يبدو ان روسيا ستعود مجددا الى منطقة الشرق الاوسط لممارسة دور شبيه بالدور الذي كانت تقوم به في العهد السوفييتي السابق وذلك على الرغم من ان هناك صعوبة في استعادة نفس الدور.. ويؤكد الخبراء والمحللون السياسيون ان موسكو وفي عهد الرئيس الحالي فلاديمير بوتين باتت مؤهلة لان تتدخل بصورة اكثر فعالية في المنطقة لجهة الاسهام في تحريك الجهود الرامية الى اخراج عملية السلام من مأزقها الراهن، وذلك في وقت اظهرت فيه الولايات المتحدة عدم وجود رغبة لديها للمضي قدما في رعاية هذه العملية وايصالها الى نهايتها المطلوبة، بنفس الزخم الذي كان يحدث في عهد الادارة الامريكية السابقة التي انخرطت حتى في تفاصيل المفاوضات العربية ـ الاسرائيلية على المسارين الفلسطيني والسوري، وتطرح روسيا العديد من الافكار والمقترحات ليس لوقف دورة العنف في الشرق الاوسط، بل لرفع الحصار المفروض على العراق الامر الذي من شأنه ان يحقق نوعاً من التوازن الدولي الذي يمكن له ان يمارس الضغوط على اسرائيل حتى تنصاع لقرارات الامم المتحدة ومباديء الشرعية الدولية. ويشكل هذا التحول في الموقف الروسي نقطة تحول استراتيجية في اوضاع المنطقة، لابد ان تترك الكثير من التأثيرات على موازين القوى من جهة، وتؤدي الى دفع تطورات الاوضاع باتجاه تقرير الجهد الدولي الرامي الى ايجاد حل عادل وشامل لازمة الشرق الاوسط. واذا كان البعض يرى ان روسيا الحالية هي غير روسيا التي كانت قائمة ايام الاتحاد السوفييتي السابق من حيث الوزن والدور وان من الخطأ الاعتقاد انه يمكن استحضار الدور السوفييتي السابق في الشرق الاوسط فإن من السهولة بمكان مجادلة هذا البعض بالكثير من الوقائع والمعطيات التي تذهب الى حد التأكيد بأن موسكو تستطيع خلال هذه المرحلة بالذات ان تخرج من العزلة الداخلية التي احاطت نفسها بها، لاسيما مع وجود رئيس روسي قوي مثل فلاديمير بوتين الذي برهن بأنه يمتلك رؤية استراتيجية جديدة بشأن دور وموقع بلاده على الساحة الدولية، وبطبيعة الحال، فإن مثل هذا الدور الروسي لن يأتي لوحده لانه لابد للطرف الآخر من الصراع ان يوفر لهذا الدور مقومات العودة والنجاح. ديناميكية جديدة وفي هذا السياق يمكن الحديث عن ديناميكية جديدة للسياسة الروسية في الشرق الاوسط ومن السهولة بمكان قراءة مثل هذه الديناميكية من عدة اوجه ومستويات فقد اصبح لموسكو نفوذا سياسيا مهما داخل اسرائيل نفسها، بدليل ان 20% من سكان اسرائيل هم من أصل روسي في الوقت الحاضر. وبالتأكيد فان هؤلاء يستطيعون أن يؤثروا بشكل مباشر في السياسات والمواقف الاسرائيلية الداخلية والخارجية على السواء. والدليل على ذلك ان ارييل شارون رئيس وزراء اسرائيل الحالي زار موسكو عشية الانتخابات الأخيرة التي قادته إلى سدة الحكم وطلب من القيادة الروسية أن تستخدم نفوذها لدى اليهود الروس من أجل التصويت إلى جانبه في تلك الانتخابات وهذا معناه ان النفوذ الروسي على اسرائيل لم يعد مجرد افتراض سياسي، بل بات حقيقة واقعية، وهو أمر لا يمكن تجاهله على الاطلاق، لان مثل هذا النفوذ، يعطي لدور موسكو في الشرق الأوسط المزيد من الفعالية والديناميكية. وثمة مصادر تشير إلى ان اليهود الروس في اسرائيل سيحتلون خلال السنوات المقبلة مواقع نفوذ وتأثير كبيرة جدا، خاصة وان هناك ازديادا واضحا في اعدادهم، حيث تسعى السلطات الاسرائيلية إلى استقدام المزيد من المهاجرين الروس إلى الأراضي المحتلة. وكما هو واضح، فان هذه الناحية، تجعل الدور