مسارات البناء القومي في دول العالم الثالث عادة ما تفرز مجموعة من التناقضات الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية. وبدورها تتحول هذه التناقضات عندما تتوفر الشروط والبيئة الملائمة، إلى اضطرابات وأزمات يمكن أن تعصف بأركان الدولة القومية واستقرارها. وقد يصل الأمر في بعض الأحيان إلى حد المساس بالأسس والمباديء التي شكلت الأرضية الضرورية لقيام الدولة القومية، خاصة عندما تفشل المنظومة الفكرية في انتاج وتجديد الفكر القومي الكفيل باستمرار التماسك والتضامن الوطني. والجزائر لا تشذ عن هذه القاعدة العامة التي تميز جل دول العالم الثالث. فالأحداث التي وقعت في منطقة القبائل لا يمكن فهمها إلا في إطار هذه الجدلية. منذ بروز الحركة الوطنية الجزائرية في شكل تيارات وأحزاب سياسية ابتداء من سنة 1926 تميزت بتنوع فكري أيديولوجي رهيب، وهو الأمر الذي لم تعرفه بقية الحركات الوطنية في المغرب العربي. ومع ذلك فهذا التنوع والاختلاف الأيديولوجي بين أقطاب الحركة الوطنية لم يكن مرتبطاً بمسائل الهوية أو الامتداد الحضاري والعرقي للجزائر بقدر ما كان اختلافاً حول طرق مواجهة الاستعمار الفرنسي. وباندلاع الثورة المسلحة سنة 1954 تم حسم موضوع هذا الاختلاف. وقد حصل إجماع بين أجنحة الحركة الوطنية خلال مرحلة الكفاح المسلح حول مميزات وأسس المجتمع الجزائري التي يمكن اختزالها في انتمائه العربي ـ الإسلامي. استمر هذا الإجماع في جزائر ما بعد الاستقلال رغم ظهور بعض الخلافات والاضطرابات التي كانت عبارة عن صراع على السلطة بين النُخب الحاكمة والمعارضة السياسية. ولم تصل هذه الأخيرة ـ رغم العداء الذي تكنه للفئة الحاكمة ـ إلى حد بلورة مطالب ثقافية أو عرقية يمكن أن تكون سبباً في تفكك الدولة القومية. ويرجع ذلك أساساً إلى مجموعة من الاعتبارات أهمها ما يلي: أ ـ أهمية وفعالية سياسات النظام القائم خاصة أثناء فترة حكم الرئيس الراحل هواري بومدين. بحيث أن النتائج التي حققتها هذه السياسات أحدثت نقلة نوعية مهمة في حياة المواطن الجزائري. بالإضافة إلى أن هذه السياسات كانت تستمد قوتها ومشروعيتها من مباديء الثورة الجزائرية المقدسة لدى القاعدة الشعبية. ب ـ الوعي الوطني القوي لقيادات المعارضة السياسية، وهو الأمر الذي دفع بالكثير من الجزائريين إلى تفضيل العيش في المنفى على ضرب أركان الوحدة الوطنية رافضين تطبيق مقولة «الغاية تبرر الوسيلة». ج ـ رغم سلبيات عملية التأطير السياسي والأيديولوجي التي كان يقوم بها حزب جبهة التحرير الوطني، فإنه استطاع أن يضمن الحد الأدنى من الوعي الجماهيري الضروري لتماسك ووحدة المجتمع الجزائري. د ـ الظروف الدولية التي ميزتها الحرب الباردة والصراع الأيديولوجي بين المعسكرين الشرقي والغربي جعلت الكثير من دول العالم الثالث في مأمن من كل أشكال اختراق السيادة الوطنية، بل منحتها هذه الظروف حرية واسعة في ميدان اتخاذ القرار. بحلول عقد الثمانينيات عرفت البيئتان الداخلية والخارجية للجزائر تحولات جذرية مما أحدث تصدعاً واختلالاً عميقاً في وضع المجتمع الجزائري. وهذه التحولات التي أفرزت مؤشرات الانتقال إلى وضع مستقبلي مجهول بالنسبة لأغلبية المواطنين. ولكن كان واضحاً بالنسبة للمحلل السياسي أن هذا الوضع المستقبلي سوف توجهه وتتحكم فيه أطراف داخلية وخارجية قادرة على التأثير في متغيراته. وكان واضحاً كذلك أن هذه الأطراف تختلف في التوجه السياسي وفي المصلحة عن النخب السياسية