هذا السياق أيضا عن مبلغ الربع مليون دولار الذي تبرع به كروك لصالح الحزب الجمهوري دعما لاعادة انتخاب ريتشارد نيكسون لولاية رئاسية جديدة: كان ذلك في عام 1972 هو العام نفسه الذي شهد صناعة الوجبات السريعة وهي تكافح كي تؤثر من خلال اللوبي المؤيد لها على الكونجرس فيصدر تشريعا مرتقبا يتيح لأصحاب تلك المطاعم والسلاسل دفع أجور لموظفيهم المراهقين تقل بنسبة 20 في المائة عن الحد الأدنى للأجور في أمريكا وما كان من ادارة نيكسون بعد نجاحه، طبعا، إلا أن أيدت التشريع الجديد من ناحية وعززت مطلب أصحاب المطاعم برفع الأسعار من ناحية أخرى. مع ذلك فقد ظلت سلاسل الوجبات السريعة، وعلى رأسها مكدونالدز، تواجه تحديات شرسة، وقد أمكن للمؤلف كما يقول في ص49 وما بعدها الاطلاع على مستندات حذرت من انخفاض المبيعات وتحول المستهلكين عن مكدونالدز الى مطاعم أخرى، ومن ثم فهو ينقل عن مدير حملات الدعاية قوله: إن هدفنا هو أن نحمل الزبون على الاعتقاد أن مكدونالد هو صديقه الصدوق. ثم يوضح المؤلف مدى المهارة التي أديرت بها حملات الدعاية من أجل استعادة ثقة المستهلكين والتصدي للمنافسين وزيادة المبيعات التي حققت أرباحا فلكية. من أهم هذه المهارات تلك الشبكة من التحالفات التي ربطت بين مكدونالدز وبين مؤسسات وسلاسل وشركات ومشروعات أخرى كان في مقدمتها مثلا (ديزني لاند)، وفي هذا الاطار كان الطفل يذهب الى عالم ديزني ويتناول سندوتش مكدونالد مع شخوص ديزني التي تشجعه على طلبها والاقبال عليها والتهامها، وكذلك الحال مع كبرى شركات المشروعات الشهيرة في أمريكا التي ما برحت اعلاناتها تصور الأطفال وهم يحتسون منتوجاتها وسط معالم الفرح ومظاهر السعادة والصحة والحبور. كل هذا في واجهة المطاعم الأمامية، ماذا يدور خلف الكواليس؟