بيان الاربعاء: تعتبر ظاهرة عمالة الاطفال بين سن 6 ـ 15 سنة في اليمن من الظواهر التي افرزتها التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي شهدها اليمن خلال السنوات العشر الماضية، واذا كانت هذه الظاهرة تجد اسبابها في التقاليد والمورث الاجتماعي ، حيث يعمل الاطفال عادة مع اقاربهم وذويهم لا سيما في القطاع الزراعي الذي يستحوذ على نسبة 75% من نشاط السكان اليمنيين واحيانا في القطاع التجاري والحرفي الا ان اللافت في هذه الظاهرة هو تزايد نسبة عمل الاطفال لدى الغير، التي وصلت حسب التقديرات الرسمية والاتحادات النقابية العمالية الى حوالي 300 الف طفل يعملون عند الغير ويتعرضون في عملهم لمختلف صنوف الاستغلال البدني والمادي ما يطرح بالحاح ضرورة معالجة هذه الظاهرة التي لم تكن مألوفة من قبل في المجتمع اليمني وتقضي بضرورة التوجه الى معالجة الاسباب المفرزة لها. ويرى الدكتور خالد راجح شيخ مستشار الاتحاد العام لنقابات العمال ان قضية عمالة الاطفال اليمنيين هي محصل طبيعي لسياسة الاصلاحات الاقتصادية والمالية التي شرع اليمن بتنفيذها منذ العام 1995م علاوة على عودة ما يزيد على 850 الف مهاجر ومغترب عقب ازمة الخليج عام 1990م، وعودة هؤلاء المغتربين ولدت ضغطا على سوق العمل وزادت من الطلب على الخدمات الاجتماعية في الوقت الذي ذهبت فيه الحكومات اليمنية المتعاقبة الى تبني سياسة الاصلاحات الاقتصادية والمالية التي كان من متطلباتها تقليص النفقات والحد من فرص العمل في الاجهزة الحكومية ورفع الدعم عن السلع الاساسية القمح، الدقيق، الارز، السكر، الادوية، وكذلك المشتقات النفطية وكلها كانت ذات تأثير كبير على مداخيل الاسرة اليمنية خاصة محدودة الدخل التي اصبحت عاجزة عن تلبية متطلباتها الاساسية وبالتالي رفعت نسبة الاعالة للفرد العامل تجاه افراد اسرته مادفع بالكثير من الاسر اليمنية الى الحاق هذه الاسر ابناءها في سوق العمل بغية لتوفير الحاجات الاساسية التي اضحت تشكل ضغطا قويا على ميزانية الاسرة. ظواهر ملازمة ويستطرد الدكتور شيخ قائلا بطبيعة الحال هناك اسر قد يكون الدافع وراء الحاق ابنائها بسوق العمل يعود الى وفاة عائل الاسرة او لعجزه عن العمل. وعموما فان خطورة هذه الظاهرة هي في توليدها لظواهر ملازمة لها مثل الاشتغال بأعمال تسبب خطرا على حياة الاطفال وعلى صحتهم البدنية والنفسية علاوة على تسرب العديد منهم من المدارس او عدم التحاقهم اصلا فيها وهنا يتعين معالجة هذه الظاهرة ليس بالقضاء عليها لان مسألة القضاء عليها صعبة وتتطلب بدائل اخرى لا اعتقد انه في حالة اليمن يمكن توفيرها وعلى هذا الاساس فالتركيز سينصب على تخفيف اثار هذه العمالة على بدن ونفسية الطفل، وهذا ما نسعى لبلوغه في الاتحاد العام لنقابات العمال. وهناك استراتيجية لتنظيم هذه العملية طالما انها باتت تشكل واقعا مريرا لكن الهدف من هذه الاستراتيجية تلطيف وتخفيف آثار هذه الظاهرة. وطبقا لمنطلقات الاستراتيجية التي وضعتها وزارة العمل بالتعاون مع المنظمة السويدية لرعاية الاطفال والبرنامج