رغم أن الامازيغ (البربر) تجاوزوا ـ هذه المرة مطالبهم التقليدية الثقافية والسياسية على السواء، منذ ما عرف بـ (الربيع الامازيغي) في الجزائر عام 1980، إلا أن جوهر الهبة الأخيرة، أو ما أطلق عليه البعض (الربيع الامازيغي الثاني) يظل ، يراوح في ذات الدائرة، أي إشكالية الهوية التي تتجاذبها الأطراف الفاعلة داخليا مما يناسب أهداف كل طرف.. وبما يتناغم مع مصالح أطراف خارجية.. بدءا بمحاولة (الجيتو القبلي) تعميق التجذر الأثنى إلى الحد الذي يطمح أنصاره إلى الإنفصال عن الحكم المركزي، مرورا بالطرح الذي يميل إلى نزع غطاء الأثنية القبلية، طموحا إلى تذويب الأزمة، وليس الهوية، التعاطي مع الإطار الحضاري الأوسع للجزائر المتمثل في ثنائية: الإسلام العروبة، وإنتهاء بالتيار الذي يتبنى خصوصية الإمازيغ، لكنه يرفض في ذات الوقت سيادة ذهنية ثقافة العرق، لأنها ضد ترسيخ الوحدة الوطنية، ومفهوم الدول الحديثة، وبالتالي فإن معالجة المسألة يجب أن تكون من زاوية التعددية، وليس تكريس مفهوم الأقليات، بما يعني إمكانية القبول بالأخر، خاصة وأن ذلك يضمن سلامة الاستقلال الوطني، والحد من فعالية اختراقات ما وراء الحدود. وباستثناء الإتجاه الأول ذي الصبغة الإنعزالية والإنفصالية، فأن أي طرح بعيدا عن دوائر الاستقطاب الخارجي يمكن الحوار حوله وتقدير الأبعاد السياسية، الموازية لإشكالية الهوية الثقافية، لأن أي حل لابد وأن يتقاطع مع تفاعلات ومعادلات سياسية، ويكون نتاجه النهائي قراراً سياسياً يضع حدا للتهميش الذي يستشعره الامازيغ عبر إيجاد دائم للمسألة، بما يبعد شبح تهديد الوحدة الوطنية، ويقطع الطريق أمام التمزق بين الولاء للوطن، والإنتماء الإثنى، في ظل وجود خطط تستهدف تعميق الهوة بين العرب والأمازيغ. طرف الخيط وإلى حد بعيد، فإن التقاء المطالب العامة للشارع الجزائري، سياسيا اقتصاديا، إجتماعيا مع عدد من الشعارات التي رفعها الأمازيغ في الهبة الربيعية الساخنة، يمكن تصنيفه في خانة الإيجابيات، إذ ان مثل هذا الإلتقاء يقرب بين الرافد الأمازيغي، ونهر الحركة السياسية الاجتماعية العامة في الجزائر، ويحسب للرئيس بوتفليقة أنه التقط طرف الخيط، عندما أشار إلى أن (مخطط التقويم الذي أعلن إطلاقه يحمل في طياته الوعود والحلول التي يتطلع إليها كافة الجزائريين، والشباب منهم على وجه الخصوص) مؤكد على (أنه لا يمكن أن نضمن النجاح لهذا المخطط.. إلا إذا كنا على كلمة واحدة، وإلا إذا اجتهدنا يدا واحدة). واشارة بوتفليقة، وتأكيده، لا يحتملان إلا تفسيرا محددا، مؤداه أن الرئيس الجزائري يعي أنه بعد إنحسار المشروع القومي العربي، فإن التحدي الذي يستهدف الجزائر، مثل كافة الأقطار التي تضم أقليات اثنية ودينية، اصبح أخطر بكثير من أي وقت مضى، خاصة في مرحلة المد القومي، الذي كان بمثابة وعاء لصهر الكثير من الأقطار لعربية بتكوينها الديموجرافي، الثقافي التعددي. وإذا كان منطق المؤامرات الخارجية مرفوضا باعتباره الطريق الأسهل، أو المشجب الجاهز لتفادي مواجهة العوامل الداخلية، والدوافع الحقيقية الكامنة خلف العديد من الأزمات التي تعاني منها أقطار عربية عدة، فإن الأمر بالنسبة للجزائر مختلف تاريخيا وآنيا، بل إن ثمة شواهد تؤكد وجود اصابع خارجية تستهدف اختراق الواقع الجزائري، سواء بشكل مباشر، أو عبر دعم قوى محلية في الداخل، بهدف تكريس الفرز الاثني الثقافي لدق الأسافين