ضمت «أم محفوظ» طفلها مهاجر الذي لم يمض على ولادته سوى بضع ساعات، إلى صدرها، رافضة أوامر حماها بترك الطفل في البيت، في قريتهم بيت نبالا التي تعرضت لقصف القوات البريطانية مدعومة بقوات الهاجاناة الاسرائيلية في 1948 أمرها حماها بذلك، وهي تلملم حاجياتها استعداداً لمغادرة القرية، تحت حجة ان الرضيع لن يحتمل، وتغلبت مشاعر الأمومة على كل المصاعب والمشقات، فسارت «أم محفوظ» لمسافة 18 كيلومتراً متواصلة ترتاح فيها لدقائق ثم تتابع سيرها، وتحمل وليدها في المهد على رأسها وتجر أخاه حتى يأخذ منه التعب، فتحمله على اليد الثانية. وتقوم «أم محفوظ» بكل ذلك وزوجها يجر الخيل التي تحمل جرة الزيت وكيس القمح وبقجة الملابس التي تضم غياراً واحداً فقط لكل منهم، وحماها وحماتها يسيران وإلى جانبهم شقيق زوجها وأبناؤه. وعند النوم تحتضن «أم محفوظ» مهد طفلها الذي غطته بعباءة حماها، وتضع طفلها الآخر في حضنها، وقد افترشت الأرض والتحفت السماء، مبقية طفلها الصغير في مهده ثلاثة أيام متواصلة، آملة ان تخرجه من المهد حين تعود إلى منزلها، حيث تمنحه الفرصة للتحرر من القماط والاستحمام. ولم يكن حال «أم محفوظ» يختلف عن حال آلاف اللاجئين الذين شاركوهم رحلة لجوئهم قبل أكثر من خمسة عقود. واضطرت أم محفوظ لخياطة جزء من الخيام التي قدمتها لهم وكالة الغوث، وكانت الخيمة تتألف من ثلاث «ياقات» تم استخدام الأقل سمكاً منها في خياطة ملابس الأطفال، حتى بدأت الوكالة بتوزيع «البقج» بعد ان استقر المقام بهم في مخيم دير عمار قرب رام الله. ويروي زوجها أحمد مسعود حافظ تفاصيل لجوئه الذي بدأ يوم 3/5 بالقول: ان بلدهم هجرت بعد حوالي ثلاثة أشهر من تهجير القرى المجاورة لها والذين افترشوا الأرض تحت زيتون بيت نبالا المشهورة به، ولكن بعد معركة عند عقبة دير طريف استشهد فيها عدد من أبناء القرية منهم: علي عبدالمجيد صافي، محمود خضر يزيد، خليل محمود صافي، أحمد شريف نخل، وتعرضت القرية لقصف مدفعي وطيران من قبل قوات الجيش البريطاني، التي قامت بالتهجير المساند بقوات يهودية من الشمال والجنوب، فانتشر أهالي البلدة في الجبال حفاظا على أرواحهم، ومن حاول العودة منهم إلى داره لأخذ بعض احيتاجاته قاموا بقتله واستشهد 95 من أهالي القرية في حوادث متشابهة في إشارة واضحة إلى عدم السماح لأهالي البلدة بالعودة. وتمتد أراضي بيت نبالا، كما يصفها بشكل دائري من المدخل الشرقي الذي أقيم على أراضي البلدة باتجاه الشرق حتى دير طرف باتجاه الجنوب بموازاة الشارع الرئيسي لمدينة اللد من جهة الشرق باتجاه جنوب شرق، حتى الحديثة لتلتف باتجاه بدرس وشبقا، ورنتيس والطيرة. وتمتد البلدة على مسافة تصل إلى 27 ألف دونم، وكان لها مجلس قروي، ويبلغ عدد سكانها حوالي 4800 نسمة، وكان فيها «مدرسة للإناث» وأخرى للذكور. وكانت النقطة الأولى التي وصلها حافظ مع عائلته خربة دسرة التاريخية، وهناك لم يستطع اللف بالبغال تجاه الشرق، فجلس تحت شجرة السدرة مع عدد كبير من أهالي القرى المجاورة لمدة ثلاثة أيام بانتظار العودة، ومن أصعب ما واجهه من مشاكل المياه، فاتجه إلى بئر شبتين المعروفة بتغذيتها للمنطقة بالمياه، وغصت المنطقة بالمهجرين، فتحت كل شجرة كانت هناك عائلة. وبقي المهجرون شهراً في المكان، وبعد ذلك بدأت جموعهم تتجه نحو بيتللو وتحت الشجر أيضا لمدة أسبوعين، وبعد التنقل من مكان لآخر قرر حافظ وعائلته الرحيل باتجاه دير عمار، وهذه المرة ذهب إلى هناك بالسيارة، وحتى اللحظة كانت جموع اللاجئين مازالت تحت الشجر المغطى بالخيش مثل العرش، واستضافنا هناك أبو ربحي صديق لوالد حافظ حتى جاء الصليب الأحمر في سبتمبر من العام نفسه أي بعد خمسة شهور من الرحيل. ومع بدء عمل الصليب الأحمر تم وضع الأساس لمخيم دير عمار الذي ضم 14 ألف نسمة، من خلال العمل التطوعي للشباب الصغار في السن، خاصة المتعلمين منهم، الذين باشروا بتثبيت الخيام بعد تخطيط مهندسين لها في خطوط طولية بطول نصف كيلو متر، وتم ترقيمها بعد ذلك وتوزيعها على العائلات حسب حجم العائلة، وكغيره من المهجرين، حمل حافظ كبار السن على ظهره لإيصالهم إلى أماكن سكنهم الجديدة، وتم تخصيص خيام كمدرسة وعيادة ومركز لتوزيع المؤن ومطبخ. وعن هدم بيت نبالا قال: حتى 1949 لم تكن القرية هدمت بعد، لأنني عدت إليها بعد حوالي عشرة أشهر من هجرها مع ابن خال لي لإحضار ليرات ذهب كان والدي خبأها في البيت فوجدنا القرية والبيوت كما هي هناك، وكانت فارغة باستثناء بعض أهلها من أمثالي الذين تعودوا العودة إليها متسللين لإحضار بعض ممتلكاتهم التي يسهل حملها. وتابع، ظلت بعض معالم القرية وشواهدها قائمة حتى 1967، وبعد النكبة في سبتمبر أخذنا تصريح لـ «جمعية بيت نبالا» وذهبنا لزيارتها، وتعريف الجيل الشاب على أراضيهم ومواقع بيوتهم، ولم نصدق نحن الكبار في السن كيف تصرفنا، عدنا وكأننا لم نغادر هذه الأرض، نشير إلى كل حجر وزاوية في القرية، نتراكض كما الأطفال من مكان إلى آخر، وعندها قمنا بتنظيف شواهد القبور وايضاحها، وكانت مدرسة القرية وجامعها كما هما لم يهدما، ولكننا عدنا بعد سبعة أشهر فوجدنا القبور مدمرة وكذلك المدرسة والجامع، ولم يبق منها سوى أطلال تشير إلى ان هناك من مروا من هذه الأرض، ولكن صبارها مازال قويا يتحدى مع بعض الأشجار الحرجية لأنهم قاموا بقطع جميع أشجار الزيتون التي تشتهر بها القرية. وهكذا توالت السنون على أجيال أهالي بيت نبالا، يولودون ويكبرون بعيدا عن أرضهم، ويصرون على عودتهم إلى أراضيهم وقريتهم ليعيدوا لها غابر مجدها القديم.