الانمائي للامم المتحدة ومنظمة العمل واتحاد نقابات العمال فان البداية تكمن في اتخاذ خطوات عملية للكشف عن المشكلة وازاحة الستار عنها وصولا الى توعية الرأي العام بمخاطرها وفتح حوار شامل مع المعنيين من جهات حكومية ومنظمات دولية وارباب عمل بغية تضافر مختلف جهود هذه الاطراف للمساهمة بمعالجة المشكلة، وملخص هذه الاستراتيجية يتركز بداية على جمع المعلومات الاولية والبيانات عبر القيام بدراسات ومسوحات تهدف الى ابراز المخاطر الصحية التي يتعرض لها الاطفال العاملون سواء في المناطق الريفية او الحضرية ومن شأن مثل هذه الدراسات ان تساعد على انشاء قواعد معلومات دقيقة تسمح بمتابعة ومراقبة عمل الاطفال وتؤسس للبرامج التي تسعى لمكافحتها من جهة وتمكين اصحاب القرار من ادماج عمالة الاطفال في صلب كل السياسات الوطنية والمحلية من جهة اخرى. قصور التشريعات ووفقا للمعلومات التي توافرت حتى الآن يتضح انه على الرغم من ان قانون العمل قد وفر قدرا من الحماية للاطفال غير ان دراسة واقع الحال تكشف ان العلاقة بين عمالة الاطفال وتشريعات العمل تعاني من قصور وثغرات قانونية يتعين سدها ومعالجتها علاوة على ان وجود اختلال بين تلك التشريعات وواقع تطبيقها واحترامها ما يجعل من اولويات الاستراتيجية تحسين تشريعات العمل وتطويرها وحمايتها بما يتوافق مع معايير العمل العربية والدولية مثل الربط بين الحد الادنى لسن الالتحاق بالعمل وسن اكمال التعليم الاساسي بحيث لا يقل عن 15 عاما، تحديد الحد الادنى للسن في الاعمال الصناعية وغير الصناعية وفي الاعمال الخطرة والحد الاقصى لساعات العمل وتحديد الاجارات في الاعمال والصناعات المختلفة. وتهدف الاستراتيجية الى التدخل لرعاية وحماية الاطفال العاملين انطلاقا من انه اذ كان هناك اطفال يعملون فهناك حاجة ملحة لسحبهم من سوق العمل لاسيما اذا كان الاطفال يمارسون اعمالا شاقة وخطرة تؤثر على نموهم الطبيعي او يعملون في الشوارع دون علم اسرهم ودون بنية اجتماعية مستقرة، ومن هذه البرامج التعليم والتدريب والرعاية الصحية لمحاور اساسية ويكون تطبيق تلك البرامج من خلال اطراف العمل الثلاثة والمنظمات غير الحكومية مع تحديد مقاييس ومعايير واضحة لتقييم مدى فعالية هذه البرامج التي تستهدف توفير التعليم الاساسي للاطفال في سن التعليم 6 ـ 15 سنة خاصة في المناطق الريفية التي ما زالت تواجه نقصا في خدمات التعليم، التركيز على تعليم الاناث في تلك المناطق وخلق ظروف ملائمة وتسهيلات الرعاية الصحية والغذائية التي تساعد الاسر الفقيرة على تعليم اطفالها، ومزج التعليم بالمعرفة والعمل بأساليب مرنة من خلال ادخال مقررات التعليم المهني ضمن مناهج التعليم الاساسي. وتركز الاستراتيجية على ضرورة اقتران التوسع في التعليم الاساسي للاطفال بتوفير الامان الاجتماعي للفقراء عبر تقديم الدعم للاسر الفقيرة الباحثة عن عمل لتعزيز قدرتها على رعاية اطفالها والتوسع في برامج واعداد الاسر المنتجة وفق انماط جديدة من الصناعات والاعمال التي تتلاءم مع احتياجات السوق. دراسة مهمة وفي السياق ذاته