الجزائر قطر عربي الأصل والفصل والتاريخ والجذور.. وكم حاولت فرنسا باحتلالها واستعمارها الطويل ان تجعله غير ذلك ولم تفلح.. وان بقيت آثار استعمارها لفترة طويلة من حيث اللغة والثقافة. ولما استقلت الجزائر وتشكلت فيها أول حكومة وطنية كان التعريب والعروبة هاجسها الأول إضافة إلى قضايا وطنية وقومية أخرى، والتخلص تدريجيا من آثار ذلك الاستعمار. ولكن هذا الهاجس تعرض لكثير من العراقيل التي أوقفت إقرار التعريب لمرات عدة، بل أدت إلي أكثر من ذلك فانتشر العنف في الجزائر وكثرت المذابح التي طالت الأطفال والنساء والشيوخ. وأول المعارضين للتعريب والعروبة في الجزائر هي فرنسا، فعلى مدى مئة وثلاثين عاما، سعت فرنسا إلى تقسيم الجزائر إلى ولايات، وتقسيم الجزائريين إلى قبائل وهويات قومية وثقافية ولغوية. وحاولت فرنسا للوصول إلى جذور الأصول البربرية وتحريكها وتغذيتها بروح التمايز والاختلاف عن الأصول العربية، ودعم لغتها الخاصة «الامازيغية»، وذلك للمحافظة على صوتها واحكام سيطرتها (فرنسا) على الجزائر وسيادة ثقافتها ولغتها. أما البربر فهم قبائل تعتز بلغتها وتطالب أن تكون اللغة الثانية في الجزائر. احلال اللغة العربية فمنذ بن بيلا، إلى هواري بومدين، إلى الشاذلي بن جديد، فالأمين زروال والجزائر تسعى جاهدة لتكريس التعريب، والتخلص نهائيا من آثار «الفرنسة» التي كادت أن تنال من عروبة الجزائر إبان الاستعمار. ففي عهد الرئيس هواري بومدين سنة 1971 بدأت اللغة العربية تأخذ الطابع الرسمي في الجزائر، فقد أصدرت الدولة قرارا بأن تكون كافة الرسائل الرسمية سياسية واقتصادية وثقافية، وكذلك الاتصالات والمباحثات، تكون باللغة العربية، وإن اللغة العربية هي الرسمية في كل المعاملات، فتم إقرار ما يلي: ـ أعلنت الجزائر بأن اللغة العربية هي لغة الاتصال ما بين الدولة والمجتمع في المعاملات المدنية. ـ إن العربية هي لغة التعليم في كل مستوياته الابتدائية، والاعدادية والثانوية، والجامعية. ـ تعميم التعريب بمرونة في الصحافة والبرامج التلفزيونية والراديو، والمؤسسات الاقتصادية، حيث كان يسود كما في مجالات أخرى استخدام الفرنسية والانجليزية لعدم وجود بعض الخبراء، وبحجة غياب المصطلحات الضرورية. معارضة التعريب تعرض تطبيق التعريب لمعارضة الحزب الفرنسي في الجزائر ـ والحزب لا يعني معنى الحزب الحرفي ولكنه التيار الذي تشكل في أواخر أيام الاستعمار عن طريق «دفعات لاكوست» ـ ولقد صمد هذا «الحزب» بشراسة ضد التعريب، وعمل كل المناورات لنسف هذه السياسة ولكن بشكل غير مباشر لأن الدولة سياسيا كانت قوية في عهد هواري بومدين، وفي سنة 1980 نشبت معركة القبائل، وكانت شعارات انتفاضتهم ضد اللغة العربية وحججهم ان العربية ليست لغة الدخول إلى الحداثة لأنها لغة قديمة ولا تصلح إلا في الدين، واللغة العربية لا تملك المصطلحات الحديثة في العلوم والطب والهندسة، والمجتمعات العربية مجتمعات متخلفة في مجال العلوم والتكنولوجيا، لذلك يجب اعتماد اللغة الفرنسية لغة تعليم أساسية. وحدثت الانتخابات