التنسيق السوري اللبناني قطع في السنوات الماضية شوطاً بعيداً في إرساء ثقة الاستراتيجية، وبالتالي إرساء تعاون استراتيجي محمود بينهما، في حين أن المسارين الفلسطيني السوري لم يصلا الى هذا المستوى بعد، ولكن الباب لم يغلق، فهناك مبادرات لإرساء التعاون والتنسيق الجديدين اللذين سيعززان معهما الثقة بين فلسطين وسوريا ولبنان، بحيث تصبح هذه العلاقات استراتيجية الجوهر والمضمون. هذا ما أكده د. أسعد عبدالرحمن ـ المكلف بالعلاقات الفلسطينية مع كل من سوريا ولبنان ـ أثناء حوار «البيان» معه. ويصف ما وصلت إليه هذه العلاقات بين القدس دمشق بأنها تنسيق مستجد تطمح القيادتان منه أن يصل إلى مرحلة التلازم، ويعترف د. عبد الرحمن أن الوقت لم يحن بعد للوصول إلى تلازم المسارين الفلسطيني السوري. رغم تفاؤله بما تم حتى الآن حيث وافق الطرفان على برنامج عمل للتعاون، بمعنى ترابط المسار الفلسطيني مع المسار السوري اللبناني الموحد على أمل أن ينضج هذا التعاون الوليد ليصبح تعاونا يافعا ومن ثم تعاونا بالغا ورشيدا على حد قول عبد الرحمن. وإذا كان قد فهم من مصطلح (التلازم) بأن السلطة الوطنية الفلسطينية باتت تطمح برؤية المسارين الفلسطيني السوري وقد اصبحا على صورة مسار واحد كما المسارين اللبناني السوري، فان هذا الفهم غير دقيق إلى حد كبير، فالفرق بين (بيروت ـ القدس) كبير ومن غير المقبول حتى فلسطينيا الحديث عن ذلك في الوقت المنظور على الأقل، نظرا لخطورة هذا الأمر على مستقبل السلطة الفلسطينية نفسها، وبالتالي فان المقصود بالتلازم على الطريقة الفلسطينية وليس على الطريقة اللبنانية. إذاً يبقى السؤال حول معنى التلازم فلسطينيا بعد أن فهم الجميع مغزى القول بالتلازم على الطريقة اللبنانية، وحول ماذا يريد الفلسطينيون من السوريين في الوقت الراهن، يجيب عن ذلك المنسق الفلسطيني لهذه العلاقات بالقول إن ما نريده هو التنسيق بحد ذاته، وهو مطلب فلسطيني غال، مؤكدا بان كلا من الطرفين في دمشق والقدس باتا يدركان اكثر من أي وقت مضى بان التعاون والتنسيق أمر ملح وفي غاية الخطورة. فالطرفان بحسب قول د. عبد الرحمن، ومعهما لبنان الشقيق يواجهان جميع استحقاقات المرحلة الشارونية بكل تحدياتها وخطورتها الشديدة، وبخاصة بعد أن وصلت جميع المسارات إلى طريق مسدود، وغدا جليا أن موقف شارون وحكومته وائتلافه مبيت ومبني على رفض حتى القرارات الدنيا للشريعة الدولية. مبادرات حميدة ويؤكد المسئول الفلسطيني في هذا السياق ان الأشقاء الفلسطينيين والسوريين واللبنانيين قد تبادلوا مبادرات حميدة باتجاه بعضهم البعض، حيث أصبحت هناك رؤية موحدة حول أهمية التنسيق في كل الامور التي تخدم المصلحة القومية العليا. وهو أمر لدى د. اسعد عبد الرحمن منشود لذاته مثلما هو مطلوب لخدمة أغراض تحرير الجولان المحتل، وما تبقى محتلا من ارض لبنانية، بالإضافة بالتأكيد إلى إنجاز حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وإشهار الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس. ويشير