حرصت العناصر التي قادت إنتفاضة البربر في ولايتي (تيزي اوزو) و(بجاية) على أن تبرز أمام الرأي العام العالمي أن ثورتها التي اندلعت يوم 22 أبريل الماضي لم تكن بسبب قانون التعريب الذي يلغي اللغات غير العربية من التداول في الجزائر، ومن بينها اللغة الأمازيغية، التي يستخدمها أبناء القبائل المطالبين بإستمرار تعلمها، كما لا ترجع الإنتفاضة إلى حادث مقتل أحد الشبان في مركز للدرك، وإن كان هذا الحادث هو الذي أشعل الاضطرابات في الولايتين، ولكن هناك جملة أسباب عديدة سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية وراء تفجر هذه الاضطرابات على النحو الذي اتسع ليشمل معظم مناطق القبائل، وتكون له إنعكاساته السلبية في جميع أنحاء الجزائر. فقد عبرت الشعارات التي رفعها المتظاهرون عن غضب عارم عن فشل الحكومة الجزائرية في تحقيق الأهداف والمهام التي وعدت بتنفيذها، سواء في مجال استتباب الأمن والإستقرار، أو في مجالات الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي والقضاء على الفساد المستشري في جنبات السلطات الإدارية الحاكمة على جميع المستويات، مما تسبب في تردي الأحوال المعيشية للمواطنين بالرغم من حدوث طفرة كبيرة في الدخل الاقتصادي للدولة تجاوز 22 مليار دولار بسبب ارتفاع عائدات النفط والغاز التي قاربت 15.5 مليار دولار بين يناير وسبتمبر من عام 2000، لم يشعر المواطن الجزائري بثمرتها. وسواء كانت ممارسات قوات الدرك التي ينتمي أفرادها إلى مناطق من خارج القبائل على عكس الشرطة هي السبب الحقيقي وراء إندلاع الاضطرابات، أو أن هذه الأحداث كانت مدبرة بواسطة قوى سياسية داخلية وخارجية تستهدف إحراج موقف الرئيس بوتفليقة وتكثيف الضغوط عليه توطئة لتنحيته عن الحكم، فإن تفجر هذه الاضطرابات الدامية في منطقة القبائل التي سقط فيها مئات القتلى ومئات الجرحى معظمهم من شباب لم تتجاوز أعمارهم الثلاثين عاما إنما يعكس ثلاث حقائق مهمة على النحو التالي: أولا: صراعات وانقسامات داخل السلطة تهدد بتفشي حالة من الفوضى قد يعجز الجيش الجزائري عن السيطرة عليها فضلا عن الحكومة وأجهزة الأمن أو الشرطة. ثانيا: فشل الأحزاب السياسية في الجزائر والتي بلغ عددها 28 حزبا معترفا بها في تحقيق الحد الأدنى من الآمال التي عقدها المواطنون عليها، وأصبحت منفصلة تماما عن الجماهير. ثالثا: وجود أحزمة بؤس ومجتمعات من المهمشين والمحرومين في ظل أوضاع اقتصادية وإجتماعية بالغة الصعوبة في دولة 75% من سكانها تقل أعمارهم عن 28 عاما، ثلثهم يعانون البطالة وهم في سن قوة العمل. الصراع على السلطة لم يعد خافيا على أحد في الجزائر وخارجها الخلافات الحادة السائدة بين الرئيس بوتفليقة وقادة المؤسسة العسكرية، انعكس ذلك في نشر الصحف الجزائرية القريبة من الجيش انتقادات متعددة للرئيس تتهمه بالعجز عن حل الأزمة الداخلية التي تعصف بالجزائر من سنوات طويلة في ظل مشروعه المتعثر(الوئام المدني)، وتركز السلطات في يده مما جعل الجنرالات يخافون خطر التهميش، خاصة وأن معظمهم من ضباط الجيش الفرنسي الذين التحقوا بالجيش الجزائري بعد الثورة، ولا يريدون أي تغيير جذري للنظام القائم قد يفقدهم ما يتمتعون به من مزايا، كما يخشون التعرض إلى متابعات قضائية في تصفية حسابات نظرا لاقتراب احالتهم إلى التقاعد وتولي جيل جديد من الضباط الشبان المناصب القيادية في الجيش، وهم