تواجه الجزائر حالياً أزمة جديدة ربما تكون انعكاساً لتطورات اقتصادية واجتماعية طارئة كان يفترض فيها أن تجد طريقها إلى الانفراج خلال الفترة الماضية وثمة اجماع لدى المراقبين ان انفجار الوضع الأمني والسياسي بهذا الشكل الدراماتيكي ، في الجزائر لابد أن يكون مرتبطاً بضغوط وتدخلات خارجية تقودها القوى والدول الغربية التي تريد اعادة هذا الوضع إلى مرحلة ما قبل تسلم الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة لمقاليد الحكم قبل عام ونصف العام. والواضح أن هذه القوى تسعى إلى إثارة القلاقل والفتن الداخلية في الجزائر للحصول على مكاسب سياسية واقتصادية معينة، لعل من أبرزها اعادة ربط الجزائر باقتصاديات الدول الغربية ومنع هذا البلد العربي الافريقي من أن يعود إلى دائرة الاستقرار الشامل كما وعد الرئيس بوتفليقة وقد تكون بعض التطورات الداخلية مسئولة عن انفجار الأزمة الراهنة ولكن من الخطأ الاعتقاد بأن هذا كل شيء ذلك أن القوى المتصارعة في الجزائر تحاول أن تقود البلاد إلى شكل جديد من المواجهة وهو الأمر الذي دفع بالجيش إلى ابداء الحذر إزاء هذه التطورات ومن جديد فإن أطراف الأزمة تمارس نوعاً من التقاطع السياسي والأمني على أساس أن لعبة عض الاصابع يمكن أن تقود بالمحصلة إلى نتائج حاسمة ولكن يبدو أن الأزمة تتجاوز في أبعادها هذا الإطار لتشمل العديد من القواعد السياسية والتقاعدات الاجتماعية والأمنية. العقدة البربرية والسؤال الذي يطرح نفسه هنا كيف يمكن حل ما يطلق عليه اسم «العقدة البربرية» والتي تعد السبب المباشر الذي أدى إلى التطورات الأخيرة التي تمثلت بقيام مظاهرات صاخبة في منطقة القبائل وحدوث سلسلة من الاشتباكات بين السكان ورجال الأمن مما ادى إلى وقوع العشرات من الضحايا والإصابات في صفوف الطرفين اللذين مارسا كل أشكال العنف والعنف المضاد. تبدو الصورة في غاية الوضوح ذلك ان سكان منطقة القبائل والذين يطالبون الحكومة بجعل اللغة الامازيغية لغة رسمية في الجزائر إلى جانب اللغتين العربية والفرنسية يطرحون مطالبهم الآن على إيقاع تحدي السلطة بحجة أن الحكومات الجزائرية المتعاقبة قد ترددت في اتفاقهم والاعتراف بلغتهم وثقافتهم ولكن التحرك الذي قاموا به مؤخراً قد ارتدى طابع العنف والمواجهة وهو الأمر الذي أزعج السلطات كثيراً، لأنه كان يمكن تلبية هذه المطالب بوسائل الحوار ولغة المفاوضات كما يقول الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة ولكن الزعماء السياسيين لمنطقة القبائل يؤكدون ان طريق التفاوض قد وصل إلى جدار مسدود بعد أن رفضت الحكومة الجزائرية الاستجابة لمطالبهم وهي الاعتراف باللغة الامازيغية لغة رسمية والسماح بتدريسها في المدارس وزيادة نسبة تمثيل القبائل في مجالس الحكم المحلي خاصة. وتبدو اللجنة الوطنية التي شكلها الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة والتي تضم في عضويتها ممثلين عن التجمع المدني ومختلف المفكرين والهيئات الثقافية الجزائرية مؤهلة لأن تفتح باب الحوار مع زعماء القبائل ولكن بشرط أن تتوفر النوايا الحسنة والإرادة المصممة لدى الطرفين من أجل الوصول إلى اللغة المشتركة القادرة على اخراج البلاد من الوضع الصعب الذي تمر به الآن والذي بات يحمل في طياته الكثير من المخاطر والتحديات الضاغطة. جوهر الأزمة وهنا لابد من التساؤل: هل أن الأزمة الحالية في الجزائر هي مجرد مطالب يطرحها زعماء وسكان القبائل؟! أم انها ذات جذور أعمق وأشمل من النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي اتسعت دائرتها لتشمل كل مجالات الحياة. من المؤكد ان الجزائر التي دخلت في أتون هذه الأزمة منذ مطلع التسعينيات يراد لها أن تتحول إلى بلد غير مستقر تدور فيه كل أشكال الصراعات السياسية والاجتماعية والعرقية، وواضح أن الهدف الثاني هو ضرب معادلة التعايش بين العرب والبربر وتشويه صورة النضال الوطني الكبير الذي خاضه الشعب الجزائري دفاعاً عن حريته واستقلاله والذي كلفه أكثر من مليون شهيد وإذا كان البعض يرى ان الانتخابات التي جرت في مطلع التسعينيات والتي فازت فيها الجبهة الإسلامية هي المسئولة عن خلق هذه الأزمة المستمرة منذ ذلك التاريخ وحتى الآن فإن من الضروري التفكير بأن هذا قد يكون السبب المباشر لنشوب الأزمة، إذ أنه إلى جانب ذلك هناك أسباب أكثر عمقاً