بين العرب والأمازيغ دون كلل! محطات تاريخية لعل قراءة سريعة للواقع، عبر محطاته الرئيسية، على مدى ما يقرب من قرنين تؤكد ما نذهب إليه: احتلت فرنسا الجزائر عام 1830، عمدت إلى إنتهاج سياسة (تفرنس) شرسة للقضاء على الهوية العربية/ الإسلامية للشعب الجزائري، وتدمير آليات مقاومته. وجهت فرنسا اهتماما خاصا للإمازيغ، حيث سعت إلى فصلهم عن العرب بدعوى الحفاظ على هويتهم المتميزة، وفصلهم عن محيطهم الحضاري الطبيعي، وربطهم بالثقافة والقوانين الفرنسية، كمرحلة سابقة على ضمهم نهائيا لفرنسا! مضاعفة النشاط التبشيري بين الأمازيغ، وتقديم الخدمات الصحية والتعليمية وإقامة الكنائس في مناطق تواجدهم الكثيف، مقابل منع العلماء المسلمين من الوصول إليهم لتدريس القرآن الكريم واللغة العربية. مواجهة المقاومة الوطنية للاستعمار الفرنسي الاستيطاني حضاريا عبر التركيز على قاعدة (فرق تسد) بدعم الإتجاهات الأثنية والقبائلية المتطرفة، وكذا تزييف التاريخ لتعميق الهوة بين العرب والأمازيغ. محاولة إضفاء الصبغة العلمية الأكاديمية على دعاوى عنصرية من قبيل (لاتينية) الأمازيغ، وتمايزهم تماما: عرقيا، حضاريا، لغويا وتاريخيا عن العرب، وصولا إلى تبني اجتهادات فرنسية / أمريكية لكتابة مفردات اللغة الأمازيغية (الشفهية)بحروف لاتينية، في سياق محاولة ربط الأمازيغ بالثقافة اللاتينية المسيحية. دعم العناصر المتفرنسة في سعيها لإقامة العقبات أمام مسيرة التعريب بعد استقلال الجزائر عام 1962، سواء بدفعهم كطابور خامس داخل مراكز صناعة القرار، أو المؤسسات التعليمية، والتركيز على دعم سياسة الأحياء الأمازيغي التي تثمن اللغة العربية باعتبارها لغة أجنبية. التبني الدعائي لأحداث العنف التي اندلعت في مناطق الامازيغ منذ بداية الثمانينيات، ومحاولة الضغط على الجزائر الدولة، بإتجاه الاعتراف بحق الأمازيغ في التمايز الثقافي واللغوي من جهة، ودعم العناصر المعارضة ذات الأصل الأمازيغي المقيمة في فرنسا من جهة أخرى خاصة عبر توفير المنابر الاعلامية ووسائل الاتصال بالداخل. دعم يهود فرنسا والمنظمات اليهودية فيها كما ذكر البروفيسور رفائيل يسرائيل في ورقة أمام ندوة لمركز بارايلان بالتعاون مع الخارجية الإسرائيلية لمطالب الأمازيغ، وتقديم العون المادي والمعنوي لمنظماتهم النشطة في فرنسا، ويشير (يسرائيل) إلى أن أكثر من نصف مليون أمازيغي يعيشون في فرنسا، مما ساعد على ظهور، وتشكيل جماعات وهيئات تتولى رعاية قضاياهم، تؤيدهم في ذلك المنظمات والمؤسسات اليهودية الأكثر التصاقا واهتماما بقضيتهم، ورعاية مصالحهم وتبني طموحاتهم. الاعلان على لسان وزير خارجية فرنسا فيدرين خلال الأزمة الأخيرة أن بلاده لا تستطيع البقاء صامته أمام القمع العنيف، إزاء الاضطرابات في مناطق القبائل، خصوصا أن الجالية الجزائرية في فرنسا تضم عددا كبيرا من ابناء هذه المناطق! ثم تأييد رئيس الوزراء جوسبان موقف وزير خارجيته، الذي فسر موقف الأخير بأنه مرشح لإنتخابات الرئاسة القادمة، وأصوات الفرنسيين من اصل جزائري لايمكن تجاهلها! دعوة آيت أحمد الزعيم الأمازيغي المقيم في سويسرا عبر الإذاعة الفرنسية، إلى تدويل المسألة الجزائرية، وتوجيهه نداء إلى كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة، المفوضية العليا لمنظمة حقوق الإنسان، الرئيس الأمريكي بوش، رئيس الاتحاد الأوروبي، ممثل الإتحاد الأوروبي