جيل من العسكريين المحترفين غير المسيسين الذين يعتمد عليهم بوتفليقة خلال العقد القادم في تأمين سيطرته على مقاليد الأمور وتنفيذ برامجه الإصلاحية بعيدا عن ضغوط المؤسسة العسكرية. يرتبط بهذا الأمر الشائعات التي أثيرت مؤخرا حول استقالة رئيس المخابرات العسكرية الجنرال محمد مدني الملقب (توفيق) والمحسوب على الرئيس بوتفليقة في مواجهة جنرالات المؤسسة العسكرية. وكان وزير الدفاع السابق الجنرال خالد نزار قد صرح خلال زيارته الأخيرة في باريس إلى احتمال تغيير الجنرال مدني، ومن التطورات الملفتة للنظر أيضا خروج الرئيس السابق بن جديد من عزلته وظهوره على صفحات جريدة (الخبر) المقربة من المؤسسة العسكرية للدفاع عن نفسه وعائلته في مواجهة الإتهامات بالفساد والتي دأب الرئيس بوتفليقة على توجيهها إلى عهده وقد انعكس مناخ عدم الثقة بين بوتفليقة والمؤسسة العسكرية في الاجتماع الذي عقد يوم 29 أبريل الماضي لبحث الأحداث الأخيرة، حيث فرض جنرالات الجيش على الرئيس صيغة الخطاب القصير الذي وجهه إلى الأمة والذي لم يعد فيه بشئ حاسم لحل المشاكل التي تواجه الجزائر، بل كان خطابا عاما اكتفى فيه بالاعلان عن تشكيل لجنة تحقيق في الأحداث، الأمر الذي أوجد حالة من الإحباط وخيبة الأمل لدى الكثيرين في الشعب الجزائري. وهو ما يعني أن المؤسسة العسكرية تهيئ البلاد لتقبل سيناريو الإطاحة بالرئيس بوتفليقة في المستقبل القريب بنفس الأسلوب الذي أدى إلى إسقاط الرئيس السابق بن جديد من خلال إثارة الاضطرابات الشعبية وزيادة حدة الاحتقان السياسي. فشل الاحزاب السياسية لعل أبرز تعبير عن فشل الأحزاب السياسية في الجزائر تصريح رئيس حزب جبهة القوى الاشتراكية (حسين آيت أحمد) الذي يعد أحد الرموز التاريخية في الجزائر، والرموز الأبرز للقبائل، والذي قال فيه: (أن الشعب الجزائري ينظر إلى رجال السياسة وكأنهم مهرجون).وحقيقة الأمر أننا عندما ننظر إلى التنافر السائد بين الأحزاب السبعة المشكلة للإئتلاف الحاكم، وتكريسها للفرز العرقي و الثقافي والأيديولوجي ، نلمس فقدان ثقة الشعب في هذه الأحزاب رغم أنها تملك كل الصلاحيات التي تسمح لها بفتح مقرات في الولايات والدوائر والبلديات وممارسة النشاط السياسي بكل ديمقراطية وحرية، ولكنها من جهة الواقع وكما تقول جريدة الشعب الجزائرية (لا تنشط في الميدان ولا تحتك بالمواطنين ولا تستمع إلى المغبونين والمظلومين والمحقورين، وتنقل إنشغالاتهم وهموهم إلى الهيئات الوطنية والمحلية المعنية.. فقد أثبتت أحداث (تيزي اوزو) و(بجاية) أن الأحزاب لا علاقة لها بالمواطنين وأنها لا تملك شيئا في يدها يمكنها أن تقدمه لهم حتى يستمعوا إلى خطابها، والسبب في ذلك أن أغلب احزابنا لا تمارس السياسة بل تمارس التجارة والإبتزاز السياسي). وربما يكون إنسحاب حزب (التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية) وهو حزب علماني فرانكفوني بزعامة سعيد سعدي من الإئتلاف الحكومي احتجاجا على استخدام العنف ضد شباب القبائل تكريسا واضحا للفرز العرقي، لأنه يمثل القبائل وليس له قاعدة وطنية عامة. وبالمثل لا يمثل حزبا (حركة مجتمع السلم) و(النهضة) سوى قطاع محدود من التيار الإسلامي، بينما يبدو حزبا (التجمع الوطني الديمقراطي) حزب الأغلبية و(جبهة التحرير الوطني) حزبي سلطة، في حين لا شعبية تذكر لحزبي (التجديد) و(التحالف الجمهوري). ومن الغريب أن