التي حكمت الجزائر منذ الاستقلال. فقد لعبت مجموعة من العوامل الدور الحاسم في حدوث هذا التحول. ففي الميدان الاقتصادي يلاحظ أن الارتفاع القياسي في أسعار المحروقات وما واكبه من تدفقات مالية كبيرة على الجزائر لم تساهم في إحداث الوثبة الاقتصادية الضرورية على الأقل لمنع حدوث تراجع اقتصادي. ولكن مع نهاية الثمانينيات ازداد الوضع الاقتصادي تدهوراً بحيث انتشرت مجموعة من المظاهر الاقتصادية السلبية مثل التبعية للخارج في الميدان الغذائي والزراعي، ارتفاع نسبة البطالة، انتشار النشاطات الطفيلية. وتفاقم مشكل المديونية للدوائر العالمية الرأسمالية. هذه الاختلالات وفرت الظروف الملائمة لتعاقب الأزمات الاجتماعية في الجزائر والتي ساهمت في تآكل ثم اندثار مصادر شرعية النظام السياسي، وساهمت بالتالي في بداية بروز التيارات السياسية المتطرفة. وما زاد الأمر تعقيداً هو تراجع الأيديولوجيات اليسارية في العالم بما في ذلك أيديولوجية حزب جبهة التحرير الوطني. ونتيجة لذلك اهتزت ركائز شرعية النظام السياسي الجزائري. وبالتالي دخول الجزائر في فراغ أيديولوجي وفكري رهيب. وفي غياب مشروع فكري وأيديولوجي قومي عام وشامل بديل عن المشروع البائد، تسارعت موجة انتشار التيارات السياسية الجوفاء نظراً لعدم قيامها على أسس فكرية وعقائدية وطنية وعدم توفرها حتى على تصور عام لكيفية معالجة أزمة الجزائر متعددة الأبعاد. وقد زاد دستور 1989 الذي كرس التعددية السياسية في الجزائر من تأزم الوضع في الجزائر. إذ أن مسار الديمقراطية الذي انبثق عن هذا الدستور تم تجاهل ثم إلغاء الحقائق التي أفرزها. وعليه يمكن اعتبار قرار توقيف وإلغاء نتائج الانتخابات البرلمانية الأولى من نوعها في الجزائر بمثابة التحول الجذري في علاقة السلطة بالقاعدة الشعبية، وبمثابة الصدمة المهمة لقواعد الشرعية الجديدة. وفي الحقيقة فإن الأحزاب الصغيرة التي خسرت هذه الانتخابات هي التي طلبت من السلطة الحاكمة إلغاء نتائج العملية الانتخابية بسبب الخطر الذي تمثله الجبهة الإسلامية للإنقاذ ـ الفائزة في الانتخابات ـ على مستقبل الديمقراطية في الجزائر. فبدل لجوء السلطة إلى إجراء حوار مع الأغلبية التي أفرزتها هذه الانتخابات، دخل صنّاع القرار في تحالف غريب مع أحزاب الأقلية المتطرفة ضد ما أصبح يسمى بالأصولية الإسلامية. وهذه الأحزاب المتطرفة هي التي حاولت خلال عقد من الزمن تغيير الواقع الثقافي واللغوي والحضاري والعرقي للمجتمع الجزائري. ولما كانت العلاقة بين هذه الأحزاب ومراكز السلطة هي علاقة مساومة، فلا غرابة أن تُكرس المطالب المتطرفة لهذه التيارات في الخطاب والوثائق الرسمية للجمهورية الجزائرية. ومن ثم يمكن القول إن أحداث منطقة القبائل خاصة وأن حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية يعتبر من أهم مهندسي هذا التحالف. لذلك فإذا كانت الديمقراطية الحقيقية توفر وسائل حل النزاعات بطريقة سلمية، فإن الأنظمة القائمة على أساس تحالف الأقلية تعني مباشرة أنه في حال نشوب نزاعات بين أطراف هذه الأقلية فإنها لا تُسوى وفقاً للميكانيزمات والطرق الديمقراطية بل وفقاً لقواعد اللعبة والتأثير التي تفقهها هذه الأطراف. وعندئذ تقف الأغلبية موقف المتفرج من الأحداث والنزاعات التي تفرزها عملية المساومة بين هذه الأطراف. فالمطالب التي رفعها المشاركون في أحداث منطقة القبائل تبدو منطقية ومشروعة ولكنها لا تقتصر على هذه المنطقة فقط دون غيرها. بل إن الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في هذه المنطقة أحسن بكثير من الوضع في الولايات المجاورة. والأكثر من ذلك أن نصيب منطقة القبائل في السلطة ومراكز النفوذ السياسية والعسكرية والاقتصادية يفوق بكثير نصيب أي منطقة أخرى. هناك عدة مؤشرات خارجية توحي بإمكانية استغلال أطراف خارجية للوضع المتأزم في الجزائر بتحريكها لأحداث الشغب التي ميزت منطقة القبائل. فالنشاط الجزائري الخارجي اتجه في المدة الأخيرة نحو تنويع مراكز الشراكة الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية مع الجزائر. وهو الأمر الذي اعتبرته بعض الأطراف الدولية كفرنسا بمثابة التهديد الحقيقي لمصالحها ومركزها في الجزائر. وفي هذا السياق يمكن إدراج تصريحات وزير الخارجية الفرنسي بشأن الأحداث، وكذا التعاون بين الحزب الاشتراكي الفرنسي وجبهة القوى الاشتراكية بزعامة حسين آيت أحمد التي تتمركز في منطقة القبائل بشأن تكوين لجنة تحقيق دولية في الأحداث، ثم الحملة الإعلامية الفرنسية التي أبرزت بشكل واضح كل أنواع المطالب الانفصالية التي تبلورت في فرنسا. وفي خضم هذه المعطيات والمتغيرات التي ساهمت في اندلاع وتطور أحداث العنف التي شهدتها منطقة القبائل خاصة بجاية وتيزي أوزو يمكن استخلاص مجموعة من النتائج منها: 1ـ رغم أن منطقة القبائل عرفت منذ الاستقلال سلسلة من الأحداث والاضطرابات (1963، 1967، 1980) التي تعبّر عن نوع من الاستياء والتذمر لدى سكان هذه المنطقة تجاه سياسات وسلوكيات السلطة، إلا أنها كانت تعبيراً عن مطالب اجتماعية واقتصادية وثقافية ولم تصل إطلاقاً إلى حد بلورة مطالب انفصالية. فالأحداث الأخيرة حول هذه المطالب إلى الاستقلال التام، رفض الانتماء إلى الحضارة العربية الإسلامية، ثم جعل الأمازيغية لغة وطنية ورسمية للجزائر. وبغض النظر عن حجم القاعدة الشعبية المؤيدة لهذه المطالب الجديدة، فإن ذلك يعني حدوث تحول عميق في استراتيجية القوى والتنظيمات التي تؤطر المنطقة سياسياً وثقافياً. وهناك دلالات ومؤشرات كثيرة تصب في مسعى فصل المنطقة ثقافياً وعرقياً ودينياً عن بقية مناطق الجزائر. 2ـ اتخاذ العنف كوسيلة للتعبير عن مطالب معينة قد يؤدي إلى نتائج عكسية. فأحداث منطقة القبائل الأخيرة انصبت حول كسر وهدم وحرق مؤسسات الدولة القائمة أساساً لخدمة المواطن. كما أنها امتدت كذلك إلى الاعتداء على مصالح وممتلكات المواطنين الجزائريين خاصة منهم المستعملون للطريق الوطني رقم (5) الرابط بين الجزائر العاصمة وولايات الشرق الجزائري. 3ـ اللجوء إلى تعديلات دستورية كوسيلة لحل مشكلة القبائل تعتبر ممارسة غير منطقية وغير واقعية، لأن حل مشاكل المجتمع تقتضي القيام بإجراءات ملموسة تصب في القضاء على الأسباب الحقيقية لهذه المشاكل. 4ـ وأخيراً فإن أحداث منطقة القبائل سوف تؤدي حتماً إلى ادخال نوع من العقلانية على سلوكيات السلطة خاصة منها المرتبطة بطرق انفاق عائدات المحروقات، وفي مسار الاصلاحات الاقتصادية العشوائية التي كرست تقسيماً طبقياً رهيباً في الجزائر. ومن جهة أخرى فإن هذه الأحداث سوف تدفع السلطة إلى إعادة النظر في طبيعة وأطراف تحالفاتها السياسية وفي العلاقة بينها وبين القاعدة الشعبية. وكل هذا لا يمكن أن يتم إلا في إطار مشروع وطني يمثل الأبعاد الحضارية والثقافية والعرقية... الخ لأغلبية الشعب الجزائري أهم منطلقاته. وهو الأمر الذي يؤدي إلى غلق أبواب التطرف وأبواب اختراق السيادة الوطنية. ـ جامعة الجزائر