يتضح ان مخاطر هذه الظاهرة باتت تشغل الكثيرين من اليمنيين وامتد الاهتمام بها الى مختلف الفعاليات لما لها من انعكاسات سلبية على مستقبل الاجيال الذين يتدفقون الى سوق العمل بوتيرة عالية. ومن هذه الاهتمامات ان ست طالبات متخرجات من كلية الطب قسم المجتمع انجزن دراسة فريدة حول ظاهرة عمل الاطفال. حيث قمن بدراسة لعينة من الاطفال العاملين في امانة العاصمة صنعاء شملت 450 طفلا وطفلة تراوحت اعمارهم مابين 7 ـ 18 عاما بمتوسط عمر قدره 14.09 سنة ـ 2.30 ومثلت نسبة الاناث 4.4% بمتوسط 12.75 سنة ـ 2.17 ونسبة الذكور 95.6 بمتوسط عمر قدره 14.080 سنة ـ 2.35. ونسبة الذين لا يزالون ملتحقين بالتعليم لكنهم يعملون مثلت 51.6% والذين تركوا الدراسة 42.7% وشكلت الاسباب المادية الدافع الرئيسي لتسرب الاطفال العاملين من التعليم حيث مثلت نسبة 57.3%. وابرز البحث ان عدد افراد الاسرة التي يعمل بها الطفل او الاطفال يتراوح مابين 15 ـ 10 افراد وان نسبة الاطفال العاملين لوالدين على قيد الحياة قدرت بـ 84.4% في حين كانت نسبة الاطفال العاملين لوالدين متوفيين 0.9% ونسبة العاملين لوالدين مرتبطين بلغت 94.7% ونسبة الاطفال العاملين لوالدين منفصلين بلغت 5.3% ونسبة الاطفال العاملين لأباء متزوجين اكثر من زوجة 14.2%. وكل هذه المؤشرات تكشف بجلاء ان الاسباب الاقتصادية هي التي افرزت واقع عمل الاطفال اليمنيين والتي هي في الاساس من نتائج الاصلاحات الاقتصادية والسعرية التي اتبعها اليمن منذ العام 1995م طبقا لتوصيات المؤسسات المالية الدولية. الحالة المهنية وحول النتائج المتعلقة بالحالة المهنية للاطفال كشفت هذه الدراسة الميدانية ان نسبة الباعة والباعة المتجولين من الاطفال شكلت ما نسبته 61.7% من افراد العينة يليه العاملون بمطاعم بنسبة 8.9% وميكانيكية السيارات واصلاح الاطارات 8.9% النجارة 8.9% اللحام والحدادة 8.9% حمال 8.9% محصل في الحافلات 8.9% عامل نظافة 7.8% اسكافي 6.7%، منجد 4.4% جزار 4.4%، عامل في مخبز، 3.3% صانع احزمة «الجنابي» 3.3%. وكشفت الدراسة ان 16.9% من الاطفال يعملون لفائدتهم في حين شكل الاطفال الذين يعملون مع الوالد ومع الاقارب نسبة 45.3% وان 91.02% يعملون بدون عقد والذين يعملون بدوام يومي 91.8% بينما الذين يعملون بدوام موسمي خلال الاجازة 4.2% وكشفت الدراسة تدني نسبة الاجور التي يتقاضاها الاطفال علاوة على تعرض 95.6% منهم للعقوبات عند الخطأ في العمل وكان خصم اجورهم من ابرز العقوبات. واجمالا فان هذه الدراسة وغيرها من الدراسات التي تناولت هذه الظاهرة جميعها اوضحت ان هذه مشكلة قائمة يتعين مواجهتها والتصدي لها عن طريق احلال بدائل ناجعة تتلاءم مع متطلبات الحاجة التي تفضي دوما الى الدفع بالاطفال الى سوق العمل وهذه البدائل التي تحاول الاستراتيجية الوطنية لحماية الاطفال طرحها لو تم لها التحقق الفعلي لقلصت من هذه الظاهرة اما اذا ظلت في حدود الاماني فان الظاهرة ستتفاقم مع ما لذلك من آثار اجتماعية ونفسية على المجتمع برمته وهو ما يتعين تداركه في الامد المنظور.