تبدو هذه الأحزاب الحاكمة مترددة في دعم جهود الرئيس بوتفليقة لتحقيق دعوته للوئام الوطني، بل وتدخل في شبه صراع علني مع اللجنة الوطنية للجمعيات المناصرة لبوتفليقة، لأنها تنظم اجتماعات جماهيرية لهذا الغرض، ويحدث هذا وسط جو من الإنقلاب الاعلامي شمل تعريضا برموز الدولة مما دعا السلطة للجوء إلى الحل الأمني باعداد قانون يعاقب بالسجن من يمس هذه الرموز، لتدخل المسألة في دائرة جديدة من الصراع السياسي، خاصة عندما يرى البعض في هذا القانون تقييدا للحريات العامة، مما يعني مزيدا من الاضطراب السياسي لا يقل في خطورته عن الاضطراب الأمني المستفحل منذ أكثر من عشر سنوات بعد إقصاء جبهة الإنقاذ، هو ما تسبب حتى الآن في مصرع أكثر من 100 ألف شخص نتيجة الصراع الدموي بين الجماعات المتطرفة والدولة، وخسائر مادية قدرت بنحو 25 مليار دولار. مخاطر النزعة الانفصالية أن الأحداث الدامية التي شهدتها مناطق القبائل أخيرا، لم تكن منفصلة أبدا عن ذلك الاعلان الغامض الذي صدر في 2/7/1998 في (تيزي اوزو) حول تأسيس ما يسمى بـ (الحركة المسلحة البربرية) التي توعدت باللجوء إلى العنف للدفاع عما أسمته حقوق البربر، وهو مالا يمكن معه استبعاد وجود قوى أجنبية يهمها استمرار حالة عدم الاستقرار والاضطرابات الدائرة في الجزائر إلى مالا نهاية، وإضافة بعد جديد للأزمة يتمثل في إثارة منطقة القبائل لمزيد من تشتيت جهود الدولة واستنزافها بين المنظمات الإسلامية المتطرفة من جهة، وبين شعب البربر الثائر من جهة أخرى، وذلك لحساب مصالح هذه القوى الأجنبية. ويمكننا أن نشهد ثمار هذا التخطيط الأجنبي في الأحداث الحالية وبعد سنتين فقط من صدور ذلك البيان، وهو ما يعني أن تلك القوى الأجنبية استغلت تلك الفترة في تمهيد الأرض لإعلان ثورة البربر على النحو القائم بعد إمدادها بالأموال والأسلحة والمخططات التي تستهدف في النهاية فصل مناطق القبائل وإضافة ما يسمى بـ (دويلة البربر) وهى جزء من مخطط استعماري صهيوني أوسع يسعى إلى تفتيت الدول العربية والإسلامية إلى دويلات صغيرة ضعيفة على أسس عرقية وطائفية ومذهبية تدور في فلك القوة الإقليمية العظمى في المنطقة وهي في زعم أصحاب هذا المخطط إسرائيل، وهذا المخطط الاستعماري الصهيوني قد أشارت إليه في السنوات الأخيرة كتابات إسرائيلية وبريطانية وأمريكية عديدة.. منها (استراتيجية إسرائيل في الثمانينيات) لعوريد بينون مستشار مناحم بيجن للأمن القومي، وكتاب (بين جيلين) لبريجنسكى مستشار كارتر للأمن القومي، بالإضافة لكتابات د. برنارد لويس متخصص الدراسات الإسلامية في جامعة برنستون. وجميعها تدور حول تطبيق فكر الزعيم الصهيوني القديم جابوتنسكي لاقامة (كومنولث عبري) تقوده إسرائيل في منطقة الشرق الأوسط. وما محاولات فصل إقليم البربر في الجزائر إلا جزء من مخطط لاقامة دويلة البربر تستقطع أجزاء من المغرب وليبيا تضم باقي قبائل البربر، بالإضافة طبعا لما يشمله المخطط من إقامة دويلة البوليزاريو على حساب المغرب. وإذا أردنا أن نتجنب المساهمة في تنفيذ هذا المخطط بالوعي تارة وباللاوعي تارة أخرى. فلا بديل عن اليقظة لهذه المخططات الأجنبية وأدوات تنفيذها في الداخل، وهو ما يعني ضرورة توحيد الصفوف وتجاوز الخصومات والأوضاع الفردية، والتلاحم مع جماهير الشعب والسعي الجاد نحو حل مشاكلها حتى لاتقع فريسة هذه المؤامرات. ـ خبير استراتيجي مصري