بيان الاربعاء: يبدو أن الأمور كانت قد وصلت إلى طريق مسدود، فلم يكن هناك من مخرج سوى أن يختفي «كابيلا» الأب عن الساحة لإحداث انفراجة. وللحيلولة دون وقوع فوضى في صفوف الكونغوليين بسبب الصراع على السلطة، كان لابد أن يخلف الابن ابيه في الإمساك بمقاليد الأمور على أن يتعهد بكسر الجمود الذي اعترى عملية السلام، والذي حمل مراقبون والده الراحل ـ رولان كابيلا ـ مسئوليته. ففي مشهد أشبه بالأفلام البوليسية المتهافتة، يغتال الأب على يد أحد حراسه، الذي سرعان ما يعالجه آخرون برصاصات تنهي حياته بدوره، ويذهب معه سر اغتيال الوالد. ولم نسمع من يومها عن تحرك نشط لإماطة اللثام عن الحادث، والبحث عن مرتكبيه، ومعرفة دوافعهم. ألا يثير ذلك تساؤلا ما؟ لوران كابيلا، الأب المغامر، وصل إلى حكم بلاده بعد ثلاثة عقود قضاها في صفوف المعارضة لسلطة موبوتو سيسي سيكو. وتأرجح كابيلا خلال حياته يمينا ويسارا، في ممارسات براجماتية مكنته من الاستيلاء على الحكم في النهاية. ففي 1964، نجح في كسب تأييد كل من روسيا والصين وكوبا، لكن الثائر الأرجنتيني تشي جيفارا سرعان ما تخلى عنه بعدما شعر بالإحباط إزاء تولي كابيلا حركة المقاومة بعد مقتل باتريس لومومبا، ولقد أثبتت تطورات الحداث صدق رؤية جيفارا عندما نجح الجيش الكونغولي بقيادة موبوتو سيسي سيكو في القضاء على المقاومة في 1965، وواصل كابيلا قيادة حركة المقاومة إلى أن اختفى على نحو غير مبرر في 1988، لدرجة أن العديد من أنصاره ظنوه ميتا. وبعد اختفاء طويل عاد كابيلا للظهور في 1996 بعد محاولة موبوتو إبعاد المئات من المناهضين لحكمه ذوي الصلات الوثيقة بقبائل التوتسي في كل من بوروندي ورواندا؛ فدعا بول كاجامي رئيس رواندا كابيلا إلى تزعم المقاومة المسلحة لنظام موبوتو. وفي 1997 دخلت قوات كابيلا العاصمة كينشاسا منتصرة، واضطر موبوتو الذي كان يعاني السرطان إلى الفرار. تراجع شعبيته بيد أن كابيلا، الذي لقي ترحيبا من الكونغوليين بعد توليه السلطة، وإطلاق اسم جمهورية الكونغو الديمقراطية على زائير السابقة، وزادت شعبيته بعدما تعهد بإحياء اقتصاد البلاد، والقضاء على الفساد، سرعان ما خسر هذه الشعبية عندما وضع قيودا على الحريات المدنية والنشاط السياسي، حتى أن كثيرا من المواطنين باتوا يشعرون أنهم كانوا يتمتعون في السنوات الأخيرة من حكم موبوتو بقدر من الحرية يزيد عما يمارسونه في عهد كابيلا، واتهموه بمحاباة جماعته العرقية «لوبا». كما واجهة انتقادات دولية بسبب تعطيل الانتخابات الديمقراطية وإرهاب المعارضين. ودعت الأمم المتحدة إلى التحقيق في اتهامات وجهت إلى قواته بقتل عشرات الآلاف من اللاجئين الروانديين قبل وصوله إلى السلطة. وزادت الأمور سوءا في 1988 بعدما انقلب عليه حلفاؤه التقليديون في أوغندا ورواندا، واحتضنوا المتمردين عليه مثلما احتضنوا فيما مضى قواته المناهضة لموبوتو، ولم ينقذه خلال تلك الفترة سوى تدخل دول مجاورة أخرى هي أنجولا وناميبيا وزيمبابوي لمساعدته. لكن المتمردين بمساعدة أنجولا ورواندا استطاعوا السيطرة على نصف مساحة البلاد. ورغم التوصل إلى اتفاقية سلام في العام الماضي، لم يتوقف القتال في الكونغو. وفضلا عن تراجع شعبيته في الداخل وفقدانه لثقة القوى الدولية، وبوجه خاص بعدما اتهم بالتعنت في مفاوضات السلام وإفشال العديد من مساعي إنهاء الصراع، ضعفت سيطرته على الجيش أيضا. ففي أوائل يناير الماضي ألقي القبض على ثلاثة جنرالات بتهمة التخطيط للعصيان بسبب مطالب تتعلق بأجور الجنود. ومما أثار انتباه المعلقين أن الحرس الذي رافق جوزيف كابيلا الابن أثناء تشييع جنازة والده، كان مؤلفا من أفراد من أنجولا وزيمبابوي، الأمر الذي يشير إلى انعدام ثقته في القوات المسلحة الكونغولية. تحديات أمام الابن وكابيلا الابن يواجه عددا من التحديات مع توليه الحكم في ثالث أكبر البلدان الأفريقية من حيث المساحة. ونظرا لأن خلفية الرئيس الجديد عسكرية بالأساس مع ضعف خبرته السياسية، فمن المتوقع أن يزداد اعتماده على القوى الخارجية خاصة أنجولا وناميبيا وزيمبابوي التي ساندت والده من قبل. لكن هناك آراء ترجح أن بعض القوى المتورطة في الصراع بين الحكومة والمتمردين في الكونغو ربما تكون راغبة في الخروج من هذه الورطة، وربما يتيح لها تغيير الحكم فرصة للانسحاب. ولكن، ما هو الوضع الذي سيصل إليه الأطراف المتقاتلون في حالة التوصل لاتفاقية؟ من المرجح أن تجد القوات المتمردة نفسها مهددة في حالة فقدانها للدعم من أوغندا أو رواندا، الأمر الذي قد يدفع بعض هؤلاء المتمردين للاستسلام أو الدخول في محادثات سياسية مع الحكومة. بيد أن الصراعات القبلية في الكونغو أصبحت حالة مزمنة، على نحو لا يبشر بتوقفها في المستقبل المنظور، إلا أن حدتها ربما تقل في حالة التوصل إلى وضع عام أكثر استقرارا. ويرى بعض المحللين أن التوصل إلى سلام كامل في الكونغو ربما يكون أمنية مستحيلة، ومن ثم فأفضل ما يمكن أن يصل إليه جوزيف كابيلا هو إيجاد «وضع ما»، يمكن التعايش معه. ويستند هذا الرأي إلى أن موبوتو سيسي سيكو استطاع البقاء في الحكم قرابة ثلاثين عاما لانه تجاهل ببساطة حقيقة أن أجزاء من بلده الشاسعة ظلت خارج سيطرته من فترة لأخرى. ومن هنا، تصبح أهم الخطوات التي يتعين على الرئيس الجديد تحقيقها،هي أن يسعى أولا لإقرار شرعية لخلافته لوالده، وهو الأمر الذي ستساعده عليه القوى الخارجية المسئولة عن التخلص من والده وتوليته بدلا عنه، وعليه بعد ذلك أن يضع لنظام حكمه استراتيجية سياسية وعسكرية تضمن له الاستقرار في الحكم، وقبل هذا وذاك عليه أن يقنع حلفاءه الخارجيين بقدرته على إدارة البلاد، وإلا فلن يكون أمام هؤلاء الحلفاء سوى إرساله إلى حيث ذهب والده. بقلم: إكرام يوسف