مع تلاشي الخلافات بين اليمين واليسار في تل أبيب ،70% من الإسرائيليين يؤيدون استخدام الأسلحة النووية ضد العرب فيما يخص التسلح النووي الإسرائيلي، فهناك أكثر من 70% في إسرائيل يبررون ظروفاً معينة لاستخدام الأسلحة النووية، وقد تبين من الاستطلاع الذي أجراه البروفسور آشير ايريان ونشر في مجلة «استكمال استراتيجي» التابعة لمركز جافي للدراسات الإستراتيجية بجامعة تل أبيب، تبين ان الهوة القائمة حول هذه المسألة بين قوى اليمين واليسار في إسرائيل قد تلاشت. وتجدر الإشارة إلى أن الاستطلاع جرى قبل أكثر من عقد من الزمن وأظهر أيضاً أن 92% من الإسرائيليين يؤيدون تطوير إسرائيل لأسلحة نووية مقابل نسبة 78% قبل عشر سنوات، كما تبين أيضاً بأن 65% فقط يؤيدون اتباع السياسة الضبابية النووية اليوم مقابل 78% في الاستطلاع السابق. ويبرر أغلب الإسرائيليين استخدام الأسلحة النووية كرد على هجوم بالأسلحة غير التقليدية ضد إسرائيل، كما أن نصف عدد المشاركين في الاستطلاع أيدوا استخدام السلاح النووي في حال نشوء وضع يائس من الناحية العسكرية وأن الأقلية فقط أيدت استخدام مثل هذا السلاح في حالات غير بائسة. أما من حيث تحليل المعطيات فقد اتضح أن ثقافة المشاركين في الاستطلاع شكلت العلاقة القوية بين المتغيرات الديموجرافية وانقسام الآراء في الموضوع النووي، كما أن تأييد استخدام السلاح النووي يرتفع في إسرائيل بموازاة ارتفاع المستوى الثقافي، وهذا يمثل اتجاهاً مخالفاً لما هو موجود بشكل عام في دول أخرى. ومع أن استخدام الأسلحة النووية لا يخدم مصلحة البشر إلا أنه يحظى بالتأييد لدى قطاع كبير من الناس في إسرائيل. والأهم أن هذا القطاع الواسع من الناس في ازدياد مع مرور الزمن وبإمكان زعماء محبوبين جرنا إلى حرب نقتُل فيها ونُقْتَل لنظل تعساء بائسين معاقين. كما أن بوسعهم أيضاً سلب أفكارنا وآرائنا لكي نصدق بضرورة استخدام مثل هذا السلاح. وفي كل عام يزداد عدد الذين يقعون في شرك هذه الخديعة والغواية فيصدقون ضرورة التزود بأسلحة كيماوية وبيولوجية ونووية. ومن جانب آخر هناك القلائل، أو على الأصح لا يوجد أحد تقريباً يهتم بما فعله فعنونو أو يؤيده. إذ أنه من الأسهل قبول الصيغة التي اطلقها الزعماء ووصفه بالخائن الجاسوس ولكن وجود سلاح نووي في إسرائيل لم يكن سراً مطلقا ً أو هو سر مكشوف. وأن كل ما فعله فعنونو كان إنذاراً ـ مع أنه ليس قانونياً ـ إذ كان يجب عليه الإلتزام بالقانون بأكثر مما فعل. مخزون الرعب خلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والإتحاد السوفييتي اهتم الرئيس كيندي بحصاد القتلى في حال هجوم نووي على كل من الصين والإتحاد السوفييتي فأجابه الخبراء بأن عدد القتلى خلال اليوم الأول والمصابين من الإشعاعات والتلوث الذي سيحدث بعد نصف عام على القصف سيصل إلى ثلاثمائة وعشرين مليون شخص، وواضح من الخبر الذي نشرته الصحف في حينه أنه ليس جدياً فهو لا يتطرق إلى قيمة القنابل والمناطق التي تتعرض للقصف، أي هل سيتم قصف مناطق مزدحمة أو مناطق صناعية؟. ولكني فقط أريد القول بأن التزود بالأسلحة النووية أو بأي نوع من أسلحة الدمار الشامل لا يجعل القيام بذلك عنصراً رادعاً فقط بل يحوله إلى هدف في الوقت نفسه لقد أنشأ العراق مفاعلاً نووياً وقامت إسرائيل بقصفه، ومعرفة أنه لدى إسرائيل أسلحة نووية يشكل دافعاً لبلدان مثل إيران والعراق وسوريا للتزود بالأسلحة أو إنتاج أسلحة دمار شامل من أي نوع، وليس مهماً من يكون البادئ باستخدامها كما أنه ليس