البلدية التي كاد يسيطر فيها الاسلاميون مما دفع الحكومة إلى إلغائها، وترتب على ذلك ثورة الاسلاميين على الوضع وما رافقه من نشاطات واجتهادات حول من المسئول عما يجرى، وأصبحت الجزائر تشهد يوميا صورا بشعة للقتل والحرق والخراب، على أيد غالبا ما وصفت بأنها اسلامية أو أصولية. وعلى مدى ما تم ويتم في الجزائر منذ انتخابات 1992 وحتى قبل فترة وجيزة لم نسمع بأن هناك معارضة للتعريب وظهور بوادر لصده والوقوف ضد حركته حتى الذكرى السادسة والثلاثين لاستقلال الجزائر عن فرنسا والتي تم فيها تشريع باستبدال معاملاتها الرسمية من الفرنسية إلى العربية بموجب قانون تعميم استعمال اللغة العربية، وتمتد خطة التعريب إلى عام 2000 حيث تنتهي بإدخال اللغة العربية في الكليات والجامعات العلمية. وينص قانون تعميم اللغة العربية على غرامات مالية على التجار والمؤسسات الخاصة في حال مخالفة أحكامه تتراوح ما بين 17 إلى 83 دولارا أمريكيا وغرامات أخرى على الأحزاب السياسية تتراوح ما بين 117 إلى 1600 دولار. ويلزم القانون الصحف الصادرة باللغة الفرنسية بإصدار نشرات باللغة العربية. ثلاثة أبعاد اشتدت وتيرة مقاومة التعريب وخرج الآلاف من المتظاهرين البربر الذين يرفعون شعار «لا للتعريب» ويطالبون بأن تكون اللغة الأمازيغية لغة رسمية مما يدل على أنهم سيذهبون أبعد من ذلك كحكم ذاتي مثلا أو ما شابه؟! وقد بدأت القبائل البربرية والتي تتخذ من مدينة تيزي أوزو معقلا لها تشكل صورة أخرى من صور المناهضة للسلطة الجزائرية. ومن هنا نستطيع القول بأن النزاع على الأرض الجزائرية أصبح ذا أبعاد ثلاثة.. فالحكومة من جهة كونها السلطة الشرعية الحاكمة ـ و«الاسلاميون» بعنفهم الدموي ـ والبربر الذين يثورون من أجل حريتهم ولغتهم.. ومن أجل احباط قانون التعريب ولما يخطو خطواته الأولى بعد! ومهما كانت النتائج المترتبة على قرار الحكومة الجزائرية بحماية اللغة العربية إلا أن نتائج ذلك سوف تظهر في المستقبل عندما تخرج أجيال جديدة ترى في اللغة العربية جانبا من جوانب الانتماء للجزائر الوطن والتاريخ.. ولا يمكن أن تبقى اللغة الفرنسية هي اللغة الأولى في الجزائر بعد استقلالها عن فرنسا بعشرات السنين.. كان ينبغي أن تخرج الآن الأجيال الجديدة في ثوبها الجديد ولغتها العربية الأصيلة بعيدا عن الجذور والقبلية أو الاختلافات الدينية لأن الجزائر البلد العربي يجب أن يحافظ على جذوره العربية ومنها اللغة. وفي الجزائر جبهة قوية تدافع عن اللغة الفرنسية خاصة في أوساط المثقفين والمتفرنسين وهؤلاء يمثلون قوة ضغط على الحكومة كلما حاولت اعادة اللغة العربية إلى دورها في حياة الشعب الجزائري. ولو بقي الرئيس بومدين حتى الآن ببرنامجه الطموح لكانت اللغة العربية الآن هي اللغة الأولى في الجزائر خاصة بين الأجيال الجديدة. ومهما كانت المتاعب التي يواجهها الشعب الجزائري في معركته ضد الارهاب فإن معركته مع اللغة العربية ستكون البداية لوجود فكر وطني صحيح لا خيار في أن تكون نهايته حوارا وتوافقا بين طوائف الشعب الجزائري.