الروسي يقف على قائمتين في المنطقة بعد أن كان يرتكز في الماضي على قائمة واحدة. ولابد أن يضاف إلى هذا المعطى الموقف العربي الذي يريد بالفعل لروسيا أن تعيد دورها الفعال في الشرق الأوسط وأن تمارس سياسة ندية تجاه الولايات المتحدة. وقد كشفت الزيارات الأخيرة التي قام بها الرئيس المصري حسني مبارك أهمية استعادة التحالف الروسي ـ العربي التقليدي الذي كان قائما في العقود الماضية، وأكدت أهمية روسيا كمصدر جديد للسلاح العربي. وإذا كان الجانب المصري قد طلب من الجانب الروسي الحصول على قمر صناعي لأغراض التجسس وتزويد الجيش المصري بأسلحة روسية حديثة ومتطورة سواء في مجال الطائرات والصواريخ والدبابات، فان مثل هذا التوجه لابد أن يعيد إلى الذاكرة الصورة القديمة للتحالف الروسي ـ المصري والذي شكل على الدوام نقطة ارتكاز واسناد استراتيجية للموقف العربي قاطبة، وإذا ما عاد الخبراء الروس إلى مصر بعد أن كان السادات قد طردهم قبل زيارته لاسرائيل العام 1977، فإن هذا سيعطي مؤشرا جديدا ومهما على انه يمكن للعرب أن يوازوا الدور الأمريكي بالدور الروسي، وأن يضعوا حدا لسياسة التفرد الشرق الأوسطية التي مارستها واشنطن منذ حرب الخليج في العام 1990 وحتى الآن، ولا حاجة للتأكيد انه يمكن استحضار الدور الروسي من جديد إلى مجاهيل المنطقة من خلال بوابة التسلح بالضرورة. ذلك ان الوقائع التاريخية للصراع العربي ـ الصهيوني، تشير بوضوح إلى ان الرئيس المصري الراحل عبدالناصر الذي اتخذ في الخمسينيات قرارا استراتيجيا بكسر احتكار السلاح الغربي. وفتح الباب واسعا أمام الاتحاد السوفييتي السابق. لكي يدخل إلى المنطقة من بوابة السلاح نفسه، فانه ربما يعيد التاريخ نفسه هذه المرة، لا سيما إذا ما أبدى الجانب المصري المزيد من الحماس والمتابعة للحصول على السلاح الروسي بالحجم المطلوب. البوابة السورية هذا من جهة، ومن جهة اخرى فان البوابة السورية التي يبدو انها قد فتحت على مصراعيها امام روسيا خاصة بعد ان تمكنت كل من دمشق وموسكو من تسوية وحل مشكلة الديون السوفييتية السابقة، لابد ان يضيف الى التحرك العربي الكثير من المصداقية والواقعية وعودة الى الرسالة التي بعث بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الى الرئيس السوري بشار الاسد، تقود الى تسجيل مجموعة من النقاط المهمة جدا في سياق التحول الاستراتيجي الذي اخذ يطرأ على الدور الروسي في الشرق الاوسط ووفق المصادر شبه الرسمية، فان تلك الرسالة قد تضمنت سلسلة من الوعود المهمة الروسية لسوريا كان من ابرزها استعداد موسكو لتزويد دمشق بالاسلحة الحديثة والمتطورة، بما في ذلك طائرات من طرازي ميغ 29 وسوخوي 27 وصواريخ مضادة للطائرات والصواريخ من نوع (اس 300) الى جانب دبابات حديثة ومن المتوقع ان يتم انجاز هذه الصفقة التي تصل قيمتها الى اكثر من ملياري دولار خلال الزيارة المرتقبة التي سيقوم بها الرئيس السوري بشار الاسد لموسكو في وقت لاحق من هذا العام، اما الوعد الثاني الذي قدمته موسكو الى دمشق فهو استعداد روسيا لاجراء معاهدة الصداقة والتعاون التي كانت قائمة بين البلدين في عهد الاتحاد السوفييتي السابق وذلك من خلال التوقيع على مذكرة تفاهم استراتيجية جديدة بين البلدين تعيد الى الصداقة وعلاقات التعاون نفس الزخم الذي كان سائدا في الحقبة السوفييتية وكما يؤكد المحللون السياسيون فانه يمكن لسوريا ان تتعامل مع هذه التوجهات الروسية الجديدة بالكثير من الانفتاح