رسالة واحدة كانت هي الاهم على الاطلاق ابرق بها الرئيس المصري حسني مبارك لكافة مؤسسات الدولة المصرية في قضية اختيار وزير الخارجية، فقد اكد مبارك ان ملف وزارة الخارجية هو قضية رئاسية من الطراز الاول، وان تلك الوزارة التي تقود الدبلوماسية المصرية على الصعيد الاقليمي والدولي تمضي باشراف ومتابعة مباشرة من الرئيس المصري، فرغم كل التكهنات التي خرجت من دواليب السلطة المختلفة في القاهرة حول اسم خليفة عمرو موسى في الوزارة بدا انه لا يوجد شخص واحد يمكنه ادعاء معرفته باسم الوزير الجديد، ولا توجد مؤسسة واحدة باستثناء مؤسسة الرئاسة بل وباستثناء عدد محدود للغاية من اعضاء مكتب الرئيس هم المطلعين على اسم الوزير الجديد المنوط به قيادة الدبلوماسية المصرية في فترة بالغة الصعوبة على الصعيد الاقليمي. وفيما حمل ملف خليفة عمرو موسى شعار «سري للغاية» داخل مكتب الرئيس حسني مبارك حسم هذا الملف صباح يوم امس بعد ان ادلى احمد ماهر اليمين الدستورية في مدينة شرم الشيخ ثم عاد إلى القاهرة بعد اجتماع مع مبارك ليتولى مهام منصبه مباشرة، ورغم ان اسم ماهر ورد على القائمة الاولى للترشيحات عقب اسناد مهمة امانة الجامعة العربية لعمرو موسى الا ان هذا الاسم احتل بعد ذلك مرتبة متأخرة بعد ان صعدت بعض الدوائر من اسماء السفير احمد ابوالغيط مندوب مصر في الامم المتحدة كما المحت ايضا إلى احتمال اسناد هذا المنصب إلى مدير المخابرات العامة المصرية اللواء عمر سليمان. وقالت مصادر دبلوماسية مصرية لـ «البيان» ان احد ابرز الملفات العاجلة التي سيتولاها الوزير الجديد هو ملف الكوميسا الخاص بالتعاون الاقتصادي مع الدول الافريقية خاصة مع اقتراب موعد انعقاد مؤتمر الكوميسا، إلى جانب قيام الوزير الجديد باجراء عدة اتصالات عاجلة مع وزيري الخارجية الاردني والسوري والقيادات الفلسطينية للقيام بدوره على صعيد احتواء العنف الاسرائيلي المتصاعد وترتيب ملفات المبادرة المصرية الاردنية لاحياء المسار الفلسطيني الاسرائيلي. واضافت المصادر ان الاستراتيجية العامة لوزارة الخارجية لن يطرأ عليها تغيرات جذرية في عهد الوزير الجديد، ولن تشهد تغييرات كبيرة سواء على مستوى الاداء الدبلوماسي في الخارج أو الثوابت الرئيسية في علاقات مصر مع دول العالم. وقال محمد عبد الجواد رئيس التحرير السابق لوكالة أنباء الشرق الاوسط المصرية «مؤسسة الرئاسة في مصر هي التي تدير السياسة الخارجية ولا أعتقد أن تغيير الشخص سيؤدي الى تغيير جوهري. الاختيار موفق». وفي تعقيب على تعيين ماهر قال نبيل زكي رئيس تحرير صحيفة الاهالي المعارضة «اختيار موفق لانه معروف عنه مواقفه الدبلوماسية الذكية». وقال زكي لرويترز «السياسة الخارجية ليست رهنا بشخص وزير الخارجية فالمعروف ان رئيس الجمهورية يضع الخطوط العامة». ووصف المحللون شخصية ماهر «66 عاما» بالهدوء والتكتم خلافا لشخصية الوزير السابق عمرو موسى الذي اشتهر بتصريحاته القوية ضد اسرائيل خاصة بعد تفاقم الاوضاع في المنطقة. ولكنهم أضافوا أن هذا الاختلاف في الطباع لن يكون له تأثير على المواقف التي تتخذها مصر في ضوء التصعيد الاسرائيلي ضد الفلسطينيين. وقال عبد الجواد «أحمد ماهر من الدبلوماسيين المخضرمين ومعروف عنه أنه من أعقل وأكفأ الدبلوماسيين المصريين». واضاف قائلا ان ماهر «يختلف عن عمرو موسى في طبيعته وتكوينه الشخصي. فموسى منذ بداية عمله كانت له آراء مستقلة وكان متحفزا ولكن ماهر شخص هاديء ورزين». ورغم أن اسم ماهر تردد في الاوساط الدبلوماسية على أنه من المرشحين لشغل منصب وزير الخارجية فانه لم يكن ضمن أقوى المرشحين لحمل حقيبة الخارجية المصرية وهي وظيفة ينظر اليها الشارع المصري على أنها صعبة الان بعد ولاية عمرو موسى الذي اكتسب شعبية كبيرة من جراء تصريحاته الحماسية. وقال زكي ان التصعيد الاسرائيلي سيدفع ماهر رغم هدوئه الى اطلاق تصريحات قوية أيضا. وتابع «أعتقد أن التهدئة أو عدم التهدئة يرتبط بالاوضاع السياسية في المنطقة فمع تصعيدات (رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون) من غير المتوقع أن يكون وزير الخارجية هادئا في تصريحاته، ان التصعيد الاسرائيلي لن يدع مجالا للغة دبلوماسية هادئة لان ذلك يؤذي مشاعر الشارع العربي». وقال دبلوماسيون ان ماهر فيما يبدو قد بنى علاقات قوية مع الفلسطينيين أثناء تمثيله مصر في تونس خلال الثمانينيات حين انتقلت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت الى تونس بعد الغزو الاسرائيلي للبنان. وقال محمد صبيح سفير فلسطين لدى جامعة الدول العربية ان ماهر يتمتع بعلاقات قوية مع الزعماء الفلسطينيين وانهم سيتعاونون معه. واضاف «بالطبع سيكون وزير خارجية ناجحا ونحن الفلسطينيين سنتعاون معه اقصى تعاون. علاقاته مع القيادة الفلسطينية طيبة للغاية». وقال نبيل زكي ان ماهر اتخذ مواقف قوية عندما كان يمثل مصر لدى الاتحاد الاوروبي في بروكسل حيث كان يذكر أوروبا دائما بأن ما تقوم به في الشرق الاوسط لا يتماشى مع متطلبات دورها. واضاف أن مواقف ماهر ربما كان لها تأثير في اتخاذ الاتحاد الاوروبي قرارا بمنع استيراد سلع من المستوطنات الاسرائيلية.