بيان الاربعاء: في تصريح نشر مؤخرا، قال الرئيس اليمني علي عبدالله صالح إنه لن يدفع بابنه إلى خلافته في منصب رئيس الجمهورية، غير أنه (الابن) لو أراد أن يرشح نفسه بنفسه، فهذا شأنه ومن حقه دستوريا. وقبلها كانت قد ثارت تكهنات بشأن إعداد جمال ابن الرئيس المصري حسني مبارك لخلافة والده، خاصة بعد حصول الابن على عضوية المكتب السياسي للحزب الوطني الحاكم. غير أن الرئيس المصري نفى ذلك صراحة خلال زيارته الأخيرة للولايات المتحدة مؤكدا أن جمال مبارك لن يكون رئيس الجمهورية المقبل، وعلق محللون ـ معظمهم مصريون ـ على ذلك بأن طبيعة الشعب المصري ونفسيته لن تقبل مثل هذا النوع من الخلافة فيما أسماه بعض المحللين المصريين بالدول «الجمهوملكية». وبصرف النظر عن هذين المثالين بالذات، ومدى صحة التكهنات بشأنهما، فالملاحظ أن السنوات الأخيرة شهدت صعودا لعدد من أبناء الحكام في الدول الجمهورية إلى مناصب الحكم. وها هو بوش الابن يحكم الولايات المتحدة، ومن خلالها يتولى تسيير دفة الأمور في شتى أنحاء العالم، وإن لم يكن خليفة لوالده مباشرة، وسط احتدام الصراع على القطبية؛ وكابيلا الابن في الكونغو التي تمور بالصراعات الأهلية، وجلوريا أرويو في الفلبين التي تهدد بتمزيقها الصراعات مع أنصار استرادا وجماعة ابو سياف والشيوعيين، وميجاواتي سوكارنو التي أصبحت قاب قوسين أو أدنى من الوثوب إلى سدة الحكم في إندونيسيا التي تحترق في أتون الصراعات على السلطة وصراعات الأعراق، وتشاندريكا كوماراتونجا في سريلانكا التي تواجه حربا أهلية مع التاميل، وقبلهم كانت بناظير بوتو في باكستان ومن قبلها انديرا غاندي وابنها راجيف في الهند. وفي عالمنا العربي خلف الرئيس بشار الأسد والده الراحل حافظ الأسد وسط احتدام ازمة الشرق الأوسط، بعدما وافق برلمان البلاد على إجراء تعديل دستوري على وجه السرعة خصيصا لتمكينه من ذلك، الأمر الذي عارضه البعض وتحفظ عليه آخرون؛ غير أن الرئيس الشاب يمتلك ـ فيما يبدو ـ كاريزما شخصية ساعدته حتى الآن على اكتساب شعبية في أوساط مواطنيه، كما يتردد على نحو واسع الحديث عن إعداد عدي صدام حسين لخلافة والده الذي تواترت أنباء حول حالته الصحية. فهل أخذ نظام الحكم في الدول الجمهورية في التحول إلى النظام الوراثي؟ وهل وصل الأمر إلى حد الظاهرة، أم أن رؤساء الجمهوريات التي نشأ معظمها على أنقاض ملكيات أطاحت بها ثورات قد تبينوا أخيرا مزايا الملكية فقرروا العودة إليها؟ أم أن هذه كلها افتراضات لا أساس لها من الصحة، ولا يعدو الأمر كونه مصادفات منفردة لكل منها أسبابها الخاصة، وبالمصادفة وحدها تواكبت هذه الحالات في فترة زمنية قصيرة أضفت عليها صفة الظاهرة؟ الأمر على أي حال جدير بالتوقف ويستحق التأمل خاصة وأن هذه الحالات ظهرت في دول تشكل كل منها محورا ملتهبا في ذاته وبؤرة من بؤر الصراع سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي الأمر الذي يجعل لتداعيات الأحداث في هذه الدول صدى بالغ الأهمية في مختلف أرجاء العالم. من كان يصدق في النصف الثاني من ستينيات القرن المنصرم أن ذاك الفتى العابث اللاهي، المنغمس في معاقرة الخمر وإقامة الحفلات الصاخبة مع أصدقائه خلال فترة دراسته في جامعة ييل، سيرتقي سدة الحكم في أقوى دول العالم بعد أقل من أربعة عقود؟ على من لايزالون منبهرين بوهم الديمقراطية في الولايات المتحدة الأمريكية التي أطلقت على نفسها يوما ما لقب «زعيمة العالم الحر» فصدقوها، أن يتوقفوا قليلا لمراجعة النفس. فرغم دقة صناعة القناع الديمقراطي ومساحيق التجميل عليه، يخفي القناع وراءه حقيقة مؤكدة وهي إن ولاية الحكم في هذا البلد تستند إلى قوى ـ اقتصادية بالأساس ـ متصارعة على احتكار النفوذ السياسي الذي بات يضمن لها سيطرة شبه مؤكدة على الموارد الاقتصادية والأسواق في شتى أصقاع الأرض. والفتى بوش ينتمي كما يعلم الجميع إلى أسرة ذات باع طويل في السياسة، فجده كان عضو مجلس الشيوخ عن ولاية كونتيكت، وتقلد والده عدة مناصب تدرجت من سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة إلى مدير جهاز المخابرات الأمريكية (سي.أي.إيه) ثم نائب الرئيس الأمريكي إلى أن تولى رئاسة بلاده. ولعل من المواقف التي تلقي الضوء على طبيعة الديمقراطية الأمريكية، أن الفتى عقب تخرجه التحق بالحرس الوطني في ولاية تكساس للعمل كطيار، على الرغم من عدم اجتيازه الاختبارات بتفوق، وطول قائمة الانتظار كما أكدت عدة تقارير، مما يؤكد أن الأسرة، ذات النفوذ تدخلت حتى لا يلتحق الفتى بالجيش ويشارك مع القوات الأمريكية في حرب فيتنام. وبصرف النظر عن رأينا في الجريمة التي ارتكبتها أمريكا في فيتنام قبل اندحارها، فقد كان أبناء الأسر الأمريكية الأخرى يساقون إلى هذه الحرب التي لا ناقة لهم فيها ولا جمل، دون مراعاة لموقفهم أو موقف أسرهم من هذه الحرب. صحوة دينية وعلى أية حال، فبوش نفسه وصف هذه السنوات من عمره بأنها كانت بلا هدف، وإنه كان صغيرا وغير مسئول. غير أن التقارير الصحفية تشير إلى صحوة دينية انتابت الرجل في عام 1986 مع بلوغه سن الأربعين؛ فعقب ليلة أفرط فيها في شرب الخمر، قرر الامتناع عن معاقرتها وأظهر ميلا إلى تولي المناصب الرفيعة (هكذا!). ولكن اذا راجعنا التواريخ، نجد أن هذه الصحوة وهذا الميل ينتابانه ـ بالصدفة ـ بعد مغادرة والده المكتب البيضاوي ليبدأ الابن حياته السياسية بحصوله على منصب حاكم ولاية تكساس. وبنظرة سريعة إلى تاريخ الرجل نجده جمع ثروة من العمل في صناعة النفط، فضلا عن شراء حصة من الاسهم في فريق للبيسبول. ألا يدفعنا ذلك للتساؤل عن دور قطاع النفط في دعم بوش الابن وضمان وصوله إلى الحكم الذي يتيح لها بالتالي المزيد من الفرص؟ ولعل القراءة السريعة لشخصية الرجل، تظهر أن مؤهلاته الشخصية لا تكفي لتولي حكم أقوى دولة في العالم، فإلى جانب انغماسه في حياة اللهو والخمر خلال فترة شبابه، وتهربه من حرب فيتنام الذي يعتبر هروبا من الواجب العسكري في العرف الأمريكي، كان يتعاطى المخدرات أيضا، فعندما سأله أحد الصحفيين عما إذا كان سيخوض فحوصا يجريها البيت الأبيض عن تاريخه قال بوش انه لم يتعاط مخدرات منذ سبع سنوات، وفي تصريح آخر قال انه لم يتعاطها منذ 1974. مواقف محرجة وفي أكثر من مناسبة أظهر الرئيس الجديد قدرا لايستهان به من قلة الخبرة وعدم الكياسة، وتسبب أكثر من مرة خلال حملته الانتخابية في الحرج لمؤيديه ولنفسه، ومن أمثلة ذلك، عندما سأله صحفي سؤالا مرتجلا في مجال السياسة الخارجية، فلم يتمكن من ذكر أسماء ثلاثة زعماء لدول كبيرة، وفي إحدى المرات وبينما كان يستعد لإلقاء خطابه وسط مؤيديه، في ولاية إلينوي، لمح آدم كليمر ـ وهو صحفي بارز يعمل في صحيفة «نيويورك تايمز» ـ بين الحضور، وانفعل بوش مدفوعا بالغضب من مقالات كتبها الصحفي، تنتقد سجله السياسي، فمال على ديك تشيني رفيقه في الحملة الانتخابية، ووصف الصحفي وصفا سوقيا قبيحا التقطته الميكروفونات على الهواء مباشرة، ورغم مسارعة المرشح بوش بالاعتذار، إلا أن كليمر قال انه شعر بالإحباط من لغة كهذه تصدر من مرشح رئاسي. والأمثلة متعددة على ضعف مؤهلات الرئيس الجديد، غير أن اختياره ـ أو بالاحرى اختيار القوى التي يهمها فوزه ـ لديك تشيني وزير الدفاع السابق في إدارة والده نائبا للرئاسة، خطوة رأى فيها المحللون محاولة لوقف