والواقعية خاصة وان دمشق تواجه ضغوطا متزايدة من جانب التحالف الامريكي ـ الاسرائيلي، الامر الذي يبرز اهمية ان تتحول روسيا الى عمق استراتيجي بالنسبة لسوريا. وثمة من يؤكد انه يمكن لدمشق ان تستعيد الجولان كاملا من يد اسرائيل عبر البوابة الروسية نفسها، ذلك ان قادة تل ابيب عندما يكتشفون بان الحضور الروسي السياسي والعسكري قد اصبح كثيفا في سوريا فانهم لابد في هذه الحالة ان يعيدوا النظر بسياسة احتلالهم للجولان من جهة وبمجمل مواقفهم من ازمة الصراع مع العرب من جهة اخرى، وهذه نقطة مهمة جدا بالنسبة للدبلوماسية السورية التي باتت تحتاج الى حاضنة استراتيجية دولية مثل روسيا حتى تكون قادرة على استكمال مهمات بناء القوة الذاتية سياسيا وعسكريا واقتصاديا. بين العراق وايران وبطبيعة الحال فانه لايمكن ولا يجوز اغفال عنصر مهم جدا في استحضار الدور الروسي الى الشرق الاوسط، وهو العلاقات الجديدة التي اخذت تنمو سريعا بين موسكو وطهران فقد شكلت الزيارة الاخيرة التي قام بها الرئيس الايراني محمد خاتمي لموسكو مؤشرا قويا على ان هناك امكانية كبيرة جدا لقيام نوع من التحالف الاقليمي ـ الدولي بين كل من روسيا وايران، من اجل مواجهة سياسة الانجاز الامريكي وتفرد واشنطن باوضاع الشرق الاوسط. وتشكل صفقات الاسلحة التي أبرمها الجانبان، والتي دخلت الى حد استعداد موسكو لتزويد طهران بالسلاح النووي، عنصرا قويا جدا في تفعيل الدور الروسي على مستوى المنطقة، وللتذكير فقط فان هدف الاستراتيجية الروسية كان منذ ايام القياصرة ولا يزال حتى الآن الوصول الى المياه الدافئة في الشرق الاوسط خاصة. وفي موازاة هذا التحرك الروسي الاستراتيجي باتجاه ايران هناك تحرك مماثل بل اكثر وضوحا وقوة تمثل في سعي موسكو الى توطيد علاقاتها مع العراق ومساعدة الشعب العراقي على الخروج من حالة الحصار الراهنة المفروضة عليه، وتحاول القيادة الروسية بزعامة الرئيس فلاديمير بوتين ان توفر الاجواء السياسية المناسبة امام احياء وتفعيل معاهدة الصداقة والتعاون القائمة بين البلدين منذ عشرات السنين، حتى ان وزير الخارجية الروسي ـ ايجور ايفانوف ـ اكد اثناء زيارته الاخيرة لبغداد ان الشعب الروسي ينظر الى علاقاته مع العراق على انها تشكل نقطة ارتكاز قوية لمجمل السياسة الروسية في الشرق الاوسط. وفي ذلك اشارة واضحة الى ان البوابة العراقية لا تقل أهمية وفعالية بالنسبة لاستحضار الدور الروسي الى المنطقة من البوابة السورية ومن ثم البوابة الايرانية، وبطبيعة الحال، فانه يمكن لموسكو اعادة تنظيم هذا المحور السوري ـ العراقي ـ الايراني، لتحصل منه قوة هائلة في المنطقة تستطيع ان تسقط كل الحسابات والمخططات الاقليمية والدولية لكل من الولايات المتحدة واسرائيل، ويبدو ان هذا بات يشكل احد الخيارات المهمة امام الرئيس الروسي بوتين الذي يريد اعادة صياغة المعادلة الاقليمية والدولية للشرق الاوسط وفق هذا التوجه البارز نحو اقامة تكتل استراتيجي يضم روسيا وسوريا والعراق وايران. وقد يبدو مثل هذا التوجه نوعا من الاحلام المخملية في مخيلة البعض. ولكن التدقيق في الابعاد والتفاصيل، يقود الى الاستنتاج بأنه لا توجد أية مواقع استراتيجية تحول دون ظهور مثل هذا التكتل، وذلك في ضوء عاملين بارزين: الأول ان الدول الثلاث المعنية بهذا الحلف وهي العراق وايران وسوريا، تكاد تواجه حالة حصار متقاربة من جانب الولايات المتحدة وذلك على الرغم من وجود بعض التفاوت في هذا الموقع. ـ صحفي سوري