مهماً ايضاً إعلان حكومات إسرائيل جميعها بأن إسرائيل لن تكون البادئة في إدخال سلاح نووي إلى منطقة الشرق الأوسط (يظهر من هذه التصريحات بأن إسرائيل لا تزال لا تمتلك أسلحة كهذه) فالنتيجة في النهاية ستكون الدمار الشامل. ولكن من خلال المقالات التي نشرتها صحيفة «صاندي تايمز» على لسان فعنونو يظهر بأن إسرائيل تمتلك مائتي قنبلة ذرية. كما تعكف على تطوير صواريخ أريحا بعيدة المدى، فكيف يمكن منح السيطرة على قوة تدميرية بهذا الحجم لمجموعة من الجنرالات والسياسيين؟ والكنيست لم يناقش يوماً مثل هذا الأمر، ومنذ سلم مردخاي فعنونو المعلومات التي لديه عام 1986م كان بإمكان إسرائيل إنتاج الكثير من القنابل. ومعروف أن هذا المخزون من الأسلحة ينطوي على قدرة ردع إلا أنه في الوقت نفسه يدفع ويحث دولاً معادية على الإسراع في سباق التسلح. وجاء في كتاب كانت «السلام الأزلي» ص 26، بأن مجرد حقيقة الاستعداد للظهور بمظهر أننا مسلحون دائماً يثير الدول المعادية من أجل إنجاز تفوق على بعضها البعض بالكثير الكثير من التسليح الذي لا يقف عند حدود. وبحسب النتائج المرتبطة بهذا الأمر يقول "كانت" بأن صنع السلام في نهاية المطاف أكثر عبئاً من الحساب، من هنا تكون هناك ضرورة لاستخدام مخزون الرعب. نشرت صحيفة «ها آرتس» في 19 أغسطس 1999 تحت عنوان: «مصر تهدد بتسلح كيماوي بيولوجي كرد على السلاح الذري الإسرائيلي» :كررت مصر من جديد مطالبتها إسرائيل نزع برنامجها النووي، كما تحذر من التسلح العربي بأسلحة كيماوية بيولوجية كرد على الردع النووي الإسرائيلي، وقد قال مستشار الرئيس المصري أسامة الباز هذا الأسبوع: «نحن نعارض إنشاء أسلحة الدمار الشامل وندعو إلى تجريد المنطقة من هذا السلاح خلال خمس إلى سبع سنوات وأن على إسرائيل إلغاء مشروعها النووي في ظل مراقبة الوكالة الدولية للطاقة النووية، وذلك لأجل ضمان الأمن والاستقرار في المنطقة، وأضاف الباز بأن لدى العرب عدة بدائل إذا شعروا بأنهم مهددون من جانب إسرائيل، والبديل الأول هو تطوير أسلحة كيماوية وبيولوجية، وفي حال استخدام هذا الردع ستلحق بإسرائيل خسائر كبيرة، ولكنه يعتقد بأن الحل الأمثل هو الضغط على إسرائيل لايقاف برنامجها النووي». الأسئلة المقلوبة لم يجر باراك (خلال فترة حكومته) أي نقاش حول السياسة النووية الإسرائيلية أو مواقفها تجاه مسألة مراقبة الأسلحة، ومن أقواله حين كان وزيراً للخارجية "السياسة النووية لم تتغير ولن تتغير كما لا تستطيع أن تتغير". ومن هنا يتضح أنه انتهج سياسة سلفه وتمسك بوجود قوة ردع نووية إسرائيلية ومعارضة أية مبادرة لتجريد إسرائيل من هذه القوة قبل التوصل إلى سلام شامل مع جميع دول المنطقة بما فيها العراق وايران، ووضع ترتيبات رقابة اقليمية، وتنصرف الجهود الإسرائيلية للتصدي للمعاهدة المقترحة بتجميد انتاج مواد خارقة تستخدم في الأسلحة النووية، فالمعاهدة سوف تلزم إسرائيل في حال انضمامها إليها فتح مفاعلها الذري في ديمونا أمام الرقابة الأجنبية للتأكد من أنه لا يتم فيها استخدام مادة البلوتونيوم. أما رئيس الحكومة السابق بنيامين نتانياهو فقد ابلغ من جانبه الولايات المتحدة بأن المعاهدة الجديدة قد تشكل خطراً على إسرائيل. وإذا بقيت إسرائيل تعاظم من قوة الردع فإن الدول العربية ستواصل البحث عن السلاح النووي ومنها تلك الدول التي وقعت اتفاقات سلام مع إسرائيل، وحرب إبادة من هذا النوع يمكن أن تندلع جراء الظن فقط بأن الطرف (الآخر) قد يبدأ بها وعندها سيحل السلام في المقابر فقط وبعد وفاة مئات الآلاف أو الملايين من سكان المنطقة والأضعاف المضاعفة من المعاقين الذي سيموتون بعد بضع سنوات جراء التلوث الإشعاعي أو الجراثيم أو أي وباء آخر. ولو أن الأسئلة تطرح على الناس على النحو التالي: هل أنت مستعد لعدم تخزين اسلحة الدمار الشامل؟ وهل توافق على إشراف قوة دولية على أسلحة الدمار الشامل في المنطقة؟ لو كانت صياغة الاسئلة بهذه الطريقة وليس عن طريق جنرال يتولى زمام السلطة في البلاد، ولو استطاع سكان المنطقة بمن فيهم مواطنو إسرائيل الإجابة على هذه الأسئلة بشكل حقيقي لكان ينبغي أن يكون الجواب "أنا مستعد لأن المواطنين فقط هم الذين يدفعون ثمن الحرب، هم الذين يقاتلون ويدفعون نفقات الحرب وهم وأبناؤهم الذين يسكنون المقابر، كما أنه ليس بمقدورهم حمل العبء الذي حملهم إياه من قرر الدخول في حرب". نحن نعلم والتجربة علمتنا بأنهم سيقولون لنا إن الطرف الآخر هو الذي فرض علينا القتال، وأنا أرى أنه متى ما تم التخلص من تلك الصيغة الجاهزة والمكرّرة فإنه سيكون من المعقول أن يفكر الناس ملياً تجاه الدخول في مغامرة لا يعلم احد منهم فيما إذا كان سيخرج منها حياً. ومسألة إعداد مستودعات من الأسلحة الذرية والكيماوية والبيولوجية تطرح عدة أسئلة أخلاقية من الدرجة الأولى ولا يعقل أن يجيب عنها شخص واحد أو اثنان أو ثلاثة، فقنبلتا هيروشيما ونجازاكي لم يناقشها الناس ولا الحكومة وانما جرت وراء الكواليس ولم تخلف قصاصة ورق صغيرة بعد ذلك. فقد استسلمت اليابان بعد استسلام ألمانيا بأيام، وقد يكون أمر إلقاء القنبلتين مكتوباً وموقعاً قبل ذلك أو في أثنائه وربما بعده. ولكن هل كان الامريكيون على علم بأن اليابان لا تملك قنابل للرد على حرب إبادة؟ وعموماً فإن إعداد مستودعات أسلحة الدمار الشامل واستخداماتها عبارة عن انتحار، ولهذا السبب وفي جميع الأحوال فإنه يحظر مناقشة هذا الموضوع علناً ويبقى محصوراً على الدوام بفئة قليلة من خبراء الحرب. وفي رأيي أنه يجب أن تتم مناقشة هذه القضية في استفتاء عام وبصياغات جديدة لا تلقي الرعب في صفوف الناس. أما الإدعاء بأن جميع الدول تناقش مثل هذه القضية سراً وبدون أي إعلان أو بروتوكول فهو مؤشر على أن الديمقراطية ليست موجودة عندما يتعلق الأمر بحياة الناس، بمعنى آخر فإن الديمقراطية في هذه الحال تغيب عندما يتوجب أن تكون حاضرة. ولا شك لدي بأنه لا سبب يرغم الدول على التزود بأسلحة الدمار الشامل وأيضاً لا ضرورة لاستخدام هذا المخزون، إذ لا يمكن حل المشكلات السياسية إطلاقاً بقوة الحروب كما أنه لا يمكن أبداً استخدام اسلحة نووية. وأدرك أن رأيي هذا ليس له حساب ولذا أريد أن أسجل ملاحظة تقول بأن هناك خللاً في الديمقراطية فليس للجمهور نصيب أو مشاركة في أمر الاستعدادات للحروب النووية، ففي حالة العمليات الجراحية المعقدة على المستوى الطبي تجري المشاورات بين الأطباء، وفي حالة الحبس بالسجن المؤبد قضائياً يتوجب مشاركة ثلاثة قضاة على الأقل إذ لا يمكن لقاضٍ واحدٍ إصدار الحكم بمفرده، ولكن عندما تكون حياة مئات الملايين معرضة للخطر لا يجري استطلاع آرائهم أو وقف الرعب في صفوفهم فهناك اعتبارات أخرى لحسم الأمر. وانئييل آلسبيرج خبير في تحليل سياسة الدفاع الحكومية، عمل في وزارة الدفاع الأميركية ومن ثم كان باحثاً في مركز للدراسات الاستراتيجية، قام عام 1971 بتسريب دراسة سرية لصحيفة «نيويورك تايمز» حول مصادر التدخل الأميركي في فيتنام، فاتهموه بسرقة مستندات سرية ولكن المحاكمة ألغيت بعدما أتضح ان الإدارة استخدمت أساليب مرفوضة لجمع الأدلة ضده. وقد شارك في ندوة نظمتها اللجنة الإسرائيلية لأجل فعنونو عام 1996 وقال: أنا يهودي، فهل يعقل أن يبني اليهود منشآت للإبادة الفورية لعشرة ملايين أو اثني عشر مليون إنسان؟ وإذا كان هناك معنى ما لكوني يهودياً، فإن هذا يمنحني الحق في توجيه هذا السؤال (فعنونو والقنبلة 1998 ص 81). هل أخطأ فعنونو؟ اعتقد أن فعنونو مخطئ إذ لا توجد أخلاق يهودية لا تسمح لليهود بإنتاج قنابل للدمار الشامل بدليل أنهم قاموا بإنتاجها، وربما يواصلون استخدام الأسلحة النووية حتى بعد ما فعله فعنونو ووجه انظارهم لمسألة الأخلاقية اليهودية. ويمكنني أن أضيف إلى سؤال آلسبيرج سؤالاً آخر هو: كيف يمكن لدولة قامت من أجل إنقاذ يهود العالم من المطاردة بسبب يهوديتهم أن ترى الأمن في مستودع أو مخزون من قنابل الرعب؟ وفي حال توجيه قنابل بيولوجية (فقط ومن منطلق رد الصاع صاعين) ماذا سيتبقى في أرض الملجأ؟ وما هي أهمية من الذي بدأ الحرب أو من هو الذي أطلق النار أولاً؟ إنني من جانب آخر أبارك ما قام به فعنونو من حيث أنه أطلعنا على معلومات كنا نتكهن بوجودها. إن نشر المعلومات حول المخزون الفعلي الموجود وإنتاج غيره، بهدف مضاعفته من شأنه تحقيق هدف الردع، وهو الأمر الذي لا يستطيع أن يحققه المخزون السري، لكن فاعلية هذا المخزون على الردع تكون مع الدول التي تمتلك أسلحة الدمار الشامل وذلك لمنعها من استخدامها. ويستمر مالك السلاح في تطويره أو امتلاكه جاهزاً. أما عملية النشر والإعلان فإنها تتيح المجال لطرح الموضوع على الرأي العام. وحتى قضية فعنونو لم يكن بالإمكان حدوث نقاش كهذا حولها لو بقي الأمر برمته سرياً. أما الآن وعلى الرغم من أنه لم يعد كذلك إلا أنه بقي طي الكتمان بحيث لا تتم مناقشته على الجدول اليومي للقيادة، فما هو سر قوة هؤلاء الذي نجحوا وينجحون في الإبقاء على الأمر سراً، إذ ما زال العمل جارياً على إخفاء الأمر وكأنه لم ينكشف بعد وكأن شيئاً لم يحدث، وبالفعل فإن شيئاً لم يتغير وكل يسير وفق منهجه، وأعتقد أن السر كامن في التنويم المغناطيسي الذي يمارسه قادتنا علينا فيجعلوننا نصدق بأن الأمر يتعلق بسر محظور طرحه، لأنه سيشغل حياتنا ومن الأفضل السكوت عنه، ويستسلم المواطنون لإيمانهم وكأن الأمر بفعل سحر ساحر. وبما أنهم يؤمنون فمن السهل قيادهم من قبل القادة. وبالطبع فإن القادة العالمين بالسر لن يعترفوا بالخطأ ويقولوا ذات يوم «أخطأنا ولم نفكر جيداً». ولماذا يأخذ القلائل الممسكون بسر حياتنا في الحسبان أنه إذا كان هناك أمل في الحياة فإنه سيكون من خلال الامتناع عن الحرب والأمر يتعلق بمسألة مواصلة بقائنا في المنطقة. وكلما ازدادت قدرة الحسم في سلاح معين زادت نسبة خطورة استخدامه وفظاعة نتائجه. وإذا كان هناك من سيبقى بعد الحرب ويعود إلى مفاوضات السلام، أي نقطة البداية التي كان بالإمكان أن تكون قبل ذلك ـ فلماذا لا نتخطى الحرب؟ وإذا ما كان المواطنون مدركين لخطورة المغامرة ونتائجها فإن الموضوع سيكون مطروحاً للنقاش دونما حسابات للمماطلات السياسية، كما سيكون الموضوع على قائمة الجدول اليومي لا لكوننا يهوداً أو عرباً وإنما كبشر يرغبون في الحياة بسلام، وعندئذ تتقلص المساحات وتكون الإجابات واضحة. لقد كتب كل من برتراند راسل وألبرت اينشتاين في التاسع من سبتمبر 1955 يقولان: «أمامنا إمكانية إذا اخترنا المواصلة وتقدم السعادة والعلم والحكمة لدينا. هل نختار الموت لأننا عاجزون عن التغلب على الخلافات فيما بيننا»؟.