وجوهرية ومنها فشل الحكومات الجزائرية المتعاقبة في حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية ذلك انه في مرحلة ما بعد الاستقلال فقد شهدت الجزائر نوعاً من الاستقرار السياسي والأمني ولكن الأمر لم يترافق مع استقرار اقتصادي بدليل أن القوى الغربية استمرت في الحفاظ على استثماراتها وشبكة مصالحها القوية في الجزائر حتى استعادت نفوذها السياسي الذي خسرته بعد حصول الجزائر العام 1963 على استقلالها. وعلى سبيل المثال فإن فرنسا وهي الدولة التي استعمرت الجزائر طيلة 130 عاماً عادت لتمارس سياسة التدخل في شئون الجزائر الداخلية وذلك من خلال عاملين بارزين: الأول الجانب الاقتصادي الذي تمثل في بقاء الشركات الفرنسية تستغل الغاز والنفط الجزائريين وعلى نطاق واسع فيما تجلى العامل الثاني في الجانب الثقافي حيث استطاعت فرنسا ان تبقي على اللغة الفرنسية لغة رسمية في البلاد وأن تواجه قرارات التعريب بجملة مسعورة من الافتراءات والتحريضات التي وصلت إلى حد توجيه الاتهام لدعاة التعريب بأنهم قد فقدوا أصالتهم الحضارية وتحولوا إلى عراقيل في وجه حركة تطور المجتمع المدني الجزائري وتقدمه على خطر الدول والمجتمعات العربية ومن خلال هذين العاملين البارزين ظلت الجزائر رهينة بيد القوى الغربية وتحديداً فرنسا وإن كانت قد اتجهت نحو تعميق صلاتها مع دول الجوار أولاً ومع أقطار المشرق العربي ثانياً وعندما حدث التعارض بين هذا التوجه وبين المصالح الغربية والفرنسية عادت الأزمة إلى الظهور من جديد فوق المسرح. حقائق مهمة بطبيعة الحال فإن هناك ثمة حقائق تؤكد بأن ما يجري في الجزائر لا يمكن فصله عما يجري في عموم الشرق الأوسط ذلك أن أي دولة عربية تتعرض لأحداث من هذا النوع لابد أن تكون ضحية لتدخلات وقوى خارجية وبالنسبة للجزائر فإن مثل هذه التدخلات قد أصبحت سافرة وتظهر ردود أفعال الدول الغربية بأن هذه الأخيرة تريد العودة بالجزائر إلى مرحلة ما قبل الاستقلال. وعلى الرغم من أن فرنسا تقدم نفسها على انها الصديق المخلص للشعب الجزائري وانها حريصة أشد الحرص على ازدهاره واستقراره إلا أن المعطيات المرافقة للأزمة تقود إلى الاستنتاج بأن هناك نوعاً من التفاعل الذي يفترض ان يكشف خفايا هذه اللعبة سواء على الصعيد السياسي أو الأمني ذلك أن القرار لو ترك للشعب الجزائري فإنه بالتأكيد لن سيجتاز سوى طريق الحوار والتعايش ولكن التدخل الأجنبي هو الذي يزرع العنف ويقيم الصراعات على حساب الأمن والاستقرار وإذا كان المطلوب الآن هو محاربة الجزائر من خلال إثارة المشكلة الامازيغية وتحريك سكان القبائل بالذات فإن هذا يفترض أن يسقط كل الدعاوى والاتجاهات التي تتحدث عن الأزمة من جانب آخر فكل القضايا المطروحة يمكن معالجتها بوسائل الحوار والديمقراطية ولكن المسألة تحتاج إلى نوع من التوافق السياسي والوطني حتى تصل المعادلة إلى الإطار الواقعي الذي يعزز النتائج المطلوبة على كل الصعد. ومن المؤكد أن اللجنة الوطنية التي قرر الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة تشكيلها من أجل التحقيق في أسباب العنف الذي شهدته منطقة القبائل مؤخراً إذا ما اتسمت في تحركها ونشاطها بقدر واسع من الحرية والمسئولية الوطنية فإنها يمكن أن تضع قواعد ثانية للحوار وأن تدفع الموقف باتجاه الخروج من الأزمة الحالية، أما إذا انتهت اللجنة إلى النهايات نفسها التي حكمت عمل اللجان السابقة فإنه في هذه الحالة سيصبح الوضع أكثر خطورة وتصعيداً وقد تدخل الجزائر من جديد في دوامة رهيبة من العنف والإرهاب وحالة عدم الاستقرار فهل يمكن المراهنة على هذه اللجنة للحصول على مثل هذه النتائج التي تبدو حاسمة في السياق العام ما يجري مهما يكن من أمر فإن الوقت قد حان لكي تعود الجزائر إلى دائرة الهدوء والاستقرار لأنه من غير المعقول أن يظل الشعب الجزائري يدفع الثمن الباهظ بهذه الطريقة الدموية ومن المفترض أن تتغلب لغة العقل والحوار على لغة المواجهة وان يستخلص الجزائريون الدروس والعبر من أحداث الماضي الذي حمل معه الكثير من الويلات والآثام، الأمر الذي أفقد الجزائر متعتها الداخلية وقدرتها على الإسهام الفعال في دعم قضايا الأمة العربية ونضال الشعب الفلسطيني الذي يواجه الآن احتلالاً غاشماً يشبه إلى حد كبير الاحتلال الذي تعرضت له الجزائر في القرن الماضي. ـ صحفي سوري