الأعلى للسياسة الخارجية الأمين العام، لحلف الناتو رئيس الدولية الاشتراكية، باتخاذ مبادرات فردية أو جماعية لتوجيه تحذير علني للسلطات الجزائرية (لمنع وقوع مالا يعوض)! وإعلانه في حديث آخر عبر الأثير (أن شبان القبائل مهمشون بعد مصادرة ماضيهم و ذاكرتهم وحاضرهم). إن ما أشرنا إليه في السطور السابقة ليس حصدا تاريخيا بقدر ما هو إشارة إلى محطات مهمة، تدلل على أن ثمة دوراً مؤثراً وفاعلاً للعامل الخارجي، في تغذية أزمة الداخل الجزائري، وأن أحداث منطقة القبائل، والهبة الأمازيغية لا ترتبط فحسب بإشكالية الهوية الثقافية، ولكنها فضلا عن الأبعاد السياسية/ الاقتصادية، تتأثر باختراقات آنية من وراء الحدود، تاريخيا وآنيا، وأن مواقف القوى الخارجية التي قد يراها البعض عند الربط بين الأزمة الراهنة بتشعباتها المختلفة، واصابع الخارج، للنأي بعيدا عن الاتهام بتبني نظرية المؤامرة في تحليل ما يحدث. وبالمقابل فإن القوى الخارجية لا تتحرك في الفراغ، فثمة تحالف بين العناصر المتفرنسة، وتيار داخل الحركة الامازيغية سعى قبل وبعد الاستقلال لضرب الوحدة الوطنية، وعلى الجانب الآخر واجهت حركة التحرير الوطني المحتل ودفعت ثمنا للاستقلال مليون شهيد بينهم شهداء بعشرات الآلاف من الامازيغ، التي كانت مناطقهم من أشد المناطق مقاومة للمحتل، وإذا كانت فرنسا قد حاولت دائما عزل الأمازيغ عن العرب، وبث فكرة أنهم أصحاب الجزائر الأصليين، وأن العرب دخلاء بإدعاء أن الأمازيغ أصلهم أوروبي فإن مؤرخين ومفكرين أمازيغ ذهبوا إلى أنهم من أصول عربية سامية، أو كما اشار عثمان سعدي إلى أن الامازيغ (عرب عاربة)..و.. و.. و.. الهموم وسيناريو المستقبل لكن تبقى الحقيقة التي لا سبيل إلى إنكارها هي أن إشكالية الهوية الامازيغية ليست مفصولة عن هموم الجزائر العامة، فيما يتعلق بالوضع الاقتصادي / الاجتماعي الراهن الذي يصنف الجزائر ضمن الدول الأكثر فقرا، والتي يعاني 90% من سكانها من الاقصاء والتهميش، كما يؤكد نائب رئيس المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي الجزائري بسبب سوء الإدارة والفساد وعوامل أخرى كثيرة بعضها متراكم، وبعضها وليد سياسات تم اعتمادها خلال السنوات الأخيرة، خاصة ما يتعلق بصيغة الحكم، ودور القوى المختلفة في إجارة البلاد. هكذا فإن أي سيناريو يراهن على مستقبل أفضل للجزائر، لابد أن يكون في مقدمة بنوده محاولة اخراج البلاد من أزمتها المركبة ذات الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية/ السياسية، كما يتضمن الاعتراف بوجود أزمة هوية، يعاني من وجودها الامازيغ، ولكن في اطار اكثر اتساعا، يرتبط ببحث الجزائر ذاتها عن هويتها كأمة، تتداخل الدوائر التي تحدد بدقة ماهيتها، العروبة (كلغة) الاسلام (كدين واطار حضاري) الافريقية (كاطار اقليمي وجغرافي). ان ضرورة مراجعة التجربة الجزائرية الصعبة على ضوء الخبرة التاريخية، اصبحت مهمة لا تحتمل التأجيل، حتي يتذكر الجزائريون ـ عرباً وامازيغ حكاما ومواطنين أن نضالا طويلا تمخض عن وطن دفعوا ثمنا باهظا لاستقلاله، بعد أن دمره المحتل، وحاول معه تدمير الشخصية الوطنية، من ثم فإن على الجزائري اليوم أن يتذكر أن العروبة والاسلام ليست مجرد رموز تاريخية تنتمي للماضي، لكنها أمور تتعلق بالمستقبل، والحق في الحياة الكريمة في ظل سيادة القانون.. والقدرة على القبول بالآخر. ـ كاتب مصري