في السودان والى عهد قريب كان الموظف العام يفتخر بأنه (حمار شغل) من شدة ارتباطه بوظيفته وايمانه بضرورة التفاني في الا يفوته شرف الانتماء الى ذاك السجل النقي حتى انهم تعارفوا على ان (الميري) ان فات احدهم ففي التمرغ بترابه شرف لا يدانى. لكن يد الانسان اتت بعبثها على ذلك الحضور النبيل للموظف وسامته الفصل والتشريد لا لسبب الا لأنه ليس من الفصيل الموالي، فحل الولاء مكان الكفاءة ولبست الخدمة العامة رداءً (سياسياً) اوردها اليوم موارد الهلاك واضحت نازفة في غرفة الانعاش والعناية المركزة عشماً في حيوية تعم اوصالها المتهالكة غيبتها النظرة الضيقة للهم الوطني. وقبل بدء جلسات المؤتمر القومي للخدمة العامة الذي انعقد في الفترة من الثامن والعشرين من ابريل المنصرم الى مطلع مايو الحالي حري بنا استعراض جزئية من التقرير الموحد عن الخدمة العامة الذي كشف تفاصيل دقيقة تعكس واقع الخدمة العامة. فقد اورد التقرير ان 90% من سكان السودان يصنفون في زمرة الفقراء او المساكين باعتبار ان حد الكفاف الادنى يبلغ (30) الف دينار لاسرة مكونة من خمسة افراد و (34.8) الف دينار لأسرة من ستة افراد حسب تقديرات ديوان الزكاة الاتحادي. وكشف التقرير ان الدولة تعتبر اكبر مخدم للقوى العاملة ذاكرة الازدياد المطرد للعمالة منذ عشرينيات القرن العشرين حيث اورد ان عدد موظفي الحكومة السودانية والمصريين والبريطانيين بلغ 3880 وصل في بداية عام 1953 (9218) وكان عدد موظفي الحكومة عام 68 (152.836) بينما وصل العام 98 ـ 1999م الى (700) الف موظف. رغم الازدياد المطرد هذا الا ان التقرير اشار الى عدد من الظواهر السلبية في بيئة العمل التي وصفها بالمتردية. وذكر التقرير ان تلك الظواهر تمثلت في هجرة العقول بسبب الصالح العام والى جانب ضعف شروط الخدمة اشار الى عدم الامن الوظيفي والظروف الاقتصادية والمعيشية المتردية بسبب ارتفاع معدلات الفقر والبطالة وعكس التقرير ان خطورة المسألة تكمن في ارتفاع المهاجرين في اوساط المهنيين والحرفيين المهرة والتخصصات النادرة الامر الذي افقد الدولة عدداً كبيراً من هذه الفئات قدرت نسبتهم قبل خمسة اعوام وفق احصائيات وزارة القوى العاملة بحوالي 39% من اجمالي الاطباء و36% من المهندسين و 58% من المعلمين الى ذلك ابرز التقرير ازدياد معدل البطالة من 11.4% عام 1993م الى 17.4% عام 1996م. ولعل ايراد هذه الجزئية من التقرير يكشف بجلاء ما وصلت اليه حال الخدمة العامة التي يحاول المؤتمر القومي الذي انعقد خلال الايام الماضية ايجاد الحلول الناجعة لها من خلال (13) ورقة اعدها اكثر من 50 خبيراً هدفوا منها لوضع استراتيجية (ربع قرنية) من 2002 ـ 2026 لتثوير الخدمة العامة تنحاز بصورة تامة لاهداف الوطن العليا. وركز المؤتمر من خلال خمسة محاور هي العنصر البشري، وهياكل الدول التنظيمية والاجور والمزايا الاضافية ونظم واجراءات بيئة العمل والتشريعات على ايجاد قاعدة للمعلومات فيما يختص بالعاملين بالدولة. النائب الاول للبشير الذي تسلم توصيات المؤتمر قال ان ما حدث من تطورات في الآونة الاخيرة جاء لوجود الثورة المعلوماتية والاتصالات الى جانب الوعي بمقتضيات المرحلة. وقال بضرورة تنفيذ التوصيات لتصبح برنامجاً معلناً عن تكوين آلية برئاسة البشير لمتابعة توصيات المؤتمر. وصادق المؤتمر في ختام اعماله على استراتيجية تنمية وتطوير الخدمة العامة خلال الـ (25) عاماً المقبلة. واشتملت توصياته على انحياز الخدمة للأهداف العليا للوطن والالتزام بسياسة وبرامج الحكومات والمساواة والشفافية في الاستمرار والاختيار للوظيفة. واقرت تطبيق نظام الجدارة وصولاً للجودة الشاملة في استخدام الموارد البشرية. وشددت التوصيات على فوقية وسيادة الاجور ومراجعة وضبط نظام الحوافز الى جانب اعفاء الاجور من ضريبة الدخل الشخصي ودفع نسبة العلاوات مع ضرورة ابقاء المجلس الاعلى للاجور واهمية انشاء مجالس مماثلة بالولاية. ويبقى الامل في ان تنفض ساحة العمل العام ليعود الى الخدمة العامة بريقها الذي طمسته محاولات الهيمنة والولاء الضيق والكل لا يرضى بغير عودة هذا البريق اذا كان الجميع يتطلع الى وضع معافى حاله من بعضه؟!