«الجريمة هي ذاتها، ولكن عندما تقتل باسمك الشخصي فأنت مجرم، أما إذا قتلت باسم الحزب أو العقيدة أو الفكرة فأنت .. بطل». هذه «الكليشيه» أو اللازمة تتردد منذ قرنين من الزمن، وجاء إعدام تيموثي ماكفي «بطل» مجزرة أوكلاهوما سيتي في أمريكا، يوم 16 مايو الجاري ليكشف ان أقنعة القرن التاسع عشر تصلح للقرن الواحد والعشرين أيضاً، وان الديمقراطية وحدها هي القادرة دائما على رسم الخط الفاصل ما بين العدالة والانتقام. «لا تقتلوه.. دعوه يتعفن في سجنه» كان هذا مختصر النداء الذي أطلقته مجلة «الأيكونوميست» البريطانية في عددها الأخير، تعليقاً على تنفيذ حكم الإعدام بالقاتل تيموثي ماكفي، وقالت المجلة في افتتاحيتها ان اعدامه ربما يحوله إلى شهيد في نظر بعضهم، بعد أن اختار عبارات وصيته الأخيرة، وهي: «أنا سيد قدري وكابتن روحي». ومن دون ندم. السيرك وماكفي هو أشهر إرهابي ظهر في التاريخ الأمريكي الحديث، فهو في عملية تفجير المبنى الحكومي في مدينة أوكلاهوما في العام 1995، حصد أرواح 168 قتيلاً أمريكياً، من بينهم 19 طفلاً دون سن السادسة، وفي اعترافاته قال انه تعمد تأخير عملية التفجير حتى التاسعة صباحاً كي يقضي على أكبر عدد ممكن من الموظفين الاتحاديين، ووصف في كتاب روى قصة قضية قتل الأطفال بأنها نوع من «الخسائر الجانبية المصاحبة للعملية، ومن هنا فإن الاحتفال بإعدامه تحول إلى سيرك حقيقي شارك في تغطيته ما يزيد على 1600 من رجال الإعلام، بينما اقتصر عدد المشاهدين على 30 شخصاً داخل السجن، و 350 آخرين من أقارب الضحايا شاهدوا عملية حقن القاتل بالجرعة السامة، عبر شاشات مغلقة داخل السجن، بينما كان الناس في الخارج يتنافسون على شراء (تي شيرت) تحمل صورته. الإرهابي والرئيس ولم تمنع بشاعة الجريمة التي ارتكبها ماكفي الحركات المطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام من الاحتجاج، سواء في داخل أمريكا أو في أوروبا، ووصفت احدى الصحف السويسرية الرئيس جورج بوش بأنه «قاتل» لأنه وفي خلال ولايته على تكساس وافق على تنفيذ (152) حكما بالإعدام، وعلى مدى ست سنوات فقط، وضرب بذلك رقماً قياسياً في الانتقام من المجرمين، وأبرزت وسائل الإعلام الأوروبية صورة الرئيس المنتقم عندما استعادت قضية اقصاء الولايات المتحدة عن مقعدها في لجنة حقوق الانسان التابعة للأمم المتحدة، وتكاملت هذه الصورة مع اشارات إلى وجود (194) نوعاً من الميليشيات تنشط في الولايات المتحدة الأمريكية وتستقطب ما يزيد على 200 ألف عضو، وكان عددها قد وصل في عام 1996، وبعد سنة على تفجير أوكلاهوما سيتي إلى 858 ميليشيا، من بينها ميليشيا شمال ميتشيجان، وهي الميليشيا التي كان ماكفي وشريكه تيري نيكولز يشاركان في نشاطاتها وفي حضور اجتماعاتها ويستمعان من خلالها إلى تفاصيل المؤامرة التي تقوم بها الحكومة الفيدرالية ضد الشعب الأمريكي، وهو ما دفع ماكفي لأن يرتكب جريمته انقاذا للشعب الأمريكي من حكومته الاتحادية! سجون 5 نجوم إذن هي صورة «الارهابي» يتحول إلى شهيد لأنه قتل باسم الميليشيا المنقذة، وهي صورة الرئيس يتحول إلى قاتل ومنتقم لأنه وافق على تنفيذ حكم الإعدام بالارهابي، هل يمكن ان تنقلب المفاهيم إلى هذا الحد، وتصبح العدالة مرادفة للانتقام؟ الاجابة ربما تنقلنا إلى تراث الغرب الأمريكي، وتعيدنا إلى مشهد «الكاوبوي» كما رسمته أفلام هوليوود، ولم يكن صدفة ان أحد الألقاب التي أطلقت على الرئيس كان لقب «الكاوبوي» فهو قادم من تكساس، عرين رعاة البقر، وتقول الترجمة الميدانية لهذه المشاهد السينمائية ان السجون الأمريكية حاليا تضم مليوني نزيل، وان كلفة السجين الواحد هي 20 ألف دولار سنوياً، وان مجموع ما تنفقه الحكومة الأمريكية على هؤلاء السجناء يصل إلى 40 مليار دولار سنوياً، وإذا قارنا هذا الرقم بآخر إحصاء صادر عن الأمم المتحدة من أن هناك ملياراً و 200 مليون نسمة في العالم لا يزيد دخل الواحد منهم عن دولار واحد في اليوم بأن السجناء في أمريكا يبدون أقرب ما يكونون إلى نزلاء في فنادق من فئة الخمسة نجوم، حيث تبلغ نفقات الواحد منهم ما يعادل دخل 60 شخصاً في عالم الفقراء، وأسباب ارتفاع نفقات السجن الأمريكي هو ان الحكومة توفر له ليس العناية الصحية وحدها بل حقه في التعليم وفي الحصول على شهادات جامعية وهو في السجن، ولكن هذا لم يعد يحصل اليوم، إذ ان معظم الولايات، وكذلك السجون الاتحادية حرمت السجين من هذا الحق، مما دفع مجلة «الايكونوميست» البريطانية إلى طرح السؤال: ماذا يفعل نزلاء السجون عندما يخرجون إلى العالم؟ والاجابة واضحة وهي انهم سوف يتحولون إلى طائفة أقرب إلى طائفة «الملعونين» في الهند، وهي طائفة تتناسل سنوياً بأرقام خيالية، إذ ان عدد السجناء في أمريكا يزيد عاماً بعد عام، وكذلك عدد خريجي السجون، ما يعني ان ميليشيات من المجرمين المحترفين سوف تنضم إلى الميليشيات الأيديولوجية الناشطة اليوم في جميع أنحاء أمريكا، وعندما تجتمع هذه الأنواع من الميليشيا يصبح من حق المواطن الأمريكي ان يضرب على باب منزله ثلاثة أقفال قبل ان يخلد إلى النوم، وهذا ما يفعله تماما، ولكنه في الوقت نفسه يفعل ما هو أكثر من ذلك، إنه يطالب حكومته، وعبر ممثليه المنتخبين سواء في الكونجرس أو في مؤسسات المجتمع المدني ان تستعيد السجون وظيفتها باعتبارها مراكز للاصلاح وإعادة التأهيل وليس للعقاب أو الانتقام وأن تتحول إلى جامعات ومعاهد تدريب.. ولعل هذا ما يجعل الديمقراطية قادرة على رسم الخط الفاصل ما بين العدالة والانتقام، وما بين الشهادة والارهاب، وهي معادلة صعبة لأنها لا يمكن ان تستقيم في واشنطن، إذا لم تصل إلى فلسطين، فالحرية كل لا يتجزأ ومثلها الديمقراطية، شرط ان تتوفر لدينا أولاً كي نصل إلى تلك اللغة المشتركة القادرة على التمييز بين محمد الدرة وتيموثي ماكفي، في واشنطن، كما في فلسطين.