اعتبار السياسة الخارجية نقطة ضعف في استراتيجية الجمهوريين. ولعل علاقة الرئيس الجديد بصناعة النفط تلقي ضوءا على بعض ما اتخذه من خطوات حتى الآن: فتعيين كولن باول قائد قوات التحالف خلال حرب الخليج الثانية وزيرا للخارجية، ثم إقدامه مؤخرا على ضرب العراق دون استشارة حتى حلفائه في التحالف، وتعهده على المضي قدما في نظام الدفاع الصاوخي المثير للجدل والذي أثار معارضة حلفاء أمريكا الأوروبيين فضلا عن روسيا والصين اللتين اعتبرتاه انتهاكا لاتفاقات الحد من التسلح، ثم تصريحه بأن «الوقت الحالي ليس وقت الدفاع عن معاهدات بالية ولكنه وقت حماية الشعب الأمريكي» جميعها بعض من كل يشير إلى القوى التي يدافع عن مصالحها الرئيس الجديد الذي يصر كما فعل والده على تثبيت الوجود الأمريكي في مناطق النفط في العالم بالتحديد، خاصة وأنه تولى الرئاسة في فترة تعاني فيها القوى الغربية من ارتفاع أسعار النفط، واتخاذ منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) خطوات بدا فيها حرص بعض أعضاء المنظمة على انتهاج شكل من أشكال الاستقلالية في اتخاذ القرار. فالولايات المتحدة التي تطالب جميع الدول باتباع سياسة السوق وترك تحديد الأسعار لقوى العرض والطلب، تعارض ـ كعادتها مزدوجة المعايير ـ ترك اسعار النفط لقوى العرض والطلب التي رفعت سعره إلى أعلى مستوياته في ثلاثة عقود. وبدأت تضغط على البلدان المنتجة للخام من أجل زيادة انتاجها لكبح أسعاره.علينا، إذا، أن نتمعن قليلا في معرفة القوى الاقتصادية التي تراهن على الرئيس الأمريكي الجديد حتى نتمكن من توقع خطواته المقبلة التي ستهدف بالتأكيد إلى حماية مصالح هذه القوى وتعزيزها. مجرد ذريعة وبعد مرور عشر سنوات على عاصفة الصحراء بدأت حجة تهديد العراق للمنطقة (الغنية بالنفط) تفقد مصداقيتها تدريجيا، وبدأت أصوات تتساءل عن جدوى الوجود العسكري في المنطقة والسبب في إبقاء الولايات المتحدة على نظام الحكم الحالي في العراق، وأخذ كثيرون يرددون أن الولايات المتحدة كانت تستطيع ـ لو أرادت بالفعل ـ القضاء على الحكم العراقي، لكن وجوده يبدو أنه يضمن استمرار وجود ذريعة تكرس بها واشنطن وجودها العسكري بالقرب من حقول النفط. وأيا كانت صحة هذا الكلام فان أغلب الأمر ان واشنطن تحرص على أن يحكم العراق نظام تصنعه بيديها، وتعده من الان في صورة حماية فصائل بعينها من المعارضة العراقية لن تشكل أي خطر على الوجود الأمريكي في المستقبل. ولعل قراءة متأنية لما كتبه الإسرائيلي «عاموس بيرلمانر» في صحيفة «جيروزاليم بوست» في 19 فبراير تلقي ضوءا على القوى التي يهمها تعزيز قبضة بوش الابن فيقول بيرلمانر: «ان استرضاء كلينتون لصدام ورد فعله الرقيق على طرد العراق لمراقبي الأمم المتحدة، والجشع الفرنسي والروسي لبترول ومال العراق، والصينيين «الأشرار» الذين يبحثون عن كل فرصة لوضع العراقيل في وجه الاستراتيجية الأمريكية، كلها نجحت في إخراج العراق من القمقم» ويخلص الكاتب الصهيوني إلى «إن الحرب ضد العراق هي جزء من تصميم هذه الإدارة على رفع مستوى وعي الشعب الأمريكي للحاجة لوضع حد للإرهاب، ولاسيما الإرهاب «الإسلامي المتطرف» الذي يتحرك بين باكستان والشرق الأوسط جيئة وذهابا... لقد حان الوقت لوضع حد للإرهاب المتطرف بدءا بصدام حسين». ولا يختلف عن ذلك تفسير الموقف الأمريكي من محاولات ليبيا (الغنية بالبترول) التململ من الهيمنة الأمريكية على سيادتها، وكذلك الموقف الأمريكي الحريص على التدخل في الشئون الداخلية للسودان الذي يتوقع المحللون أن يصبح في فترة قريبة قوة نفطية متوسطة الحجم، بعد الاكتشافات الأخيرة في أراضيه. بقلم: إكرام يوسف