نموذج «ياميت» لا ينبغي ان يتكرر ،جميع المتنافسين على قيادة اسرائيل يرفضون حق الفلسطينيين في العودة حق العودة للاجئين الفلسطينيين أمر لا اقترحه ولا اعتقد بامكانية التفكير فيه بجدية. ذلك أن الأمر سيكون على حساب الموجودين حالياً في اماكنهم، ولهذا فإن حل المشكلة من خلال القيام بعملية طرد الآخر أمر سخيف ومتناقض. لكن التناقض الحقيقي يتمثل في ان كل المتنافسين على رئاسة الحكومة الاسرائيلية عام 1999 متفقون على عدم مناقشة حق العودة. ولكننا وصلنا الآن إلى وضع يمكن معه حل النزاع كله عن طريق تسوية مقبولة ومعقولة وبشكل يسمح بالحياة في اسرائيل. ولو أنهم يتفقون معي على إعادة جميع المناطق المحتلة لكان بالامكان حل مشكلة عودة اللاجئين بسكنهم في المستوطنات، فبيوت المستوطنات لن يتم تدميرها كما حدث في «ياميت» وانما ستكون عبارة عن تعويض للذين لا يستطيعون العودة إلى منازلهم، أما الذين لن يجدوا لهم أماكن فيمكنهم الحصول على تعويضات لائقة، بيت في مكان متفق عليه أو مبلغ من المال يساوي قيمة البيت. ويتلقى المستوطنون أيضاً تعويضات عن حقوقهم المتضررة، فهم استوطنوا بتشجيع من الحكومة وتأييدها بل وفقاً لقراراتها. وهدم المنازل ليس حلاً للمشلكة وفيما إذا تم التوصل إلى اتفاق ازاء حق العودة فإن العلاقات بين الفلسطينيين والإسرائيليين ستتخذ طابع الجيرة وسيعمل الواحد لدى الآخر وتتغلب المصالح الاقتصادية على العداء. هكذا يتم تقسيم الأرض لتكون ملكاً لكل ساكنيها وإذا حصل جميع سكانها على الجنسية فإنها بذلك تكون دولة لكل مواطنيها. وجميع المتنافسين على رئاسة الحكومة الاسرائيلية من لا يأخذون ما اكتبه على محمل الجد، فهم يرغبون بالذهاب إلى المفاوضات المباشرة من دون شروط مسبقة ودون التنازل عن اللاءات، ويبدو أن عداء الشعوب لبعضها لن يتوقف وفي المفاوضات سوف نبدأ مع زعماء جدد بعد الحرب المقبلة فهل سيكون هؤلاء بدون « لاءات» إذ من الضروري أن يكونوا مختلفين عن سابقيهم. كينان يخلط الأوراق على صعيد آخر فان لعاموس كينان آراء مخالفة لآرائي إزاء الحق في هذه البلاد كتب يقول: «من الناحية العرقية التاريخية للفلسطينيين حق في هذه البلاد، وهذا يعني بأنهم «شعب البلاد» الذي لم يكن في الشتات، ومن الناحية العرقية التاريخية أيضاً فإن الفلسطينيين يفترض بهم أن يكونوا كنعانيين ذابوا في أسباط إسرائيل واندمجوا فيها. أضيف إليهم الفلسطينيون القدامى وباقي كفار البحر وشعب كنعان المحتل واضيف اليهم اليونان الذين استوطنوا في ارجاء الامبراطورية الهيلينية والرومان ان الذين استوطنوا في ارجاء الامبراطورية الرومانية، والعرب والفارس المسيحي الذي جاء من أوروبا لتخليص القبر المقدس، وأضيف إلى هؤلاء جميعاً المغول الذين بقوا في هذه البلاد بعد جميع موجات الاجتياح التي قاموا بها، واضيف إليهم كثيرون من أبناء الديانات والأجناس الذين جاءوا طلباً لمعادن هذه الأرض. دم اليهود الذين ثاروا على الرومان يتدفق في دم الفلسطينيين» (سوسنة أريحا ص217). يعتقد كينان أنه لا يمكن وقف التطوير الأزلي للهويات العرقية وللفلسطينيين حق في هذه البلاد لأنهم لم يتركوها. وأنا أوافق على عدم وجود علاقة بين فلسطينيي اليوم والفلسطينيين آنذاك، لأن فلسطينيي اليوم هم نتاج خليط من الشعوب الكثيرة كما أن عملية التطور أفرزت فلسطينياً آخر ليس وريثاً وخليفة لفلسطيني تلك المراحل. أما عند الحديث عن اليهود فان الأمر مختلف: «فالبنية الرومانية لديهم هي من تراث الماضي، فقد أخذ اليهود الكتاب معهم، وظلوا أهل كتاب وأنّ حمله وميلاده وحياته السابقة واللاحقة كانت أكثر في أرض إسرائيل، وطالما لم يمت آخر اليهود فإن لليهود حقاً روحانياً على الأرض». ما هو الحق الروحاني؟ وهل بامكان اليهود البقاء في الولايات المتحدة والعيش فيها ويكون لهم الحق في هذه البلاد؟ ولماذا لا يحكي لنا عاموس كينان عن التغيير الذي طرأ على اليهودي؟ وهل توقف التطور عند اليهودي بحيث يمكن القول بأن يهود اليوم هم خلفاء اليهود القدامى إلى الدرجة التي تضمن لهم الحصول على مكان سكناهم دون الجلوس فيه وذلك بسبب حقهم الروحي. وحق العودة هو حق المطرودين رغماً عنهم كما أحب أن أضيف حق عودة آخر ليحل محل قانون العودة: «كل يهودي في أي مكان في العالم يحق له الهجرة إلى إسرائيل إذا كان مطارداً جراء يهوديته ويحصل على الجنسية ووفق قانون الجنسية كطالبي الجنسية الآخرين، والفارق هو إمكانية إيجاد ملجأ له في البلاد». وواضح أن السؤال سيكون: «هل بامكان غير اليهودي المعرض للمطاردة في أي بلد كان أن يحصل على لجوء سياسي في إسرائيل». نعم، كما أن قانون العودة الذي اقترحته هو بمثابة منح لجوء سياسي فقط. وإذا توصلنا ذات مرة إلى إلغاء هذه السياسة سيكون بامكان الانسان السكن في أي مكان يشاء ولن تكون هناك قيمة للجنسية كما لن يكون هناك معنى للدولة اليهودية. والسؤال المهم الذي يطرح نفسه هو: هل هذا الشعب اليهودي المعاصر هو نفسه الذي كان قبل آلاف السنين؟ هل يشبه الشعب نفسه الذي تحكي عنه التوراة، والتوراة لم تكتب أثناء حدوث القصص، هذا إذا حدثت فعلاً. والقصص التي تمت كتابتها بعد مئات السنين تحكي عن كائنات وشخصيات لا تشبه انسان اليوم. فهل اليهودي المتدين بملابسه المتشحة بالسواد والذي لا يقصّ شعر رأسه وسالفيه هو اليهودي القديم في لباسه المخطط؟ ولكن هناك أصراراً على أن الشعب اليهودي هو الشعب نفسه الذي عاش في ذلك الزمان. لقد جاء في كتاب بن جوريون ما يلي: «واضح أن الشعب اليهودي في عصرنا يختلف عن الشعب اليهودي الذي عاش في عصر الهيكل الأول والثاني أيضاً، فقد تغير العالم كله، لذا فانه من الطبيعي أن يتغير الشعب اليهودي هو الآخر، فقد استوعب اليهود نظريات ومعايير وعادات جديدة تحت وطأة تأثير الشعوب التي التقاها اليهود وعاشوا بينها وبحكم المتغيرات التي طرأت على الحياة والمجتمع البشري بكامله، غير أن كل المتغيرات وطوال آلاف السنين لم تستأصل القوة الحيوية العجيبة التي حافظت على وجود شعبنا مع تقلبات الزمن». تشكيك بن جوريون انني أتقبل مسألة الخروج من مصر وظهور موسى والوقوف في جبل سيناء كحقائق لا شك فيها وكأحداث مركزية وحاسمة في تاريخ الشعب الاسرائيلي، لا تزال آثارها واضحة حتى يومنا هذا. لا شك لدي بحقيقة الخروج من مصر، وأهمية هذا الحدث الذي ظل منقوشاً في ذاكرة اليهود، وهو الامر الذي ذكره جميع الأنبياء تقريباً بحيث لا يمكن الاعتقاد أنه ليس لهذه الذكرى العميقة أي أساس من الوجود. وبن جوريون يشكك في بعض أجزاء القصة ولكن ليس في أساسها. وفي الحقيقة يمكن العودة إلى الوراء وطرح السؤال حول كيفية وجود الشعب الاسرائيلي في الصحراء أربعين عاماً، فنحن نعرف الآن النقب وصحراء سيناء جيداً، فأين رعت قطعان الأنعام الهائلة لحوالي ستمئة الف رب عائلة، وماذا كانت تأكل هذه الأعداد الكبيرة من قطعان البقر والغنم؟ وورد في التوراة أنه كانت لأبناء رؤوفين وابناء غاد قطعان انعام كثيرة جداً، جاء في الأسفار انه اثناء حروب إسرائيل مع أهالي مدين، قام بنو إسرائيل بنهب 675 الف رأس غنم و720 الفاً من البقر و 61 ألف حمار، وبالطبع فان هناك مبالغة في مثل هذه الأرقام، ولكن لو كانت الارقام أقل فان هذه البهائم كانت بحاجة إلى المرعى والعلف، والبشر كانوا بحاجة إلى الغذاء. فكيف وجد هذا بنو إسرائيل في الصحراء طوال فترات الحروب وحتى انتهاء الاحتلال والاستيطان؟ لكن بن جوريون مثلاً لا يشكك بأن أريحا قد تم احتلالها بمعجزة، أي أن الأبواق أسقطت أسوار المدينة وفي داخل المدينة خافوا من معركة فعلية. ايمانه بقصص التوراة كتاريخ لشعب إسرائيل لا تشوبه شائبة ويقول بأن نصف سفر صمويل أ ، وكل سفر صمويل ب وبداية سفر الملوك تتعلق بحياة داوود وأفعاله ولا تستطيع أية جهة أو مدرسة إلغاء هذا الجانب. وفيما يتعلق بتفسيرات وأبحاث المؤرخين وعلماء الآثار حول خروج اليهود من مصر واحتلال يوشع بن نون للبلاد، نشرت صحيفة «هآرتس» في الثالث من يوليو 1988م محاضرة للمؤرخ البروفيسور ناداف نئمان تحت عنوان «لتخرج التوراة من خزانة الكتب اليهودية»: «لقد اشتغلت وسائل الإعلام الإسرائيلية مؤخراً باكتشاف فاجأ الكثيرين، فالابحاث الأثرية تشير إلى وجود هوة لا يمكن ردمها بين الصورة التوراتية للممالك التي شيدها كل من داوود وسليمان وبين الواقع التاريخي. لقد تبين أنه في طبعة الاستيطان المؤرخة للقرن العاشر قبل الميلاد، وهي الحقبة التي من المعقول نسبة داوود وسليمان إليها، تم العثور فقط على بقايا مبان تعيسة وبعض الأواني الفخارية، أي اتضح بأن القدس كانت في حينه مدينة جوفاء صغيرة وقليلة السكان على عكس ما هو في التوراة تماماً. فقد جاء في سفر الملوك بان سليمان حصَّن مدينة القدس وبنى فيها معبداً وقصراً فاخرين عظيمين. بينما تظهر الأبحاث الأثرية أن القدس لم تكن محصنة كما لم تكن في معظمها مأهولة بالسكان. صحيح أن المنطقة التي شيد فيها القصر والمعبد تقع تحت منطقة الحرم وليس بالامكان فحصها أثرياً، لكن الحفريات الكثيرة والمختلفة التي جرت في أماكن أخرى لم تشر إلى مركز المدينة آنذاك. وورد مؤخراً ادعاء يقول بأن المباني المختلفة التي نشأت في أنحاء المملكة قد نسبت لعهد سليمان وهي ليست له فقد نشأت في وقت سابق، وخاصة تلك المتعلقة بالبوابات والأسوار والمباني العامة المقامة في غيزر ومجيدو وحاتسور ـ وهي المدن التي يقول سفر الملوك أن سليمان هو الذي بناها ـ وهذا يدحض القول ان سليمان هو الذي اقام مشروعات بناء واسعة النطاق. والقول بان عهد ملوكية داوود وسليمان (القرن العاشر قبل الميلاد) كان بداية التمدن ـ وهو موضع خلاف أيضاً ـ فزخم التمدن والبناء في أرجاء المملكة بدأ بعدها. اعادة كتابة التاريخ ومن الطبيعي أن يشكل هذا صدمة للقارئ الإسرائيلي الذي تربى على فكرة أن عصر الملك سليمان هو العصر الذهبي في تاريخ الشعب اليهودي، كما هو وارد ومكتوب في سفر الأسفار. بل أن الصورة التوراتية تقول بأن سليمان شيد قصراً ومعبدين عظيمين وحصّن المدينة وأنشأ جهازاً إدارياً متطوراً ونظام الوية مؤسسة جنّد بواسطتها جميع سكان المملكة للأعمال الخدمية، كما شكل جيشاً راكباً هائلاً ووقع اتفاقيات تجارية مع ممالك قريبة وبعيدة، وحول مملكة إسرائيل إلى مركز للتجارة الدولية، بينما الأبحاث الأثرية تكشف عن مملكة كانت في بداية تطورها. ولم يخطر ببال القارئ الإسرائيلي أن يسأل كيف ان مجتمعاً قروياً قبلياً تطور خلال أعوام قصيرة ليصبح مملكة عظيمة تتحدى الممالك الأخرى، وعادة ما يكون نشوء وتطور المجتمع البدوي القروي بطيئاً وتدريجياً ويستغرق أجيالاً طويلة، ولم يدر في خلد الإسرائيلي مثلا أن يسأل