منذ منتصف الخمسينيات في القرن العشرين ازدادت الروابط العربية الروسية وبخاصة المصرية السوفييتية ونشأت حالة من حالات الوصل تفوقت على مشاهد الأفلام الميليودرامية الهندية والمصرية. ومنذ ذلك الحين أخذت العلاقات السوفييتية المصرية تحفل بكل أشكال الأفعال الخارقة، من قبيل أفعال الشهامة والكرم واغاثة الملهوف على نمط بيئة البادية والصحراوات العربية الممتدة. فمثلا لدى اشتداد الحصار الأمريكي الغربي على مصر الناصرية، وازدياد الضغوط الاقتصادية عليها، واقتراب فراغ مخازن الغلال في مصر، ووصولها الى القاع، أمر الرئيس خروشوف البواخر المحملة بالقمح المستورد لصالح الاتحاد السوفييتي من أن تحول مسارها، وتحط بحمولتها في الموانئ المصرية، في هذه الأثناء قال الرئيس جمال عبدالناصر قولته الشهيرة لأمريكا.. إحنا سياستنا كده.. وبلادنا بتقع على بحرين كبيرين الأبيض المتوسط والأحمر.. واللي مش عجبه سياستنا.. يشرب من البحر، وإن خلص الأبيض المتوسط يشرب من الأحمر. وقال الرئيس أنور السادات قولته الأشهر عقب حرب أكتوبر (تشرين) 1973 لقد هب الاتحاد السوفييتي لنجدتنا، ووصل بالمجاملات الى نمطها المصري الصميم فقدم صينية الطعام، التي يقدمها الجيران للأسرة المصابة في ريفنا المصري، لدى فقدهم لعزيز، وقدم الاتحاد السوفييتي لنا الصينية مملوءة بأطايب الطعام في مصابنا 1967، 1973 وسجل نفسه على قائمة أهل الكرم وإغاثة الملهوف حسب تقاليدنا العربية التليدة في هذا الصدد. ويعتبر سد أسوان العالي من أكبر وأشهر وأعظم الأعمال الانشائية ذات الخير العميم والعائد العظيم في العصر الحديث على المستوى الكوني وقد تم تشييده في مصر بمساعدة السوفييت، وأصبحت مدينة أسوان عاصمة أقصى محافظات الصعيد، محافظة الحدود المصرية السودانية مدينة الصداقة واللغة المصرية السوفييتية، والعربية الروسية. ولم تقتصر العلاقات السوفييتية العربية على مصر فحسب، بل امتدت لسوريا والعراق وفلسطين وليبيا والخليج ومعظم الساحات العربية بالتوالي. وبقدر ما أعطى الاتحاد السوفييتي من خلال هذه العلاقات من مساعدات عسكرية وتصنيعية وزراعية واجتماعية وثقافية واستراتيجية للعرب، بقدر ما أخذ ونهل من منبع هذه العلاقات نفوذا دوليا وتقدما تكنولوجيا، فكانت ساحات الوغى في البلاد العربية حقلا لتجارب وتطوير معداته وأسلحته، كما زادت منفعته في كسر الطوق الحديدي المفروض على روسيا بين الحربين العالميتين الأولى والثانية. لقد مثلت العلاقات العربية السوفييتية في حينها مثالا فذا للعلاقات الدولية على نمط وبأسلوب المنفعة المتبادلة، والتكافؤ الدولي، وحسن الجوار، وفي حالة نادرة حسب الميزان التجاري وموازين التبادل السلعي لصالح الجانب المصري على الجانب السوفييتي في كثير من سنوات ازدهار هذه العلاقات. وحقق التعامل السلعي التجاري، وليس مجرد التعامل بتجارة المواد الأولية والخامات فائضا لصالح الدولة الصغرى على دولة عظمى بكل المعايير السائدة في حينها. لقد وصلت بعض السلع والبضائع المصرية الى الصيت الذائع في الاتحاد السوفييتي، فصارت العطور ومواد التجميل المصرية هي السلع الأشهر والأوسع انتشارا وحبا داخل الاتحاد السوفييتي