د. عبد الرحمن بكثير من الشك لمن وصفهم بمطلقي الحديث عن شروط تفرضها دمشق على قيادة السلطة، ويقول في ذلك «إن الحديث بهذا الاتجاه إما هو حديث بريء ساذج أو هو من قبيل المناورات الخبيثة من قبل مروجيها، ويعترف المسئول الفلسطيني بأن ما وصلت إليه العلاقة الفلسطينية السورية كان أولا وبصورة نهائية بدفع من نضج الحالة الراهنة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، خصوصا بعد الصمود السياسي للقيادة الفلسطينية في كامب ديفيد، مرورا بالصمود الفلسطيني في الميدان وفي مواجهة الاحتلال الإسرائيلي الذي حاول منذ سبتمبر الماضي إملاء ما لم يستطع فرضه سياسيا في كامب ديفيد الثانية، بالإضافة إلى انفجار بركان الانتفاضة، وكل هذه عوامل كبرى ساهمت في جعل التربة خصبة للتحول الإيجابي في العلاقات داخل المسار السوري الفلسطيني اللبناني، والتي تمت المباشرة في إرساء قواعده. ويقول د. عبد الرحمن أما وقد اتفقنا مع الرئيس السوري د. بشار الأسد على طي صفحة الماضي فلا نجد سببا واحدا لنبش القبور، ولهذا نحن الآن مشدودين إلى المستقبل المشرق بإذن الله، مجددا القول بأن المرحلة الراهنة تتطلب بصورة عملية شعار «لا صوت يعلو على صوت التنسيق السوري اللبناني». الفراغ السياسي يشير د. عبد الرحمن انه أحد المؤمنين بقوة بان اسرائيل تصول وتجول في المنطقة بسبب الفراغ السياسي الناجم عن غياب التضامن العربي، ناهيك عن غياب الوحدة العربية. ويقول: ومن هنا فإنني من العاملين على التخلص من ذلك الفراغ عبر تعزيز التضامن العربي. ويؤمن د. اسعد عبد الرحمن بأن الوقت حان إلى ترسيخ علاقات استراتيجية مع سوريا، في الوقت الذي نرى فيه علاقات وطيدة قائمة على أشكال مثلثات ومربعات وغير ذلك بين بعض الدول العربية، مستشهدا بمثلث العلاقات السوري المصري والسعودي، والمصري الأردني الفلسطيني، ودول مجلس التعاون الخليجية وغير ذلك من صيغ ثنائية أو ثلاثية أو اكثر. ويتساءل المنسق الفلسطيني للعلاقات بين القدس ودمشق لماذا لا تتعزز كل هذه المثلثات والمربعات وغيرها من الصيغة بمثلث جديد تكون أضلاعه (القدس ـ دمشق ـ بيروت) ويكون في تناغم وتكامل مع الترتيبات العربية الأخرى. ولا يخفي د. عبد الرحمن طموحه فيما وصفه بتنسيق دول الطوق المستند على صيغة خماسية من دول الجوار، بحيث يكون هذا الشكل التنسيقي الخماسي، والقول للدكتور، هو مقدمة رمح التنسيق العربي المدعوم من الأشقاء العرب؟ وحول ما إذا كانت هناك مساع عربي لعودة التنسيق بين المسارين الفلسطيني السوري قال المسئول الفلسطيني: إن أطرافا عربية عديدة لعبت أدوارا متفاوتة طوال المرحلة الماضية في الدفع باتجاه طي صفحة الماضي في هذه العلاقات وفي طليعة هذه الدول مصر والسعودية والأردن وتونس إلا انه عاد وأكد أن نضج الظروف الموضوعية بالمعنى السياسي الذي سبق وأشرت إليه يبقى العامل الأكثر أهمية في وضع عربة العلاقات الفلسطينية السورية على السكة. ـ هل العلاقة مع سوريا تعني العودة عن المفاوضات السابقة؟ في رده على سؤال حول إمكانية نجاح هذا التنسيق في ظل الاتفاقات الفلسطينية الإسرائيلية السابقة، وما إذا كانت قيادة السلطة الوطنية الفلسطينية قادرة على العودة عن هذه الاتفاقيات والبدء من جديد أي من حيث انتهت مدريد قال د. اسعد عبد الرحمن نحن لا نعود عن عملية السلام التي باتت خيارا عربيا استراتيجيا، ولكن عندما نقول ذلك يجب أن تعي تل أبيب أننا نملك خيارا غير خيار التسوية إذا ما أرادت هي ذلك، مشددا بان عملية التسوية يجب أن لا تبقى الخيار الوحيد عربيا. وباختصار شديد، يقول المسئول الفلسطيني، إن عادت اسرائيل إلى مسيرة تسوية عدنا إليها، وإن هي عادت عن ذلك المسار فلن نقف مكتوفي الأيدي، وسنعود نحن أيضا. وبالنظر إلى الأوضاع الميدانية على الساحة الفلسطينية فان القيادة الفلسطينية مصممة على مواجهة العدوان الإسرائيلي وعلى استمرار الانتفاضة وتطهيرها من شوائبها إلى أن يتضح للقيادة الإسرائيلية ولغيرها أن الفلسطينيين قادرون على صد العدوان الإسرائيلي في انتظار جنوح هؤلاء القتلة إلى السلم، أما إذا كان أحد ما ينتظر موافقة القيادة الفلسطينية بالإملاءات الإسرائيلية، فانه سينتظر طويلاً دون طائل. ـ ولكن أليس من المعروف ضمنا أن إسرائيل وافقت على عودة القيادات الفلسطينية إلى فلسطين بشرط المفاوضات معها وفق الأسس التي تم الاتفاق عليها منذ أوسلو، وبالتالي اصبح تواجد هذه القيادات في الداخل عبئا بعد أن كان استحقاقا ونتيجة إيجابية، لما بات يشكله هذا التواجد من شروط تتعلق بتقديم مزيد من التنازلات الفلسطينية؟ هذا السؤال مررناه إلى د. عبد الرحمن فقال: ربما تكون القيادة قد أصبحت من منظور إسرائيلي عبئا عليها خاصة أن نبض القيادة كان وما زال وسيبقى مع نبض الشارع والجماهير، فالمعضلة التي تجابهها إسرائيل في هذا الصدد هي أن القيادة الفلسطينية هي الوحيدة المؤهلة والقادرة على المضي في عملية التسوية دون استسلام عبثي ودون تطرف عدمي. زيارة عرفات المؤجلة ـ لوحظ أن زيارة الرئيس عرفات لسوريا تم تأجيلها مرتين. د. اسعد عبد الرحمن أكد في هذا الصدد أنه لا يوجد أي سبب يمكن أن يعيق الزيارة، مستخفا بالقول الذي يشير إلى أن اللقاءات الأمنية بين قيادات السلطة والإسرائيلية تعطل زيارة أبو عمار إلى دمشق وقال: يمكن أن يؤثر على القرار الفلسطيني السوري الاستراتيجي بالتنسيق أي شيء، مشيرا في الوقت ذاته إلى أن التشابه والتطابق في المسارات يقابله خصوصية في التفاصيل لكل مسار. وشدد د. عبد الرحمن بان هذه الخصوصيات التفصيلية لكل مسار لن تؤثر على التنسيق بينهما، بل أنها تقع في إطار التنسيق العام، وقال مما لا شك فيه انه مع التنسيق تتقلص الخصوصيات إلى حدها الأدنى الموضوعي وفي المقابل فانه مع غياب التنسيق تنمو غدد الوضع الخاص وتتضخم ويصعب العلاج. أما عن الموعد النهائي للزيارة فقد أكد المنسق للزيارة أن الملف النهائي لها اصبح بين يدي الرئيسين السوري والفلسطيني وفقا لما يسمح به برنامجهما المشترك.