كيف عرف واضعو كتابي صمويل وسفر الملوك كل هذه التفاصيل الدقيقة على الرغم من أنه لم يتم العثور على كتابات من القرنين التاسع والعاشر قبل الميلاد في كل الحفريات التي جرت في مختلف أنحاء البلاد، إضافة إلى أن القراءة والكتابة انتشرت في ممالك إسرائيل ويهودا في القرن الثامن قبل الميلاد فقط، أي بعد سنين طويلة على قيام المملكة الموحدة. والإسرائيلي لم يفكر بالربط التاريخي، وتربى ونشأ على أن القداسة تظلل التوراة وأن لشعب إسرائيل قانونه الخاص غير المعني بتاريخ الشعوب الأخرى، والقارئ الإسرائيلي أيضاً غير منزعج ازاء الحقيقة التي شاعت مؤخراً لدى جميع الباحثين والتي تقول بأن قصص الأجداد (الخروج من مصر والترحال في سيناء واحتلال الأرض والاستيطان) لم تعد قاعدة لاعادة التمثيل التاريخي، فكتب التاريخ خلال العشرين عاماً الأخيرة لا تستند اطلاقاً إلى هذه المصادر فقد حل محل التوراة، الشهادات الخارجية والابحاث والدراسات الآثارية والانسانية وهذه تشكل قاعدة أساسية لإعادة تمثيل الحقبة التي انتهت بانسحاب مصر من كنعان وخراب مدن المملكة الكنعانية وحتى بداية نمو الملكية في إسرائيل. كما أن هذه الاستنتاجات من شأنها الإشارة إلى محدودية النص التوراتي لبحث تاريخ إسرائيل وضرورة القراءة النقدية لتاريخ كل من داوود وسليمان، ويمكن القول بأن الأسلوب المتبع في تدريس التوراة في مدارس إسرائيل لا يتيح القراءة النقدية بل يكرس القبول بكل ما هو موجود في الكتب من دون نقاش أو اعتراض حتى بمجرد التفكير أن التوراة كتاب من وضع البشر تسري عليه القواعد التي تسري على كل الكتب الأخرى، لكن الوعي الأكاديمي في ازدياد مما أسهم ولو بشكل بطيء وجزئي في حدوث تغيير تجاه استخدام التوراة كمصدر بحث تاريخي في مقابل ارتفاع تدريجي لعدد الباحثين القائلين بمحدودية النص التوراتي. وقد كتب يتسحاق بار يوسف في صحيفة «يديعوت احرونوت» ـ 3 يوليو 1998ـ تحت عنوان: «سنضطر إلى كتابة التاريخ من جديد» «ان الاكتشاف الاثري في القدس والذي تم مؤخراً جعل علماء الآثار يطالبون باعادة كتابة تاريخ القدس من جديد، والاكتشاف يقول بان الملك داود لم يستول على أية منطقة كنعانية بائسة ليحولها إلى عاصمة محصنة، وانما احتل مدينة محصنة باسوار ضخمة كان الكنعانيون قد بنوها قبله بثمانمائة عام، وقد قال رجال سلطة الآثار ان هذا الاكتشاف هو الأهم في الابحاث الخاصة بتاريخ القدس منذ بداية القرن، وان عمليات الحفريات التي تمت بادارة الدكتور روني رايخ وراني شوكرون كشفت عن اسوار ضخمة من العصر الكنعاني 1800ق.م، وتحيط هذه الأسوار بنبع ينحون مصدر المياه الوحيد للمدينة. كما تم اكتشاف فتحات مياه شقها الكنعانيون داخل الصخور لنقل مياه النبع إلى داخل المدينة لتتصل بشبكة بئر قورن المعروفة التي تم اكتشافها عام 1876 على بد الباحث البريطاني تشارلز قورن- ويقول عالم الآثار روني رايخ بان مشروع المياه المسمى بئر قورن يعود إلى الكنعانيين الذين سكنوا المنطقة قبل الملكين داود وسليمان بألف عام، وبئر قورن ليس الا جزءاً قليل الأهمية من نظام شبكة المياه المتطورة التي أسسها الكنعانيون. أما الجزء الأكثر أهمية فهو الحفرة المنحوتة بطريقة هندسية عجيبة داخل الصخر بطول 12 متراً والتي كانت تمكن سكان المدينة من النزول إلى النبع والتزود بالماء منه، أما الأسوار الضخمة التي تحمي النبع فقد بلغ ارتفاعها 7-8 أمتار وهي من حجارة عملاقة يصل وزن الواحد منها 2-3 طن، ولم تعرف القدس حتى أيام هيرودوس حجارة أضخم من هذه الحجارة.