السابق، يتسابق على اقتنائها وحيازتها المواطن الروسي والسوفييتي كما لو حظي بمنحة قدر. واذا كانت هذه العلاقات تعد صورة مثلى لعلاقات التكافؤ الدولية، فقد تأسست على بواعث محددة يجب أن نتفحصها، ونتتبع تواجدها حاليا، حتى يمكننا أن نصدر أحكاما علمية بشأن مستقبلها، ونتتبع تواجدها حاليا، حتى يمكننا أن نصدر أحكاما علمية بشأن مستقبلها. فما هي البواعث والأهداف والمحددات التي حكمت هذا الازدهار التقليدي في العلاقات السوفييتية العربية في السابق؟ يمكن القول باطمئنان ان أهم هذه البواعث والدوافع والأهداف التي تشكلت في نطاق العلاقات السوفييتية العربية السابقة، نبعت من الارادة السياسية لأطرافها، التي استندت على الأهداف المشتركة: الاشتراكية التحررية في معاداة الاستعمار والامبريالية ذلك أن الدولة الاشتراكية السوفييتية كانت تحكمها علاقة عدائية، وتناقض رئيسي وجوهري مع دول المعسكر الاستعماري الامبريالي الغربي في أمريكا وأوروبا واليابان. وأن هذا التناقض أوجد صراعا ضاريا ومحتدما بين الكتلتين الرأسمالية ممثلة في حلف شمال الأطلسي العسكري والسياسي والاستراتيجي، وبين الكتلة الاشتراكية الأوروبية الشرقية ممثلة في حلف وارسو، مما أوجد وأنشأ أجواء الحرب الباردة، المعروفة. كما وجد تناقض عدائي مفروض من قبل الدول الاستعمارية القديمة والجديدة من الكتلة الغربية على حركة التحرر الدولية وفي المقدمة منها العربية، وكان وجود الكيان الصهيوني العنصري والعدواني في احتلاله الاستيطاني لأرض فلسطين، السبب المتجدد لإشعال التناقض العدواني الاستعماري الغربي ضد حركة التحرر العربية الناشئة والفتية آنذاك. الجوار الجغرافي العربي السوفييتي، وتصور الشواطئ العربية على ساحل الأبيض المتوسط وعلى الخليج وعلى البحر الأحمر باعتبارها البوابات المفتوحة للوصول لأراضي القارة السوفييتية آنذاك بلا عوائق برية، وبالتالي الأهمية الجغرافية السياسية والاستراتيجية العربية لفك الطوق الحديدي المضروب على الاتحاد السوفييتي بين الحربين العالميتين وللأمان الاستراتيجي لهذه القارة والقلعة البرية البعيدة عن المياه الدافئة. امتداد الأسواق العربية وغناها أمام أسواق السلاح والصناعات السوفييتية آنذاك في مناخ التطاحن والحرب الباردة بين الكتلتين، وملائمة التكنولوجيا السوفييتية ورخصها أمام هذه الأسواق الناشئة، وعطشها للتشبع التكنولوجي السوفييتي بخاصة بعد كسر احتكار السلاح الغربي للمنطقة العربية، وفتح أسواق السلاح الأكثر جذرية واتساقا مع المعارك العربية ضد إسرائيل القاعدة الاستراتيجية الاستعمارية الغربية المتخمة بالسلاح الغربي الفرنسي البريطاني ثم الأمريكي الألماني بعد ذلك. احتياج دول التحرر العربية البازغة الى سند ضد محاولات ارجاعها للهيمنة والأحضان الاستعمارية الغربية من جديد، وتطابق بل وانطباق كل سمات ومواصفات هذه القوة المساندة على الاتحاد السوفييتي السابق. أمام هذه الدوافع وغيرها الكثير كان لابد لهذه العلاقات العربية السوفييتية أن تزدهر وكان لابد لها أن تعلو وأن تصل الى ما وصلت اليه في السابق. يبقى السؤال الحيوي معلقا هل ما زالت مثل هذه الدوافع والبواعث قائمة أو موجودة حاليا، وهل يمكن أن تقود العلاقات العربية الروسية أي مع روسيا وريثة الاتحاد السوفييتي السابق الى ما وصلت اليه سابقا؟ لذلك نحاول الاجابة مستندين الى قواعد التفكير الاستراتيجي العلمي. أولا: من المؤكد أن الارادة السياسة المبنية على العقائد السياسية سواء الاشتراكية أو التحررية في كل من الاتحاد السوفييتي السابق وروسيا حاليا وفي البلاد العربية حاليا، قد اختفت أو تقلصت، وصارت لا تملك أي أثر كبيرا أو حاسما في تحديد التوجهات السياسية الخارجية والداخلية لهذه الدول على اختلاف نظمها السياسية وأسمائها ومواقعها.. ويمكن القول باطمئنان ان مراحل ردود الأفعال المتولدة عن سيادة هذه الأيديولوجيات في هذه البلاد، واتجاهها الى أحضان الأفكار والعقائد والنظريات السياسية السائدة في عالم الغرب قد محت أية آثار لهذه الارادة السياسية المبنية على الأبعاد والظواهر الأيديولوجية محوا تماما، ولا شبهة في ذلك. ثانيا: تعثر وانحصار آليات النمو المستقل والتنمية المستقلة في مجالات الاقتصاد العيني أو الانتاجي واضحة وملحوظة على الجانبين الروسي والعربي، وبروز آليات الاقتصاد الرمزي والتابع والخدمي والطفيلي واضحة في هذا المجال، في معظم إن لم يكن كل هذه البلاد. وبالتالي فقدان الأسواق الوطنية لاستقلاليتها انتاجا واستهلاكا، وهذه عوامل تدفع الاستسلام للظواهر المهيمنة الغربية على الأصعدة الاقتصادية العينية والانتاجية، وتقلل إن لم تصب عوامل النزوع الى الاستقلال بالضمور والاختفاء، وتبرز هذه الحالة في روسيا الحالية بما لا يقل عن بروزها في معظم البلاد العربية. لهذين المجموعتين من الأسباب تبدو عوامل العود السوفييتي العربي الى شكل العلاقات الروسية العربية القادمة في حكم المجهول غير المضمون وغير الحاسم وغير المجند والمقبول. ولكن تزايد السياسات الاستعمارية العدوانية، والعودة الى مرحلة التنافس الاستعماري التي سادت العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى بداية الحرب العالمية الثانية، على أشكال جديدة، ولكن بمضامين أكثر خطورة، وأكثر شراسة وعدوانية سوف تجعل العوامل الموضوعية المشكلة والصانعة لسياسات الدول من تلك النوعية المبنية على حقائق الجغرافيا السياسية والتنافس القومي والرغبة في الاستقلال والتحرر لها الغلبة، بخاصة أن حالة الاكتواء التي تصل لصور الجحيم، التي تكمن في وعينا، والمتأصلة من عقيدتنا الاسلامية، ذات البعد الثقافي الحاسم في ثقافتنا من التحالف الاستعماري الجديد الصهيوني. وتشكل أنماط المعارضة الجذرية، والتي جاءت ببعض الثمار كما حدث في لبنان منذ عام تقريبا، واشتعال انتفاضة الاستقلال الفلسطينية، واشتداد عودها وصلابتها من خلال المحرقة في الأفران الصهيونية الأمريكية، سوف تعمل كلها لخلق أساس التلاقي العربي الروسي، الذي سوف يأخذ علميا نهج التحالف البطيء، أو المتمهل، والذي سوف يشهد اقامة أبنيته طوبة طوبة في السر أحيانا وفي العلن أحيانا أخرى، ولكنه في كل الأحوال سينشأ متمهلا، حثيثا حثيثا سوف ينمو ويكبر، وبخاصة أن الاستراتيجية الغربية الاستعمارية الحديثة تستهدف استمرار هيمنتها على الساحتين الروسية والعربية. ـ كاتب سياسي مصري